جاءت تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي حاسمة فيما يتعلّق باستمرار طهران بما وصفه بـ"تخصيب اليورانيوم من دون مساومة"، رافضًا المقترح الأميركي الأخير الذي اعتبره مساسًا صريحًا بسيادة بلاده.
ويعكس هذا الموقف تمسّك المؤسسة الدينية السياسية في طهران بثوابتها فيما يتعلّق بالملف النووي الإيراني، إذ "لا اتفاق من دون تخصيب".
ويؤشر إلى أنّ طريق التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال مؤطرًا بانعدام الثقة المتجذّرة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018.
من الجانب الأميركي، تؤكد الإدارة الأميركية أنّها لم تُغيّر من أدوات ضغطها التقليدية، حيث أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنّ طهران تُماطل، بينما قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية إنّ سياسة "أقصى الضغوط" ما زالت فعّالة.
وفي هذا السياق، قد يُقرأ الانفتاح الإيراني على فكرة "اتحاد إقليمي لتخصيب اليورانيوم" باعتباره مناورة تكتيكية تهدف إلى تخفيف وطأة العقوبات من دون تقديم تنازلات جوهرية، وفقّا لموقع "أكسيوس" الذي نقل عن مسؤول إيراني قوله إنّ "طهران منفتحة على إبرام اتفاق نووي مع الولايات المتحدة يدور حول فكرة تشكيل كونسورتيوم إقليمي لتخصيب اليورانيوم يتخذ من إيران مقرًا".
وقبيل جولة جديدة مُرتقبة خلال أيام من المفاوضات في عمان، جرى اتصال بين الرئيس الأميركي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، طلب هذا الأخير خلاله أن يكون جزءًا من المفاوضات، فيما تتحرّك طهران دبلوماسيًا من موسكو إلى بكين، ثمّ إلى الإقليم، ما يعكس إدراكًا واضحًا لأهمية اللحظة الحالية.
وتُحاول طهران تحشيد دعم سياسي داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن، في مواجهة ما تصفه بـ"الضغوط المتصاعدة".
غير أنّ هذا الدعم خصوصًا من دول الجنوب العالمي، يظلّ رمزيًا أكثر من كونه فعالًا، في ظلّ محدودية تأثيره على مسار التفاوض الأميركي-الإيراني وصورة مستقبل الملف النووي.
فما هي الخطوط الحمراء الإيرانية والتنازلات التقنية الممكنة؟ وما هي مواقف واشنطن بين أدوات الضغط ورهانات التفاهم؟ وكيف سينعكس السجال النووي على المشهد الأمني في الإقليم؟
"الكونسورتيوم مقترح إيراني قديم"
يوضح مدير دراسات الشرق الأوسط في مركز دراسات الخارجية الإيرانية مجتبى فردوسي بور، أنّ الولايات المتحدة تستند على الدبلوماسية الإعلامية بدلًا من الدبلوماسية السياسية فيما يتعلّق بالملف النووي الإيراني، وهو ما يتجلّى -برأيه- في التناقض والتضاد الفكري داخل البيت الأبيض.
ويقول فردوسي بور في حديث إلى التلفزيون العربي من طهران، إنّ الكونسورتيوم ليس مقترحًا جديدًا، إذ سبق أن عرضت طهران هذا الاقتراح على طاولة المفاوضات، وأعلنت جهوزيتها لوجود "أوبك نووي" أو تخصيب يورانيوم على مستوى الإقليم بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بشرط أن يكون داخل الأراضي الإيرانية.
ويضيف أنّ إيران كانت مرنة في سياساتها تجاه الجانب الأميركي ولا تزال محافظة على تعهّداتها ضمن الاتفاق النووي لعام 2015، رغم انسحاب واشنطن أحاديًا منه.
"أمور تجري وراء الكواليس"
من ناحيته، يشرح مدير مركز دراسات الخليج في واشنطن جورجيو كافييرو، أنّ هناك لغطًا والتباسًا بشأن فهم موقف واشنطن وما تُريده من إيران.
ويقول كافييرو في حديث إلى التلفزيون العربي من واشنطن، إنّ استمرار طهران بالمفاوضات وانفتاحها على جولات مستقبلية إضافية يشي بأنّ هناك أمورًا تجري وراء الكواليس.
"واشنطن لن تقبل بكونسورتيوم على أراضي إيران"
من ناحيته، يلفت أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات الدكتور إبراهيم فريحات، إلى أنّ اقتراح الكونسورتيوم محاولة للالتفاف على المُعضلة الأساسية التي تُواجه المفاوضات، ألا وهي مسألة التخصيب على الأراضي الإيرانية.
ويعتبر فريحات في حديث إلى التلفزيون العربي من فرجينيا، أنّ الموقف الإيراني واضح جدًا بأنّ طهران لن تتنازل عن مبدأ التخصيب تحت أي طائلة أو ظرف، ولذلك فإنّ فكرة الكونسورتيوم الإقليمي هو محاولة لتزويد طهران بما تحتاجه من اليورانيوم المُخصّب من دول أخرى، لكن بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ويؤكد أنّ هذا الاقتراح لا يحلّ معضلة أن يكون التخصيب على أراضٍ إيرانية، لأنّ واشنطن لن تقبل بأن يكون الكونسورتيوم النووي على الأراضي الإيرانية، وبالتالي إعطاء طهران امتيازات إضافية.