الإثنين 8 كانون الأول / ديسمبر 2025

مقاومة صالحة للأكل: فاكهة بدلالات سياسية تحتل واجهات الأخبار

مقاومة صالحة للأكل: فاكهة بدلالات سياسية تحتل واجهات الأخبار محدث 13 تشرين الأول 2025

شارك القصة

محتجون يرفعون بطيخة تحمل ألوانًا مقاربة للعلم الفلسطيني في تظاهرة سلمية - غيتي
محتجون يرفعون بطيخة تحمل ألوانًا مقاربة للعلم الفلسطيني في تظاهرة سلمية - غيتي
الخط
من التفاحة الأولى إلى البطيخ الفلسطيني، تحوّلت الفاكهة عبر العصور إلى رموز تتجاوز المذاق والجسد، لتصبح أداة هوية ومقاومة وثقافة عابرة للحدود.

من الأساطير القديمة الممهورة بتاريخ الشعوب إلى رموز وسائل التواصل الحديثة، حملت الفاكهة معانيَ تتجاوز بكثير مجرد كونها غذاءً. ففي الساحة السياسية، تحوّلت ألوانها وأشكالها ودلالاتها الثقافية إلى أدوات فعّالة للرمزية والاحتجاج والهوية. وسواء رُسمت على لافتات، أو حُملت في مظاهرات، أو نُشرت كرموز تعبيرية على الإنترنت، فقد مثّلت صور الفاكهة شكلاً هادئًا من أشكال التعبير، وغالبًا ما نجحت في أداء هذا الدور حينما حُجبت الكلمات أو الأعلام.

ومنذ فجر التاريخ، ربط الإنسان مصيره بالفاكهة كما يبدو. فلولا إغراء التفاحة في بداية الخلق، لبقي بنو آدم في الجنة بأبهى خلقة، لكن شهيته غلبته. ولعل في ذلك رمزية لشهوة الإنسان التي لا تعرف الاكتفاء أبدًا. وعلى مرّ العصور، دخلت الفواكه فضاء الرمزيات، وأعطتها بُعدًا مرتبطًا بحكمة الطبيعة الغامضة وترابطها الأزلي مع مصير الإنسان.

عنب ورمان وتين وزيتون

في الأديان السماوية، ارتبطت التفاحة بـ"ثمار الجنة المحرّمة" التي أكلت منها حواء وآدم، فأصبحت رمزًا للمعرفة والخطيئة الأصلية. وفي الأساطير الإغريقية، كان التفاح، ولا سيما تفاح هيسبيريديس الذهبي، رمزًا للخلود، وقد قاد إلى حرب كبرى هي حرب طروادة، كما تذكر موسوعة المعرفة، التي تروي أنّ الخلاف بين الربّات هيرا وأثينا وأفروديت على من منهنّ الأجمل استحقّ "التفاحة الذهبية" كان شرارة الحرب.

وفي اليونان القديمة، ارتبط العنب بإله الخمر ديونيسوس، فكان رمزًا للخصب والاحتفال والتحرّر من القيود الاجتماعية، وفقًا لكتاب أساطير العالم للباحث هيثم هلال. ومع الوقت، أصبح رمزًا مزدوجًا: للإبداع والحياة من جهة (البذور وإعادة الخلق)، وللإفراط والانحلال من جهة أخرى (النبيذ وطقوس العربدة).

وفي الأسطورة اليونانية أيضًا، يُقال إن ابنة ربة الزراعة، برسيفوني، أكلت حبات من الرمان في عالم الأموات، فاضطرت إلى العودة إليه كل عام، ما فسّر تتابع الفصول الطبيعية. وهكذا أصبح الرمان رمزًا للحياة والموت، والخصوبة والبعث. وفي الإسلام، برز الرمان كفاكهة مميّزة من فواكه الجنة الموعودة.

أما في الأساطير السومرية والكنعانية، فكان التين شجرة مقدسة ترتبط بالخصوبة والحماية، بينما ارتبط الزيتون بإلهة الحكمة أثينا، إذ تقول الأسطورة إنها أهدت شجرة الزيتون إلى المدينة التي حملت اسمها، فأصبحت رمزًا للحكمة والسلام والازدهار. وقد منحه القرآن الكريم في آياته قيمة مقدسة أيضًا.

وفي الأساطير الصينية، يُعتقد أن الخوخ يمنح الخلود، إذ يُروى أن إلهة الخلود "شي وانغ مو" كانت تزرع خوخًا سماويًا لا يُثمر إلا كل ثلاثة آلاف سنة، ومن يأكل منه يعيش إلى الأبد. ولذلك بقي الخوخ رمزًا للحياة الطويلة والبركة في الثقافة الصينية حتى اليوم.

يُقال إن ابنة ربة الزراعة، برسيفوني، أكلت حبات من الرمان في عالم الأموات، فاضطرت إلى العودة إليه كل عام، ما فسّر تتابع الفصول الطبيعية. وهكذا أصبح الرمان رمزًا للحياة والموت، والخصوبة والبعث.

لاحقًا، في الفن الديني الأوروبي خلال العصور الوسطى، وُظّفت التفاحة لتجسيد الخطيئة والمعرفة الممنوعة، كما في لوحات “آدم وحواء”، بينما استُخدم العنب للدلالة على دم المسيح في الطقوس الكنسية، جامعًا بين رمزي الحياة والموت. وفي المقابل، احتفظ الرمان بمكانته كرمز للبعث والوحدة، إذ يرمز تعدّد بذوره إلى تنوّع البشرية داخل الإيمان الواحد.

ومع صعود النهضة الأوروبية، بدأت الفاكهة تفقد معناها الديني الصرف لتصبح رمزًا إنسانيًا وجماليًا في اللوحات، تعكس الوفرة أو الشهوة.

لطالما حملت الفاكهة معانيَ تتجاوز بكثير مجرد كونها غذاءً وحتى تحولت إلى أدوات فعّالة للرمزية والاحتجاج والهوية - غيتي
لطالما حملت الفاكهة معانيَ تتجاوز بكثير مجرد كونها غذاءً وحتى تحولت إلى أدوات فعّالة للرمزية والاحتجاج والهوية - غيتي

أناناس الترف والاستعمار

كانت فاكهة الأناناس، في يوم من الأيام، من أكثر الفواكه ندرةً وترفًا في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، حتى أصبحت رمزًا للثروة الإمبراطورية، والاستكشاف، والغزو الخارجي. فقد عرضت النخب الأوروبية، خصوصًا في بريطانيا وفرنسا، الأناناس في الأعمال الفنية والعمارة وقطع الزينة المركزية على الموائد، لإظهار نفوذها العالمي وقوتها الاستعمارية.

وكما يذكر كتاب ثقافة الأناناس: تاريخ المناطق الاستوائية والمعتدلة لمؤلفه غاري أوكيهيرو، فإن رمزية هذه الفاكهة اللذيذة أصبحت لاحقًا أكثر تعقيدًا، ولا سيما في هاواي، حين حوّلت شركات مثل "دول" و"ديل مونتي" الجزر إلى مزارع أناناس شاسعة، ما أدّى إلى تهجير مجتمعات السكان الأصليين وإعادة تشكيل الاقتصاد.

وهكذا أصبح الأناناس رمزًا للاستعمار الاقتصادي وتجارة الطبقات الثرية ذات الشهية الشرهة لكل ما هو غالٍ ونادر.

عُدّت فاكهة الأناناس رمزًا للثروة الإمبراطورية، والاستكشاف، والغزو الخارجي - غيتي
عُدّت فاكهة الأناناس رمزًا للثروة الإمبراطورية، والاستكشاف، والغزو الخارجي - غيتي

المانغو: هوية ما بعد الاستعمار

تحمل فاكهة المانغو في جنوب آسيا معاني وطنية وثقافية عميقة؛ ففي الهند وباكستان وبنغلاديش، تتجاوز كونها مجرد فاكهة لتصبح رمزًا للتراث والفخر الوطني.

وتشير مجلة الدبلوماسي في مقال بعنوان "دبلوماسية المانغو: استراتيجية القوة الناعمة للهند" إلى أن هذه الثمرة استُخدمت رمزيًا في "تشكيل الهوية ما بعد الاستعمار".

وقد استخدم الزعيم التاريخي جواهر لال نهرو، أول رئيس وزراء للهند بعد استقلالها عام 1947، ثمار المانغو الفاخرة لجذب كبار الشخصيات الزائرة إلى الهند، وقدمها هدايا للقادة الأجانب، جاعلًا منها أداةً للدبلوماسية والقوة الناعمة في خمسينيات القرن العشرين.

الموز السياسي

في أماكن أخرى، لم تُمثّل الفاكهة المقاومة بل الاستغلال. فمصطلح "جمهورية الموز"، الذي صاغه الكاتب الأميركي أوليفر هنري في أوائل القرن العشرين ضمن مجموعته القصصية ملفوف وملوك (1904)، يشير إلى دول أميركا الوسطى الخاضعة اقتصاديًا لسيطرة شركات الفاكهة الأميركية.

وهكذا أصبح الموز رمزًا للاستعمار الجديد، والتدخل الأجنبي، والفساد، وهي صورة لا تزال تُستحضر في الخطاب السياسي والسخرية المعاصرة.

بعكس فواكه أخرى، لا يمثّل الموز المقاومة بل الاستغلال وهو ما يشير إليه مصطلح "جمهورية الموز" - غيتي
بعكس فواكه أخرى، لا يمثّل الموز المقاومة بل الاستغلال وهو ما يشير إليه مصطلح "جمهورية الموز" - غيتي

البطيخ الأكثر شهرة وانتشارا

لعل أوضح مثال راهن على البعد السياسي والإعلامي لرمزية الفاكهة هو تمثيل البطيخ للقضية الفلسطينية ومأساة شعبها. فبعد احتلال الضفة الغربية وغزة عام 1967، حظرت السلطات الإسرائيلية عرض العلم الفلسطيني، فلجأ الفنانون والمتظاهرون إلى استخدام البطيخ كبديل، لتطابق ألوانه، الأحمر والأخضر والأبيض والأسود، مع ألوان العلم.

وفي يناير/ كانون الثاني 2023، تلقت الشرطة الإسرائيلية تعليمات بمصادرة الأعلام الفلسطينية من الأماكن العامة، وتبع ذلك في يونيو/ حزيران مشروع قانون لحظر العلم في المؤسسات الحكومية. وردًّا على ذلك، وضعت منظمة "زازيم"، وهي منظمة سلام عربية إسرائيلية شعبية، العلم الفلسطيني، على شكل بطيخة، على نحو اثنتي عشرة سيارة أجرة في تل أبيب.

وفي ظل الصراع الحالي، ومع اشتداد العصبيات في الاتجاهين، يستخدم الناس رمز البطيخ الإلكتروني لتجاوز "الحظر الخفي" على مواقع التواصل الاجتماعي عند نشر منشورات عن الأحداث الجارية في غزة، فأصبح حمل هذه الفاكهة أو تصويرها عملاً من أعمال التحدي الخفي والتأكيد على الهوية الوطنية. وظهر البطيخ كرمز للعلم الفلسطيني في الأعمال الفنية والقمصان ورسومات الغرافيتي والملصقات، فضلًا عن وسائط التواصل الاجتماعي.

ومن الجدير بالذكر أنّ البطيخ سبق أن اكتسب بعدًا رمزيًا آخر قبل تمثيله الحالي للفلسطينيين، إذ انتشر كرمز للعبودية في أميركا الشمالية خلال ذروة الصراع من أجل التحرّر.

فبعد انتقاله من مصر والسودان إلى أوروبا، وصل البطيخ إلى الأميركيتين في أواخر القرن السادس عشر مع المستعمرين الأوروبيين وتجار الرقيق، وأصبح جزءًا من الحياة الزراعية هناك. لكن مع منتصف القرن التاسع عشر، تغيّرت رمزية البطيخ في الولايات المتحدة، إذ بدأ يُستخدم في تصنيفات عنصرية ضد الأميركيين من أصل إفريقي.

ويوضح الباحث ويليام ر. بلاك أن العبيد كانوا يزرعون البطيخ في أراضٍ صغيرة خاصة بهم لبيعه، مما وفر لهم دخلًا بسيطًا ودرجة من الاستقلال. بعد الحرب الأهلية، واصل الأميركيون الأفارقة الأحرار زراعته وبيعه، معتبرين ذلك "طعمًا للحرية"، كما تقول المحاضِرة في الدراسات الإفريقية الأميركية الدكتورة جو فون ماكاليستر من جامعة هوارد.

شكّل استخدام البطيخ، كما رموز الفاكهة الأخرى، تجربة ناجحة بامتياز - غيتي
شكّل استخدام البطيخ، كما رموز الفاكهة الأخرى، تجربة ناجحة بامتياز - غيتي

لكن نجاحهم أثار غضب مالكي العبيد السابقين، الذين رأوا في استقلال السود الاقتصادي تحديًا لسلطتهم، فحاولوا تشويه هذا الرمز الجديد للحرية. وانتشرت الدعاية العنصرية التي تربط بين السود والبطيخ لتصويرهم ككسالى وجهلة، في محاولة للنيل من كرامتهم وتقويض نجاحهم التجاري. وظهرت هذه الصور في الإعلانات والأفلام والرسوم المتحركة، حيث استُخدم البطيخ كأداة لإدامة العنصرية، إذ أُنتجت مجسّمات ولوحات تُظهر الأميركيين الأفارقة يأكلون البطيخ بأسلوب ساخر ومهين.

لاحقًا، لجأ الفنانون السود والمناصرون لقضايا التحرر إلى استخدام البطيخ بصورة معاكسة، كرمز من رموز الاستقلال الاقتصادي وتقرير المصير، وهو المعنى نفسه الذي يمثله اليوم استخدامه كرمز للتحرر الفلسطيني ومقاومة سياسات الإلغاء والتهميش وطمس حقوق أمة كاملة.

لا شكّ أنّ استخدام البطيخ شكّل، كما رموز الفاكهة الأخرى، تجربة ناجحة بامتياز. فالرموز الفاكهية عمومًا سهلة التعرّف، وغير سياسية المظهر، ومشحونة عاطفيًا، وتخاطب الغرائز والأحاسيس. وهي تمكّن الحركات، لا سيما تلك التي تواجه الرقابة الواقعية أو الافتراضية، من التعبير عن الانتماء والتحدي والاحتجاج عبر صورٍ عالميةٍ ومحددةٍ ثقافيًا في آنٍ واحد. وهكذا تبقى الفاكهة، على بساطتها، سلاحًا رمزيًا عابرًا للثقافات، يُترجم بذكاء ما لا يُقال، ويُذكّر بأن أشكال المقاومة قد تكون أحيانًا صالحةً للأكل
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
تغطية خاصة