Skip to main content

ملاجئ وغرف آمنة وتخزين.. كيف غيّرت الحرب شكل البيت اللبناني؟

الأربعاء 15 أبريل 2026
غيرت الحرب فكرة البيت وتقسيماته في لبنان- غيتي
في الحروب، لا يبقى البيت على معناه المألوف في زمن السلم، حيث تتبدل وظيفته، ويتغير إيقاع الحياة داخله، وتُعاد صياغة علاقته بأهله وبمحيطه.

في الحرب اللبنانية، لم يقتصر التحول على الشوارع وخطوط التماس، لكنه امتد إلى داخل البيوت نفسها، حيث تحولت الغرف والممرات والزوايا إلى مساحات للنجاة وإدارة الخوف.

تشير شهادات وأعمال توثيقية إلى أن كثيرًا من اللبنانيين عاشوا داخل بيوتهم بوصفها "المساحة الوحيدة للأمان"، في ظل غياب ملاجئ مجهزة على نطاق واسع.


الحرب في تفاصيل البيت اللبناني


هكذا، لم يعد البيت مجرد مكان للسكن، لكنه أصبح جزءًا من منظومة الحماية اليومية، يعاد تنظيمه وفق معايير الأمان لا الراحة. وفي الظروف الطبيعية، تُقسَّم الغرف بحسب وظائفها: نوم، معيشة، طعام، لكن في زمن الحرب، تغيّرت هذه القواعد.

صار موقع الغرفة داخل البيت، وسماكة جدرانها، وابتعادها عن النوافذ، عوامل حاسمة في تحديد قيمتها، حيث انتقلت الحياة اليومية أحيانًا إلى الممرات أو الزوايا الداخلية، حيث الإحساس النسبي بالأمان.

هذا التحول أعاد تعريف "الداخل" نفسه، إذ لم يعد فضاءً محايدًا، لكنه أضحى خريطة خطر مصغّرة داخل المنزل، تُحدّد فيها أماكن الاحتماء وفق تقديرات يومية للخطر.

ورغم ارتباط صورة الحروب بالملاجئ تحت الأرض، فإن هذا النموذج لم يكن متاحًا دائمًا في لبنان، حيث ابتكرت العائلات حلولًا بديلة: غرف داخلية، مواقف سيارات، أقبية، أو حتى زوايا محددة داخل المنازل.


  تغيّر معيار تقييم الغرف: لم تعد المساحة أو الإطلالة هي الأهم، بل مستوى الحماية الذي توفره - غيتي

فلم يعد الملجأ هنا بنية معمارية جاهزة، بقدرما أصبح وظيفة طارئة فُرضت على أجزاء من البيت.

وارتبطت النجاة بقدرة السكان على التكيف: اختيار المكان الأقل خطرًا، وتأمين الوصول إليه بسرعة، وتجهيزه بالحد الأدنى من الاحتياجات.

الغرفة الآمنة وثقافة التخزين


ومن انعكاسات الحرب على العمارة وطرق العيش داخل المنزل هناك فكرة "الغرفة الآمنة" التي لم تكن شائعة آنذاك لكن ممارسته كانت حاضرة.

فقد تعلّمت العائلات مع الوقت تحديد الغرف الأكثر أمانًا، بناءً على موقعها داخل البيت وبعدها عن مصادر الخطر.

وبذلك تغيّر معيار تقييم الغرف: لم تعد المساحة أو الإطلالة هي الأهم، بل مستوى الحماية الذي توفره. هذه التجربة تركت أثرًا طويل الأمد في نظرة اللبنانيين إلى بيوتهم، حتى بعد انتهاء الحرب.

من أبرز التحولات أيضًا انتشار "ثقافة التخزين" ففي ظل انقطاع الطرق وتعطل الخدمات، أصبح تخزين الماء والمواد الغذائية والأدوية والوقود جزءًا من الحياة اليومية.

فلم يكن التخزين مجرد إجراء عملي، لكنه كان أيضًا وسيلة نفسية للحفاظ على شعور بالسيطرة وسط الفوضى، ومع مرور الوقت، تحولت هذه الممارسة إلى عادة راسخة في كثير من البيوت اللبنانية، واستمرت حتى بعد انتهاء الحرب.


تحولات مستمرة


تركت الحرب التي اعتادتها الساكنة في لبنان وتكيّفت على أساسها تحولات عديدة لم تنته حتى مع انتهاء الحرب. فإلى جانب الأضرار المادية، تغيّرت علاقة اللبنانيين بمنازلهم وأصبح البيت يُنظر إليه كملاذ وضمانة، لا مجرد مساحة للعيش.

كما انعكست الحرب على أنماط السكن والتوسع العمراني، حيث برزت اعتبارات الأمان والانتماء في اختيار الأماكن، ولم يكن ترميم الأبنية كافيًا لمحو آثار الحرب، التي بقيت حاضرة في الذاكرة وفي طريقة استخدام الفضاء.

  • هكذا فإن ما بقي لا يقتصر على الملاجئ أو الزوايا الآمنة، لكن يشمل منطقًا كاملًا في العيش: الحذر، والاستعداد للطوارئ، والخوف من الانقطاع، وهو ما يظهر في السلوك اليومي، من تخزين المواد الأساسية إلى البحث الدائم عن الأمان. وبهذا المعنى، لم تغيّر الحرب شكل البيت اللبناني خلال سنواتها فقط، لكنها أعادت تعريفه في الوعي الجماعي: من مكان للسكن إلى بنية للنجاة، ومن فضاء خاص إلى خط دفاع أول في مواجهة الخطر.

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة