ضجة كبيرة رافقت تصوير مسلسل "منّاعة" الذي أخرجه حسين المنباوي، وزادت من وتيرة الترقّب لعمل تتصدر بطولته واحدة من أبرز الممثلات المصريات في العقدين الأخيرين، المصرية-التونسية هند صبري.
يُضاف إلى ذلك أن المسلسل يدور حول "القاهرة السفلى" في ثمانينيات القرن المنصرم، حين ازدهرت تجارة المخدرات على نطاق واسع في حي "الباطنية" الشهير، حيث ولدت "غرام" بطلة المسلسل لأبوين يعملان في التجارة نفسها.
ولادة "غرام" على طاولة "البضاعة"
المسلسل مأخوذ عن قصة حقيقية حدثت في "الباطنية" منتصف الثمانينيات، وبطلتها تُدعى نبوية عبد التواب، التي اعتُبرت من أشهر تجّار المخدرات في مصر في الثمانينيات والتسعينيات، وعُرفت بلقب "المعلّمة منّاعة" و"إمبراطورة الباطنية".
على أن جاذبية القصة، حتى إذا رُويت بإتقان، لا تكفي لتشييد المعمار الدرامي. فصناعة الدراما الثقيلة لا تبدأ من حادثة حقيقية وامرأة ولدت هناك ووجدت نفسها أمام طريق واحد: أن تنخرط في تجارة الأب، ولاحقًا الزوج الذي يُقتل في إحدى العمليات المرتبطة بتسليم "البضاعة".
هي تحتاج عمليًا إلى بناء درامي متعدّد الطبقات، وربما الذروات، لتحويل القصة إلى دراما تُشاهد لا حكاية تُروى، وهو ما أخفق فيه "منّاعة" جزئيًا أو إلى حد كبير.
ينفتح المشهد الدرامي في الحلقة الأولى على حي "الباطنية"، وعلى رجل يقف أمام فرن النار، يصله خبر فيهبّ واقفًا ومسرعًا إلى بيته، ليجد زوجته على وشك الوضع.
يحمل الرجل زوجته ويضعها على الطاولة المخصصة لتقطيع المخدرات وتقسيمها، فتلد عليها طفلته. سريعًا يأتي "معلمو" الحي لتهنئته. يسأله أحدهم ماذا سيسميها فيقول:
"غرام"
يُقتل زوج غرام خلال عملية تسليم لم تتم للبضاعة، ويترك لها حقيبة مليئة بالمخدرات. ومع بدء الحملة على العاملين في هذا المجال داخل الحي واعتقال العديد منهم، تنجو "غرام" وتعيش في أحد المدافن، بلا دخل حقيقي ولا غطاء اجتماعي.
لكن الصدفة تقدم لها حلًا: فبعد رفضها الإقرار بوجود المخدرات معها أو إعادتها إلى "المعلّم"، تجد "غرام" زبونها الأول بالصدفة، وتبدأ ظروفها بالتحسن كلما ازداد الزبائن. فتنتقل إلى حي أفضل، وتبدأ بتكوين فريقها.
منّاعة.. إيقاع بطيء وأحداث كبرى
في المعالجة الدرامية كان الإيقاع أبطأ من طبيعة الحدث، وإن كان يمكن تفهّم ذلك في الحلقات الافتتاحية التي تقدم صورة بانورامية للحدث والأماكن التي يدور فيها، قبل أن ينتقل المسار الدرامي إلى المصائر الفردية الصغيرة التي تصنع المشهد الكبير.
إلا أن الإيقاع ظل على حاله. فالأحداث تواصل توسعها الأفقي، لا في الحلقات الأولى فحسب، بل حتى الحلقة الثامنة، أي منتصف مسلسل من 15 حلقة. ومع أن بعض "الانتقالات" الدرامية كان يمكن تحويلها إلى "ذروات" تنقل السرد من التوسع الأفقي إلى التطور العمودي، فإن ذلك لم يحدث، لأسباب تتعلق ببناء الشخصيات التي تبدو ثابتة رغم تغيّر الأحداث من حولها.
على سبيل المثال، فإنّ تغيّر اسم البطلة من "غرام" إلى "منّاعة" - الذي سيصبح لقبها - استغرق ثماني حلقات، بينما حدثت خلال ذلك تغيّرات كبيرة، منها توسيع تجارتها وانتقالها إلى طبقة أخرى.
ومع ذلك، لم ينعكس هذا على إيقاع الأحداث أو سيكولوجيا الفاعلين فيها: فغرام تظل نفسها، بانفعالاتها نفسها، وبملابسها نفسها تقريبًا.
عالم المخدرات في الدراما: أنماط تتكرّر
هناك تجّار كبار يقتسمون مناطق البيع، ويتولون عمليات استيراد "البضاعة" وتأمينها، وخلق ستائر تمويه على أعمالهم، مثل أعمال خيرية أو علاقات بالسياسة أو الاتجار في بضائع شرعية تبرّر ثراءهم.
تلي هؤلاء طبقة أخرى من التجار أكثر التصاقًا بـ"السوق" وإكراهاته. وهم أكثر عرضة للخطر من سابقيهم، ويظهر عليهم أي تغيّر في الدخل: في الملابس والهيئة العامة، لكنهم يحرصون على التساوق مع قواعد السوق والفاعلين فيه. فتجدهم يتمسكون بلهجة دون غيرها وملابس محددة، ليظهروا أنهم "أولاد بلد" بالتعبير المصري الدارج.
سبب ذلك أنهم يتعاملون مع "تجّار قطعة" والموزعين الصغار، ضمن قواعد أخلاقية بينية تقوم على ما يشبه قانون الأمان بين أفراد الحلقات العاملة في تجارة المخدرات: أي تعهّد مُلزم بالضرورة أيًا كانت التبعات، وهذا ما يُعبّر عنه بـ"الكلمة": فإذا أُعطيت أصبحت مُلزمة. يضاف إلى ذلك ما يمكن تسميته وحدة المصير (التضامن مع ضحايا التجارة على أيدي قوات الأمن في حالتي السجن أو القتل).
غرام حين تتحوّل إلى منّاعة
كانت "غرام" من هؤلاء: بملابس تُظهرها امرأة جميلة لكنها من حي شعبي (كثير من الحلي الذهبية في اليدين وعلى العنق)، وبسلوك محكوم بالتعبير عن الذات وفق ذلك. فهناك "سخاء شعبي" في العطاء وتوزيع الهدايا (اللحوم في الحالة المصرية)، لكن ذلك لم يُوظف دراميًا على نحو خلّاق.
في الحلقة الثالثة، على سبيل المثال، تتعرض شقيقتها للخيانة من زوجها الذي يصفعها أمام المارة. وعندما تعلم "غرام" بذلك، تتصرّف "حرفيًا" بدوافع رجالات المافيا وعصابات المخدرات والبلطجة في الشوارع:
الانتقام.
تندفع غرام، في واحد من أفضل مشاهد المسلسل، بأداء باهر في عفويته وطلاقته من هند صبري، إلى بيت شقيقتها برفقة اثنتين من رفيقاتها.
تغلق الباب وراءها بعنف، تتحدث بغلظة مع والدة زوج شقيقتها، وتدخل غرفته وتوقظه بعنف، قبل أن تنهال عليه ضربًا بآلة حادة على إحدى قدميه، انتقامًا لشقيقتها.
كان تصرف "غرام" هنا منسجمًا مع حالتيها: شقيقةً وتاجرة مخدرات. لكن هذا البناء لم يُصلّب في مشاهد أخرى وجدت فيها غرام نفسها مضطرة للدفاع عن النفس أو الهجوم، ما جعل بناء شخصيتها رخوًا وغير مكتمل.
ومردّ ذلك إلى التوسع الأفقي في الأحداث، والاحتكام إلى بنى نمطية للعاملين في تجارة المخدرات في الدراما: أن يُرغَب بها من تاجر أكبر، وأن تقع في اضطراب وتشوّش عاطفي يكون كعب أخيل في حياتها ومهنتها.
"العار" نموذجًا.. المخدرات كمنظومة أخلاقية
يقدّم فيلم "العار" (1982) من إخراج علي عبد الخالق المقاربة الأكثر ذكاء ربما في السينما والدراما العربية لعوالم الاتجار بالمخدرات، وخاصة في بناء شخصياته: الأب تاجر العطارة الطيب الذي تشكّل صفاته غطاءً لعمله الممنوع، والأبناء كمال (نور الشريف) وشكري (حسين فهمي) وعادل (محمود عبد العزيز).
قدّم الفيلم منظومتين أخلاقيتين تحكمان أبطاله: الأولى خاصة بالعاملين في المخدرات عبر كمال الابن الذي لم يكمل تعليمه ويعمل مع والده، والثانية تتعلق ببقية الأسرة: الطبيب النفسي ورئيس النيابة.
وبينما يقارب كل طرف المسألة الأخلاقية من خلال منظومته، يتكشف زيف المنظومة لدى من لا يعملون بالمخدرات، مقابل انسجامها وصلابتها، بل ووجود آليات دفاع قوية عنها، لدى كمال، الذي يرث تجارة المخدرات عن والده ويجاهد لإنقاذ أسرته الكبيرة من "الفضيحة" والإفلاس.
في أثناء ذلك، ثمة عالم آخر لكمال: امرأة أخرى لا تشبه زوجات شقيقيه أو حتى أمه، وأنماط تحكم تفاصيل حياته، بدءًا من ملابسه وعاداته الغذائية وبعض مفرداته.
هذا ما نجده أيضًا في بناء شخصيات "العرّاب" لفرانسيس فورد كوبولا (1972).