الأربعاء 10 كانون الأول / ديسمبر 2025

منة شلبي الفائزة بجائزة الجونة.. الإغواء "الساحر" بالإيحاء لا البورنوغرافيا

منة شلبي الفائزة بجائزة الجونة.. الإغواء "الساحر" بالإيحاء لا البورنوغرافيا محدث 24 تشرين الأول 2025

شارك القصة

شاركت منة شلبي خلال مسيرتها في أفلام كبار المخرجين المصريين-فيسبوك
شاركت منة شلبي خلال مسيرتها في أفلام كبار المخرجين المصريين-فيسبوك
الخط
من "الساحر" إلى جائزة الجونة "الإنجاز الإبداعي": تحليل لمسيرة منة شلبي وحدود الإغواء المشروع مقابل البورنوغرافيا، وكيف صاغت دورًا حسّيًا بلا تعرٍ.

منح "مهرجان الجونة السينمائي" أخيرًا الممثلة المصرية منة شلبي جائزة "الإنجاز الإبداعي"، أرفع جوائز المهرجان الذي افتتحت دورته الثامنة في السادس عشر من الشهر الجاري.

وعُرض في مهرجان الجونة، الذي يُقام منذ انطلاقته الأولى عام 2017 في مدينة الجونة السياحية على البحر الأحمر، أكثر من 80 فيلمًا. وواصل المهرجان في دورته هذه، للسنة الثالثة على التوالي، تقليدًا يقضي بتخصيص برنامج "نافذة على فلسطين" ضمن فعالياته، وشمل هذا العام عرض سبعة أفلام قصيرة إلى جانب فيلم طويل.

منح منة شلبي جائزة الإنجاز الإبداعي في مهرجان الجونة-فيسبوك
منح منة شلبي جائزة الإنجاز الإبداعي في مهرجان الجونة-فيسبوك

وتميّزت دورة هذا العام بإحياء مئوية ميلاد المخرج المصري يوسف شاهين (1926-2008)، الذي أخرج عددًا من أهم أفلام السينما المصرية عبر تاريخها، ومن بينها "باب الحديد" عام 1958 و"الأرض" عام 1970 و"العصفور" عام 1972 و"إسكندرية ليه" عام 1978.

وفي الاحتفال الذي مُنحت فيه جائزة "الإنجاز الإبداعي"، أهدت الفنانة منة شلبي جائزتها إلى المخرج رضوان الكاشف (1952-2002) الذي منحها أول أدوارها السينمائية الرئيسية في فيلم "الساحر"، وإلى والدتها الفنانة زيزي مصطفى، قائلة إنها علّمتها "معنى الطموح والثقة والصبر والنجاح".

منة شلبي في "الساحر"

يُعد "الساحر" الذي أخرجه الكاشف عام 2001 آخر أفلامه الروائية الطويلة، بعد فيلميه "عرق البلح" و"ليه يا بنفسج". وكرّس فيه أسلوبه الفريد في مقاربة موضوعاته ضمن تيار ما تُسمّى "الواقعية الجديدة" في السينما المصرية التي ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي، وكان الكاشف أحد أبرز رموزها، بالإضافة إلى عاطف الطيب ومحمد خان وداود عبد السيد وعلي عبد الخالق وخيري بشارة.

قدم الكاشف منة شلبي في أول ادوراها الرئيسية في فيلم الساحر-فيسبوك
قدم الكاشف منة شلبي في أول ادوراها الرئيسية في فيلم الساحر-فيسبوك

أهدى الكاشف فيلمه "الساحر" إلى "سعاد حسني وصلاح جاهين وبهجة البسطاء"، وحسني وجاهين من أبرز رموز السينما المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين.

مثّلت سعاد حسني في نحو ثمانين فيلمًا، وتُعد من أعظم المواهب النسائية في تاريخ السينما المصرية. وتعاونت مع الشاعر والسيناريست صلاح جاهين في عدد منها، من بينها "خلّي بالك من زوزو" الذي عرف شهرة استثنائية في المنطقة العربية في سبعينيات القرن الماضي.

مراهقة فوق السطوح

يدور الفيلم حول الساحر المتقاعد منصور بهجت (محمود عبد العزيز) الذي يعيش مع ابنته المراهقة نور (منة شلبي) على سطوح إحدى البنايات في حي شعبي، ويعيش على إيرادات إيجار محل صغير يمتلكه.

يفتتح الكاشف فيلمه بمشهد حُلُمي يكون فيه منصور بهجت معتمرًا قبعة الساحر ويمشي مع ابنته، عندما تعترض طريقهما سيارة ينزل منها عدد من الشبان أقوياء البنية، فيعتدون عليه ويأخذون منه ابنته.

وتكون المفاجأة أن الابنة تخلع جزءًا من ثيابها وهي برفقة الشبان بما يبرز جمالها، ثم تعتلي مقدمة السيارة وتبدأ بالتدخين، قبل أن تترك أباها وحيدًا وهو يشاهدها تضحك بتهتّك وترافق الشبان بعيدًا عنه.

في تلك اللحظة يصحو منصور (الساحر المتقاعد) مرعوبًا وخائفًا على ابنته، قبل أن يُهرع إلى غرفتها الصغيرة والفقيرة ليطمئن عليها، ويُحكم الغطاء فوقها.

تحولت منة شلبي نجمة منذ فيلم الساحر عام 2001-فيسبوك
تحولت منة شلبي نجمة منذ فيلم الساحر عام 2001-فيسبوك

الغرفة صغيرة لكنها تمتلئ بملصقات لفنانين ولاعبي كرة قدم، ولها نافذة تطل منها الابنة نور على العالم، منذ منعها والدها من الخروج تمامًا خشية عليها من الإغواء فالضياع. فالبنت "فارت" على حد وصفه وتحتاج إلى من يحميها، وتزداد مخاوفه وهواجسه بعد اختطاف إحدى فتيات الحي، فماذا يفعل؟

يلجأ منصور إلى أحد الفتوات السابقين لتدريبه على استخدام "المطوى" للدفاع عن ابنته، وفي أثناء ذلك تكون الابنة نور في غرفة الحمّام مع حمودة، المعجب بها ويريد الزواج منها، في أوضاع حميمية.

الوجه الجديد رمزًا جنسيًا

في تتر الفيلم قُدِّمت منة شلبي باعتبارها "الوجه الجديد"، وهو ما ستجهد شلبي للتخلّص منه، وممّا خلّفه من انطباعات في أفلامها اللاحقة، إذ قدّمها رمزًا للإغواء البدائي والغريزي:

شابة صغيرة السن، ممتلئة، بصدر مندفع وشفتين نديّتين. تُحضَن وتُقبّل مرارًا في الفيلم الذي يبدو للوهلة الأولى أنه يدور حول الساحر المتقاعد، بينما يدور في حقيقته حول الغريزة البدائية للابنة، وتحوّلات حياتها ومباهجها الجسدية، أكثر مما يسرد حياة الساحر نفسه.

يكسر الكاشف في "الساحر"، من خلال "الوجه الجديد"، تابوهات كثيرة، سواء في المجتمع أو في المقاربة السينمائية، ضاربًا عرض الحائط بمفهوم "السينما النظيفة" القائم على الإيحاء الجنسي والحد الأدنى من كشف الجسد أو ملامسته.

يتحرّك بقوة لكن بحذر شديد بين "الواقعية الخشنة" التي تقدّم المشاهد كما تحدث في "الواقع والحقيقة"، و"البورنوغرافيا" التي تنقل الفن إلى منطقة أخرى تمامًا وتجرده من عناصره الحقيقية، وتحوله إلى مجرد مشهديات شهوانية لا سياق حقيقيًا لها ولا بنية مُحكمة تتحرك فيها الأحداث وتُعايَن فيها المصائر.

أدت منة شلبي ادورا في اكثر من اربعين فيلما-موقع الفنانة على فيسبوك
أدت منة شلبي ادورا في اكثر من اربعين فيلما-موقع الفنانة على فيسبوك

ساعده في ذلك أن "الوجه الجديد" منة شلبي تُطابق تمامًا دورها؛ فالشابة الممتلئة ابنة الأحياء الفقيرة تعكس طبيعة جيلها نفسه وطبقتها.

ويُعطف على هذا انقطاعها عن الدراسة بسبب مخاوف الأب المتضخّمة وحبسها في المنزل الصغير، ما يجعل البديل الوحيد لديها يقوم على الحلم والرغبة في التحرّر وكسر الدوائر المغلقة التي تحيط بحياتها.

ويحدث هذا من خلال علاقتها بشاب يعجب بها، ويتحدّر من طبقتها نفسها ويتبنّى طريقتها في التفكير والحياة، حيث لا يمتلك كلاهما سوى التعبير عن نفسيهما بالجسد: اكتشافًا لمباهجه وتمردًا على الأب من خلاله.

عضّد من ذلك أن "الوجه الجديد" تتمتع بموهبة فطرية أكثر ملاءمة لهذا النوع من الأدوار، حيث الغريزة لا العقل، والاندفاع لا التمهّل والتفكير، ما خلق صورة بالغة الجاذبية لتلك الفنانة التي فاجأت الوسط الفني المصري كله بدورها ذاك.

كما ألهبت مشاعر جيل جديد من المشاهدين رأى في منة شلبي "رمزًا جنسيًا"، على شاكلة هند رستم (لا ناهد يسري، وبدرجة أقل ناهد شريف).

مع هند صبري وحنان ترك في "احلى الاوقات"- فيسبوك
مع هند صبري وحنان ترك في "احلى الاوقات"- فيسبوك

بهذا، تنتمي شلبي منذ فيلمها الأول إلى كبار الممثلات المصريات اللواتي اعتُبرن رموزًا جنسية دون أن يتعرّين، من هند رستم إلى سعاد حسني التي أهدى الكاشف فيلمه لها.

ما بين الإغواء والتعري

لا تُقدّم القراءات السينمائية العربية، الفقيرة في الأساس، حفرياتٍ حقيقية في مقاربة الجسد في السينما العربية، ولا تُفرّق بين الإغواء "الحسّي" الشهواني والتعرّي، وإن فعلت فبشيء من الحياء.

وهو ما يمكن معاينته في حالة دور منة شلبي في "الساحر": فرغم أن "نور" لا تكاد تظهر في أي مشهد وهي تتعرّى، ورغم أنها أيضًا لا تتفوّه بتعبيرات بذيئة (باستثناء مشهد لافت وجريء يجمعها مع سلوى خطاب)، إلا أنها أفلحت في أداء دور بالغ الحسّية والإغواء.

منة شلبي والاغواء دون تعر- فيسبوك
منة شلبي والاغواء دون تعر- فيسبوك

وقد عكس ذلك موهبتها الفطرية وقدرتها على التعبير بجسدها كله؛ أي تغليب "لغة الجسد" كما هي، لا "بهدف الإثارة" بل "في وضع الإثارة" نفسه. والفرق كبير، ويشبه الفارق بين الإغواء والتعرّي.

وربما يرتبط ذلك برؤية المخرج نفسه أساسًا، إذ منح فيلمه "الساحر" عنوانًا فرعيًا هو "نظرية البهجة". وهي هنا متعددة المستويات والدلالات: لا تبدأ بمباهج الجسد ولا تنتهي بالافتتان بالكائنات الأخرى، بالحصان مثلًا، أو بالعطاء ونجدة الآخرين، أو بالتعامل مع الحياة كلها بمجانية؛ ما يحيل إلى فيلمه الأول وتحفته "ليه يا بنفسج" الذي يُبهج رغم أنه "زهر حزين".

من هي منة شلبي؟

وُلدت منة شلبي عام 1982 لعائلة فنية (الأم زيزي مصطفى ممثلة وراقصة، والأب رجل أعمال).

 

منة شلبي مع والدتها الفنانة زيزي مصطفى-موقع شلبي على فيسبوك
منة شلبي مع والدتها الفنانة زيزي مصطفى-موقع شلبي على فيسبوك

بدأت مسيرتها الفنية عام 2000 بدور قصير في مسلسل "سلمى يا سلامة" مع الفنانة الكبيرة سميحة أيوب التي تُعد أول من اكتشفها، لتقدّم بعد ذلك نحو أربعين فيلمًا وعشرات المسلسلات، تعاونت فيها مع كبار مخرجي السينما المصرية من رضوان الكاشف ويسري نصر الله وصولًا إلى يوسف شاهين في "هي فوضى".

كانت بدايتها السينمائية عام 2001 بدور صغير في فيلم "العاصفة" (أول أفلام خالد يوسف)، بينما يُعد "الساحر" بدايتها الفعلية.

ثم قدّمت عام 2002 مسلسل "أين قلبي" مع الفنانة يسرا، الذي ساهم في تكريس شعبية شلبي على نطاق واسع، قبل أن تشهد مسيرتها صعودًا كبيرًا إلى جوار عدد قليل من فنانات جيلها، مثل حنان ترك وهند صبري ومنى زكي ونيللي كريم وأخريات ممن اكتسحن الساحة السينمائية والدراما التلفزيونية طوال العقدين الأخيرين.

عندما تُسأل منة شلبي عن أفلامها، تشير على نحو خاص إلى "نوّارة" الذي أخرجته هالة خليل، وتدور أحداثه خلال فترة ثورة يناير/ كانون الثاني 2011 التي أسقطت نظام الرئيس الراحل حسني مبارك، وفيه تقدّم منة شلبي دور خادمة في بيت أحد كبار المسؤولين الذي يفرّ إلى الخارج بعد اندلاع الثورة.

يتناول فيلم نوارة تداعيات ثورة يناير على المواطنين-فيسبوك
يتناول فيلم نوارة تداعيات ثورة يناير على المواطنين-فيسبوك

ربما كان دورها في هذا الفيلم كما عشرات أدوارها الأخرى، يمثّل نقيضًا لصورة "الوجه الجديد" في فيلم "الساحر"، وما خلّفه من انطباعات عن الفنانة التي سعت لاحقًا إلى تجنّب حبسها في قالب واحد نمطي يقوم على الإغواء، وواظبت على كسر ذلك القالب بإبراز موهبتها لا فتنتها، منذ ذلك الوقت إلى آخر أفلامها.

تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي