تحضر سوريا، الغائبة عن المنتديات والاجتماعات، بصيغة القصة المبهرة الموجعة؛ القصة التي يريد الجميع أن يتعلّم منها، لكنهم لا يتفقون على تفاصيلها، ولا على مآلاتها.
تحضر سوريا على ألسنة الغرباء قبل السوريين أنفسهم، كأنما الحديث يدور عن حقل تجارب اجتماعية وسياسية وأمنية جديد، تتقاطع فيه كل الاحتمالات، وتتفاوت فيه التقديرات.
وفيما تتصادم مشاعر التفاؤل والتشاؤم حيالها، يتفق الجميع على الإثارة الفكرية التي يثيرها الموضوع السوري، ويدفعهم إلى تأمل تجربة هذا البلد الغامض، الجميل، المنكوب.
في ساحة "إسكندر بك" الرئيسية في العاصمة الألبانية، تتوزع فرق الترفيه الفنية العربية القادمة من تونس ومصر والمغرب، وتتقاطع موسيقاها الإيقاعية مع وتريات فرق موسيقية ألبانية.
وفيما ينشد البعض "فلسطين حرة" في تجمعات لا تخلو من حماس السكان المحليين، يقوم آخرون بنقش أسماء المشاركين والمحتفين بالخط العربي على لوحات أنيقة، بينما يدرّب غيرهم الزائرين على عزف الطبلة المصرية في أجواء تفاعلية.
الواقع السوري بين الحاضر والماضي
وتشرح باحثة حاصلة على شهادة دكتوراه في قضايا الجندر قصة الرقص الشرقي المصري، ثم ترتدي زيّ الراقصات التقليدي وتشارك راقصة محترفة العرض، لينضم إليهما الحضور في مشهد حيوي.
ويتنافس الممتع الشيّق مع الفكري الجاد، فيشرح طاهٍ مصري كيف يشكّل طعامنا المتوسطي ذاكرتنا، وحميميتنا، وعلاقتنا بمجتمعاتنا. يتحدث عن "كوز العسل" حلوى الفقراء، وعن الخبز "العيش" المصري ثم عن "الزعتر" و"الزيتون"، وهنا لا يستطيع السوريون الحاضرون إلا أن يتدخلوا، فهذه منطقتهم الخاصة، و"عيشهم" الذي تربّت عليه أجيال من الأطفال، وهم يحملون شطائرهم إلى المدارس أو الحقول. عندها يسأل أحدهم: صحيح، أين هي سوريا الآن من كل هذا؟
الإجابة لا يمكن أن تُستحضر إلا من خلال تعقيدات الواقع السوري، الحاضر والماضي معًا. ففي السابق، كان حضور سوريا فعاليات مثل منتدى "مؤسسة آنّا ليند"، الذي يركّز على التعاون الأورومتوسطي من زاوية المجتمع المدني، مشوبًا بالتوتر؛ إذ كانت دمشق، التي كانت تراقب وتسيطر على كل نشاطات المجتمع المدني وناشطيه، تربط بين كل تفصيل من هذا النوع والسياسات الخارجية، خصوصًا ما يتعلّق بالعلاقة مع الغرب أو الصراع مع إسرائيل.
وكان الحضور، رغم ندرته، يمر بموافقات مسبقة مصدرها الأساسي أفرع الأمن، بالتنسيق مع الوزارات المعنية، وعلى رأسها وزارة الخارجية. ونتيجة لذلك، انسحبت سوريا تمامًا في عام 2011، فجمّدت عضويتها في "الاتحاد من أجل المتوسط"، وقلّصت مشاركتها في كل المنظمات المرتبطة به، ومنها "مؤسسة آنّا ليند"، المختصة بدعم نشاط المجتمعات المحلية وتعزيز التعاون المدني بين ضفتي المتوسط.
لكن دمشق خطت مؤخرًا خطوة نحو ترميم هذه العلاقة، فتقدّمت في مايو/ أيار الماضي بطلب لاستعادة عضويتها. ويرى المدير التنفيذي للمؤسسة، جوسيب فيري، أن هذا "أمر جيّد" يمكن أن يمهّد لاستئناف التعاون المشترك، شرط ألا تعترض أي دولة عضو، مثل إسرائيل أو غيرها.
ويقول فيري، في حديث إلى التلفزيون العربي، إن على سوريا أن تعيّن مسؤولًا عن شبكة المجتمع المدني.
ويشرح أن بإمكان الدولة تسمية هذا الشخص للحفاظ على درجة معينة من السيطرة، أو ترك اختياره لشبكات المجتمع المدني نفسها، سواء بالانتخاب أو بالتزكية، كما تفعل بعض الدول، مثل مقدونيا، التي آثرت ترك هذا المجال للمنظمات، دون تدخل حكومي مباشر.
ويضيف فيري أن الشبكة السورية مطالبة لاحقًا بتحديد أولوياتها وحاجاتها من التعاون، ليجري بعدها تقييم خبرتها، قبل أن تتدخل المؤسسة في إدارة المعرفة وتوجيه البرامج.
أما حاجات سوريا، فهي كثيرة، ويجري تداول قائمة مقترحات طويلة في ندوات المنتدى المستمرة على مدى ثلاثة أيام، بحسب ناشطين وباحثين حضروا النقاشات.
وترى باحثة متخصصة في دراسة راديكالية المجتمعات أن الأولوية الآن يجب أن تُمنح للعلاج النفسي المجتمعي في بيئة متعددة الصدمات، تحمل إرثًا طويلًا من المآسي. فيما تدعو باحثة أخرى إلى ترسيخ مفهوم المواطنية في بلد تمزّقه تيارات راديكالية ومذهبية متصارعة.
مواجهة الصدمات النفسية قبل العدالة الانتقالية
وتذهب الباحثة إنا رودولف، من المركز الدولي لدراسة الراديكالية في بلجيكا، إلى أن الحديث عن العدالة الانتقالية في هذه المرحلة يُعدّ سابقًا لأوانه، لأن المجتمع غير مستعد نفسيًا أو اجتماعيًا لهذا النوع من المواجهة. وتوضح: "قبل الشروع في العدالة الانتقالية، علينا أن نعلّم الناس كيف يواجهون مخاوفهم وصدماتهم، وكيف نعالج الصدمات بين الفئات المجتمعية المختلفة".
وتذكر أمثلة عن بلدات سورية شهدت صراعات أهلية، وتقول إن أبناء هذه المناطق يحتاجون إلى معالجة الصدمة المرتبطة بهذه النزاعات أكثر من حاجتهم إلى بدء مسار عدالة انتقالية. وتحذر أيضًا من الربط الدائم بين طائفة محددة والنظام، مشيرة إلى أن هناك معارضين كُثر للنظام السابق من بيئته نفسها.
وفي ندوة بعنوان "دور أوروبا في المشهد المدني والسياسي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، تطرّقت لارا فرج، مديرة مشروع في مؤسسة "كانديد" الألمانية، إلى أحداث الساحل السوري، معبّرة عن شكوكها تجاه طريقة تعاطي الدولة معها، بسبب الخلفيات "المشبوهة" للجهات الفاعلة هناك.
بدورها، علّقت الباحثة فرودر على لقاءات أجرتها في الساحل السوري بعد مجازر مارس/ آذار الماضي، وقالت إن "العلويين يريدون المحاسبة، لا بصفتهم الطائفية، بل كمواطنين يتمتعون بحقوق قانونية متساوية مع باقي السوريين"، مؤكدة أن هذا النوع من العدالة هو ما يشعرهم بالأمان والانتماء.
وتتفق الباحثة جابر مع هذا الطرح، معتبرة أن "مخاوف تسلّط فئة واحدة على الحكم" مشروعة، وأن "وجود ممثل عن كل فئة اجتماعية في الحكومة لا يعني بالضرورة أنها ممثلة للجميع". لكنها تشدد في الوقت نفسه على أهمية التمثيل المتكافئ للفئات المختلفة، رغم تفهّمها بأن وجود ممثلي الهيئة في المناصب العليا قد يساعد في اتخاذ قرارات سلسة.
وترى لارا فرج أن التمثيل الحكومي الحالي يبدو موجهًا للغرب من خلال تمثيل فردي للفئات، فيما ينبغي التركيز على معيارَي المواطنة والكفاءة في توزيع المسؤوليات.
أما رودولف، فترى أن التحدي أكبر، مستشهدة بالتجربة العراقية التي انتقلت من المحاصصة الطائفية إلى اتفاقات نخب سياسية على تقاسم السلطة، ما أعاق عمل الدولة ومؤسساتها.
وتحذّر من أن الحديث عن ضرورة توظيف التكنوقراط يجب ألا يتجاهل أن قدرتهم ستكون محدودة في نظام يقوم على المحاصصة الطائفية السياسية. وتلفت إلى أن التمثيل لا يجب أن يكون في المناصب فقط، بل أيضًا في مؤسسات الدولة المختلفة، كالأمن والجيش، اللذين يتكوّنان من فئة محددة فقط.
وتروي أن مجرد انضمام متطوّع مسيحي واحد إلى القوى الأمنية أصبح حديثًا عامًا على مستوى البلد. وتضيف بجديّة: "الإحساس بالقبول داخل الجيش والجهاز الأمني يمنح الناس من مختلف الفئات شعورًا بالمواطنة، وبأنهم جزء فعلي من هذا الوطن".