الإثنين 11 مايو / مايو 2026

منصات التواصل بين الحماية والرقابة.. مَن ينظّم الفضاء العام؟

منصات التواصل بين الحماية والرقابة.. مَن ينظّم الفضاء العام؟ محدث 04 مايو 2026

شارك القصة

تتجه حكومات عديدة إلى تشديد القوانين المنظمة لعمل منصات التواصل الاجتماعي - غيتي
بين حماية القاصرين وضبط المحتوى، يتسع الجدل حول حدود تدخل الدولة في الفضاء الرقمي - غيتي
بين حماية القاصرين وضبط المحتوى، يتسع الجدل حول حدود تدخل الدولة في الفضاء الرقمي - غيتي
الخط
من أستراليا إلى أوروبا والعالم العربي، لم تعد منصات التواصل خارج المساءلة، لكنها باتت في قلب سؤال أوسع عن حرية التعبير وحدود تدخل الدولة.

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتفاعل بين المستخدمين، فقد تحولت إلى ملف سياسي وتشريعي تتعامل معه الدول باعتباره قضية مرتبطة بالأمن الاجتماعي والصحة العامة وحماية القاصرين، وصولًا إلى مستقبل حرية التعبير والصحافة في الفضاء الرقمي.

ومع تصاعد المخاوف من تأثير هذه المنصات، تتجه حكومات عديدة إلى تشديد القوانين المنظمة لعملها، خصوصًا ما يتعلق باستخدام الأطفال لها، في محاولة للحد من المخاطر المرتبطة بالإدمان الرقمي وتأثيراته على الصحة النفسية والنمو العقلي والحياة الأسرية والأداء الدراسي.

في هذا السياق، تتزايد الدعوات السياسية في عدد من الدول إلى فرض قيود على عمل المنصات، سواء عبر تحديد سن الاستخدام، أو فرض رقابة أبوية، أو الحظر الكامل في بعض الحالات. كما تتهم أطراف سياسية هذه المنصات بأنها تعتمد تصاميم وخوارزميات تشجع على الاستخدام المفرط، ما دفع بعض الحكومات إلى تسريع خطواتها التشريعية لكبح تأثير الشركات الكبرى على المستخدمين.

النقاش لم يعد محصورًا بحماية الأطفال وحدهم. فتنظيم المنصات يفتح سؤالًا أوسع: كيف يمكن حماية المستخدمين من الضرر من دون تحويل القوانين إلى أدوات لضبط المحتوى وتقييد النقاش العام والصحافة الرقمية؟

وقد بدأت هذه الإجراءات بشكل منفصل في كل دولة، قبل أن تتحول إلى نقاشات تنسيقية في بعض المناطق، خصوصًا في أوروبا، حيث دعا قادة مثل الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء اليوناني إلى مقاربة أوروبية موحدة، معتبرين أن الإجراءات الفردية غير كافية لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت.

وتصنّف بعض الدول هذه المنصات وفق درجة الخطورة، كما هو الحال في إندونيسيا، التي وضعت منصات مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام وفيسبوك وإكس وروبلوكس ضمن الفئة عالية الخطورة على القاصرين.

وتُظهر هذه التطورات أن المنصات الرقمية لم تعد تُعامل بوصفها قوة خارج المساءلة، فقد أصبحت خاضعة لتفاوض سياسي وتشريعي متزايد، ما دفع بعض الشركات إلى تعديل سياساتها في عدد من الدول، بينها إندونيسيا، حيث اعتمدت "ميتا" على سبيل المثال حسابات خاصة بالمراهقين لملايين المستخدمين.

وتشير المعطيات إلى أن الدول العربية ما تزال تركز في الغالب على ضبط المحتوى ومراقبة ما ينشره المستخدمون، في حين تتجه دول غربية إلى مقاربة أوسع تشمل حماية الأطفال وتنظيم الخوارزميات وفرض ضرائب أو التزامات مالية على المنصات.

بين هذين النموذجين، يتحدد مستقبل جزء كبير من المجال العام الرقمي: هل يكون التنظيم وسيلة لمحاسبة الشركات وحماية المستخدمين، أم مدخلًا أوسع لإحكام السيطرة على ما يُنشر ويُتداول؟

أستراليا.. اختبار عالمي مبكر


تُعد أستراليا من أوائل الدول التي تبنّت نهجًا تشريعيًا صارمًا تجاه منصات التواصل الاجتماعي، حيث أقر البرلمان الأسترالي في ديسمبر/ كانون الأول 2025 أول حظر من نوعه عالميًا على استخدام هذه المنصات لمن هم دون 16 عامًا.

وقالت جيني باترسون، الشريكة المؤسسة لمركز الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الرقمية، إن "العالم كله يراقب التجربة الأسترالية". وبعد شهر واحد من دخول القانون حيّز التنفيذ، أعلنت الحكومة تعطيل نحو 4.7 ملايين حساب يُشتبه بأنها تعود لقاصرين.

وفي مارس/ آذار الماضي، كشفت هيئة تنظيم الإنترنت في أستراليا عن تحقيقات مع خمس منصات كبرى للاشتباه في عدم امتثالها للقانون، من بينها فيسبوك وإنستغرام وسناب شات وتيك توك ويوتيوب، في خطوة تعكس تشددًا متزايدًا في تطبيق القواعد الجديدة.

وبموجب التشريع الأسترالي، قد تواجه الشركات غرامات تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي في حال عدم الامتثال. كما توسعت الإجراءات لتشمل منصات الألعاب مثل روبلوكس وماينكرافت، وسط مطالب بالكشف عن آليات حماية الأطفال من الاستدراج أو الاستغلال.

ولا يقتصر النهج الأسترالي على حماية القاصرين، إذ يمتد إلى إعادة تنظيم العلاقة بين شركات التكنولوجيا وقطاع الإعلام، عبر مقترحات لفرض ضرائب على شركات كبرى مثل ميتا وغوغل وتيك توك في حال عدم التوصل إلى اتفاقات مالية مع وسائل الإعلام المحلية.

الأطفال والتواصل الاجتماعي

تقدّم أستراليا أحد أكثر النماذج صرامة في تقييد استخدام القاصرين للمنصات - غيتي

أوروبا تسير نحو مقاربة موحدة


أثارت التجربة الأسترالية اهتمامًا واسعًا في أوروبا، حيث بدأت عدة حكومات في دراسة سياسات مماثلة.

وفي هذا السياق، دعا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى فرض مسؤولية جنائية على شركات التواصل الاجتماعي، متهمًا إياها بتوفير بيئة تسمح بانتشار المحتوى العنيف والإجرامي والمضلل، مع طرح إجراءات تشمل تقييد وصول من هم دون 16 عامًا.

وفي فرنسا، حيث أيدت الجمعية الوطنية مشروع قانون لحظر استخدام الأطفال دون سن 15 عامًا وسائل التواصل الاجتماعي، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن مشاورات مع قادة أوروبيين لتنسيق موقف مشترك بشأن تنظيم استخدام القاصرين لهذه المنصات.

وانضم رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى هذه الدعوات لاتخاذ خطوة مشتركة على صعيد الاتحاد الأوروبي، مؤكدًا أن التدابير في كل دولة على حدة لن تكون كافية لحماية القصّر، كما أعلن نية بلاده حظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 15 عامًا بدءًا من عام 2027.

وذهب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أبعد من ذلك، إذ دعا منتصف أبريل/ نيسان الماضي إلى وقف آليات تمرير مقاطع الفيديو على منصات مثل إنستغرام وتيك توك.

وقال إن على تلك المنصات اتخاذ إجراءات للحيلولة دون إضاعة صغار المستخدمين ساعات طويلة من وقتهم في تمرير مقاطع فيديو لا تنتهي، معتبرًا أن تلك الآلية تسبب الإدمان وتمثل مشكلة حقيقية يجب التخلص منها.

وعلى المسار ذاته، تخطو دول أوروبية أخرى نحو حظر وصول الأطفال دون سن 15 عامًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، منها السويد وبولندا والدنمارك، فيما تطرح النمسا سن 14 عامًا.


بين المحاكم والتشريع في أميركا


في الولايات المتحدة، خضعت شركات التواصل الاجتماعي لسلسلة من التحقيقات والمساءلات أمام الكونغرس، شملت شركات كبرى مثل ميتا وتيك توك وإكس، وتركزت على قضايا الاحتكار وحماية الأطفال والمحتوى الضار والشفافية.

ويمثل مشروع قانون حماية الأطفال على الإنترنت (KOSA)، الذي لا يزال قيد المناقشة في الكونغرس، محاولة أميركية بارزة لتشديد تنظيم منصات التواصل وحماية القاصرين، مستلهمًا جوانب من قوانين أوروبية وبريطانية.

ويطرح المشروع أدوات للإبلاغ، وإعدادات أمان افتراضية، ورقابة أبوية، وخيارات للحد من تأثير الخوارزميات، إضافة إلى متطلبات الشفافية. كما يركز على تصميم المنصات بدل الاكتفاء بتقييد المحتوى.

 وسائل التواصل الاجتماعي.. من يحمي الأطفال من مخاطرها؟
- من أرشيف التلفزيون العربي (برنامج "شبابيك")

العالم الإسلامي.. خطوات متباينة

ضمن دول منظمة التعاون الإسلامي، اتجهت كل من إندونيسيا وتركيا وماليزيا إلى تشديد القيود على استخدام القاصرين منصات التواصل.

ففي 28 أبريل/ نيسان الماضي، عطّلت منصة تيك توك ما يقرب من 1.7 مليون حساب لمستخدمين تقل أعمارهم عن 16 عامًا في إندونيسيا، بعد التنفيذ الرسمي للوائح الجديدة المتعلقة بحماية الأطفال على الإنترنت.

وبذلك تكون تيك توك أول منصة تقوم بالإبلاغ بشكل استباقي عن نتائج تنفيذها، في مؤشر إلى امتثال ملموس لمتطلبات الحكومة.

وحظرت إندونيسيا، رابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، وصول الأطفال دون 16 عامًا إلى تطبيقات التواصل الاجتماعي. وبموجب القانون الجديد، يتعين على المنصات المصنفة "عالية الخطورة"، مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام وفيسبوك وإكس وروبلوكس، منع وصول المستخدمين دون سن السادسة عشرة إليها، بما في ذلك حذف الحسابات أو تعطيلها.

وتفاعلت المنصات مع الإجراءات المتخذة، إذ أجرت إكس وبيغو لايف وتيك توك وروبلوكس تغييرات امتثالًا للسياسة الجديدة، فيما تخطط تيك توك لتعطيل حسابات من هم دون 16 عامًا تدريجيًا.

وفي تركيا، أقر البرلمان في 24 أبريل/ نيسان 2026 سلسلة إجراءات، من بينها حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عامًا، وإلزام المنصات التي تضم أعدادًا كبيرة من المستخدمين بتعيين ممثل لها في تركيا. ودفع ذلك منصات الألعاب إلى تصنيف الألعاب وفقًا للفئات العمرية للمستخدمين.

أما ماليزيا، فأعلنت منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 خطة لمنع الأطفال دون سن 16 عامًا من فتح حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي اعتبارًا من عام 2026.


العالم العربي.. ضبط المحتوى قبل تنظيم المنصات


في البلدان العربية، ما تزال المقاربة تجاه منصات التواصل الاجتماعي تتسم بالحذر، إذ يلاحظ أن أغلب الدول العربية تتعامل مع هذا الفضاء من زاوية ضبط المحتوى ومراقبته، أكثر من تبني سياسات شاملة تجاه المنصات وفرض التزامات قانونية واضحة عليها، أو اتخاذ خطوات رسمية لتقييد الاستخدام بحسب الفئات العمرية.

ويأتي ذلك رغم الانتشار الواسع لهذه المنصات داخل مجتمعات عربية تُعد في كثير من الحالات أكثر هشاشة من حيث البنية التعليمية والاقتصادية، ما يجعل تأثيراتها أكثر تعقيدًا على الفئات الشابة.

وتبقى المبادرات المطروحة في عدد من البلدان العربية أقرب إلى مبادرات فردية لبرلمانيين وفاعلين في المجتمع المدني، في مقابل غياب تشريعات رسمية كبرى تتبنى القضية على مستوى الدولة كما يحدث في بعض الدول الغربية.

  • في المغرب

تعمل الحكومة على إعداد إطار قانوني لتنظيم وسائل التواصل الاجتماعي وإنهاء الفراغ التشريعي الذي تستفيد منه المنصات الأجنبية، عبر توسيع صلاحيات هيئات الرقابة لتتبع المحتوى حتى في حال غياب مقرات محلية لهذه الشركات.

كما يتضمن القانون المرتقب إلزام المنصات بتعيين ممثل قانوني داخل البلاد، واعتماد أنظمة فعالة لتعديل المحتوى ورصد المضامين غير القانونية، خاصة تلك الموجهة للقاصرين، إلى جانب فرض آليات للتبليغ السريع عن المحتوى الضار.


  • في لبنان

برز توجه أولي منذ فبراير/ شباط 2026 نحو تقييد استخدام القاصرين وسائل التواصل الاجتماعي، مع إعلان النائب طوني فرنجيه تقدّمه باقتراح قانون يقضي بحظر استخدام هذه المنصات للأطفال دون سن 14 عامًا.


  • في مصر

طرح نائب في البرلمان خلال أبريل/ نيسان 2026 مشروع قانون جديدًا يهدف إلى تنظيم عمل منصات التواصل الاجتماعي، ويشمل إلزام الشركات المالكة للمنصات بإنشاء مقرات رسمية داخل البلاد، وتخزين بيانات المستخدمين محليًا، إضافة إلى إجراءات تتعلق بالمحتوى، مثل حذف الحسابات الوهمية والمحتوى غير القانوني، وفرض عقوبات تدريجية قد تصل إلى حجب المنصات المخالفة. كما يضع قيودًا عمرية عبر حظر استخدام هذه المنصات لمن هم دون 16 عامًا.


  • في المملكة العربية السعودية

اتجهت السلطات منذ سبتمبر/ أيلول 2025 إلى تشديد تنظيم المحتوى الرقمي عبر ضوابط جديدة أصدرتها الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، تستهدف ما يُنشر على المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي.

وتركّز هذه الضوابط على حماية الذوق العام وترسيخ القيم المجتمعية، من خلال حظر التنمر والاستهزاء، ومنع نشر خصوصيات الأسر أو تصوير الأطفال والعمالة المنزلية ضمن المحتوى اليومي، إلى جانب مكافحة المعلومات المضللة وخطاب الكراهية والقبلية. كما تشمل قيودًا تتعلق بالمظهر العام والمحتوى البصري بما يتماشى مع المعايير الاجتماعية السائدة.

  • في تونس

دعت المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط خلال شهر أبريل/ نيسان إلى سنّ قانون يمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 15 عامًا.


إعادة صياغة العلاقة مع المنصات


يرى مختصون أن قطاع التكنولوجيا الرقمية ظل لفترة طويلة بعيدًا عن المساءلة والتقنين اللذين طالا قطاعات أقل منه سطوة وتأثيرًا.

واعتبرت سونيا ليفينغستون، أستاذة علم النفس الاجتماعي ومديرة مركز العقود المستقبلية الرقمية للأطفال في كلية لندن للاقتصاد، أن حظر وسائل التواصل الاجتماعي على المراهقين هو ما بقي كحل جذري للحكومات التي فشلت في مراقبة عمالقة التكنولوجيا بشكل صحيح لسنوات.

وتابعت في تصريح لـ CNBC أن على الحكومات تنفيذ القانون، وأن تجعل شركات التكنولوجيا الكبرى تواجه مجموعة من القوانين التنظيمية التي تحظر ممارساتها الحالية.

من جانبه، يرى الباحث روب نيكولز من جامعة سيدني أن الدعاوى التي رُفعت ضد المنصات، وخصوصًا في الولايات المتحدة، قد تدفع الشركات إلى إعادة تصميم منصاتها بما يتماشى مع القوانين الأسترالية، مضيفًا: "إذا كان عليك القيام بذلك لتجنب الدعاوى القضائية في الولايات المتحدة، فمن المنطقي تطبيقه عالميًا".

لا تتوقف إعادة صياغة العلاقة مع المنصات عند حماية الأطفال أو ضبط الخوارزميات. فهي تمس أيضًا مستقبل الصحافة وحرية التعبير، لأن المنصات أصبحت جزءًا أساسيًا من المجال العام، وممرًا رئيسيًا للأخبار والنقاشات والحملات السياسية والاجتماعية.

ومن هنا، يصبح التحدي أكثر تعقيدًا: فالقوانين ضرورية لمحاسبة الشركات الكبرى وحماية المستخدمين، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى ضمانات واضحة تمنع استخدامها لتوسيع الرقابة أو تقييد العمل الصحافي أو خنق الأصوات المعارضة.

في النهاية، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان ينبغي تنظيم منصات التواصل الاجتماعي، فذلك أصبح اتجاهًا عالميًا متصاعدًا. السؤال الأهم هو: مَن ينظّم هذه المنصات، وبأي معايير، وتحت أي رقابة، وبأي ضمانات تحفظ حق المستخدمين في الحماية من دون أن تُفرغ الفضاء الرقمي من حريته؟
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي