الأحد 19 أبريل / أبريل 2026
Close

منظّر الثورة الإيرانية علي شريعتي.. بين النضال والمنفى والاغتيال

منظّر الثورة الإيرانية علي شريعتي.. بين النضال والمنفى والاغتيال محدث 08 سبتمبر 2023

شارك القصة

حلقة من "مذكّرات" عن حياة المفكر الإيراني علي شريعتي
حلقة من "مذكّرات" عن حياة المفكر الإيراني علي شريعتي
الخط
تلقي هذه الحلقة من برنامج "مذكّرات" الضوء على حياة المفكر الإيراني علي شريعتي، وتنقّله بين النضال والمقاومة والمنفى، قبل أن يُعثر عليه ميتًا في أحد فنادق لندن.

شهدت إيران، قبل نجاح الثورة الإسلامية فيها عام 1979، عددًا من الأحداث التي مهدت لسقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي. وكان لبعض الشخصيات أثر كبير في هذه التغيرات، ومنها المفكر وعالم الاجتماع الدكتور علي شريعتي، الذي قضى حياته في مواجهة النظام الملكي.

وتُلقي هذه الحلقة من برنامج "مذكّرات" الضوء على حياة شريعتي، حيث كان يُعتبر الأب المنظر للثورة الإسلامية التي لم يعشها، فاغتيل قبل سنتين من نجاحها في لندن. وتعكس شخصيته حالة الاضطراب الاجتماعي التي كان يرزح تحتها الإيرانيون.

بين الفلسفة والسياسة

"إلهي لا تجعلني مضطرًا إلى الترجمة والتقليد، إنني أريد أن أحطم القوالب القديمة التي ورثتها لأستطيع الصمود في وجه قوالب الغرب، وليخرس هؤلاء وأولئك، فأنا وحدي أريد أن أتكلم". بهذه العبارات، وصف شريعتي حياته الفكرية والثورية، التي قضى معظمها بين مسقط رأسه والمنفى.

وكانت كتبه تقدّم طرحًا جديدًا، ولقيت قبولًا لدى الشباب في إيران، واجتازت الحدود حيث ترجمت إلى أكثر من لغة.

ولد المفكر الإيراني أواخر عام 1933، في إحدى قرى مدينة مشهد، في أسرة متدينة، وكان والده محمد تقي شريعتي أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في شخصيته.

عاش سن المراهقة متعمقًا في كتب التصوف والفلسفة، قبل أن يأتي إعصار ثورة رئيس الحكومة حينها محمد مصدق، لينقله إلى عالم السياسة.

وقال شريعتي في أحد كتبه عن تلك الفترة: "دفعتني ظروف معيشتي إلى أن أشيخ باكرًا في طفولتي".

ثورة مصدق وتأثيرها على شريعتي

في هذا السياق، رأى المفكر والباحث الإيراني حسن يوسف أشكوري، في حديث إلى "العربي"، أن "شريعتي كان متأثرًا بالجو الثوري حينها".

من جهته، اعتبر الناشط السياسي الإيراني خسرو منصوريان أن شريعتي "نشأ في بيئة دينية منفتحة، تتراجع فيها الأفكار التقليدية السائدة".

وعام 1953، هبّ إعصار مصدّق، فتم عزله بقرار من الشاه وبتدبير من أميركا، فانخرط في العمل المقاوم رغم سنه الصغير، وكتب الشعارات الموالية لرئيس الحكومة المخلوع.

وشرح حسن يوسف أشكوري أن "انقلاب مصدق أثّر كثيرًا في شخصية شريعتي وفي كتبه، ودائمًا ما كان يذكر هذه الشخصية ويقول إن معلمه هو الإمام علي بن أبي طالب وقائده هو محمد مصدق".

وأدت مشاركته في التظاهرات المناهضة للشاه لاعتقاله عام 1954، خرج بعدها بفترة قصيرة أكثر تصميمًا على مواجهة الملك في بلاده.

وقال أشكوري: "بدأ القوميون حينها حركة باسم "الحركة المقاومة الوطنية" وكان شريعتي نشطًا فيها".

وبعد دخول كلية الآداب، باتت علاقته برفاق النضال أكثر فتورًا، فأنهى تعاونه السري مع الحركة المقاومة.

من هنا، أوضح خسرو منصوريان أن "أحداث ثورة مصدق وعزله أدت لإحباط الكثير من المقاومين، إلا أن شريعتي لم يعتزل العمل السياسي، بل وسّع مجال حركته".

الهجرة إلى فرنسا

اعتقل شريعتي مرة ثانية عام 1957 بتهمة إهانة الشاه، وفي سجنه بدا أن صيته قد سبقه، فبحث عنه رئيس جهاز المخابرات الإيرانية (السافاك) ليهزأ به أمام الجميع.

بعد خروجه من السجن، تزوج شريعتي بزميلة له في الجامعة، قبل أن يذهب إلى فرنسا بمنحة دراسية، حيث كانت باريس حينها قبلة المفكرين والمثقفين في العالم، وكانت فرصته الذهبية ليتابع النقاشات الأيديولوجية عن قرب، ويتعرف على أبرز الشخصيات الفلسفية.

خاب ظنه بالحرية الغربية عام 1962، حيث شارك في مظاهرة ضد الاستعمار الأوربي لإفريقيا، فاعتقل في فرنسا. وتأثر حينها بالثورة الجزائرية وبالحركات التحررية في العالم.

كما تعرّف في باريس على أحد الأدباء الغربيين الذي حاول كتابة سيرة فاطمة ابنة الرسول، فتعاون معه جالبًا له مصادر فارسية عنها، فزادت تجربته الغنية ونشط في داخله خليط من التيارات الفكرية.

وعام 1963، شهدت إيران انتفاضة دموية برز فيها اسم الخميني رمزًا للمعارضة، فتركت انطباعًا قويًا في نفس شريعتي.

وكتب في افتتاحيات إحدى الصحف: "حانت نهاية النضال السلمي، ولكي نضمن حيوية الثورة وندافع عن شعاراتنا القومية وإسقاط الشاه، علينا الآن الرد على طوفان الحديد والنار، بلغة البنادق وقوة الحرب".

العودة إلى إيران

أنهى دراسته في فرنسا فقرر العودة إلى إيران عام 1964، حاملًا شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، ولدى وصوله، اعتقل من قبل المخابرات الإيرانية ووجهت إليه التهمة المعتادة، وهي التحريض ضد الأمن القومي.

بعد 6 أسابيع أطلق سراحه، وكان عليه أن يجد عملًا ويبدأ فصلًا جديدًا من حياته، لكن الطريق لم تكن معبدة، ولم تكفِ الدكتوراه من جامعة السوربون لدخوله العمل الأكاديمي.

توظف في وزارة التعليم الإيرانية حينها، قبل أن يُقبل عام 1966 في قسم التاريخ في جامعة مشهد، لتكون انطلاقته في توعية الشباب والنضال في وجه الشاه، فلمع نجمه، ليجذب الطلاب بسبب قدرته الخطابية.

وقال أشكوري: "تأثر شريعتي باليسار العالمي وباليسار العربي، لكنه في نفس الوقت كان يشرح كل هذه التعاليم مع مبادئ التوحيد والتقوى مع سرد قصص شخصيات صدر الإسلام".

وأضاف: "انحدر شريعتي من اليسار العالمي، لكن أنشأ اليسار المسلم".

محاولة استقطابه من المخابرات

لم تكن لتمر محاضراته دون لفت انتباه المخابرات الإيرانية، التي استدعته للتحقيق، وسمحت له بمتابعة نشاطه، ما أثار حفيظة المعارضة التي اتهمته بالتعاون مع السافاك، وهو ما نفاه مرارًا.

وجاء تقرير السافاك يومها بعد التحقيق: شريعتي مفيد جدًا، لكنه سيكون أكثر فائدة للدولة لو جرت إدارته على نحو جيد، هذا شخص واسع المعرفة وغير مقبول بين رجال الدين المتطرفين، ونرى أن التضييق على شريعتي سيفقده الإيمان بالنظام والدولة".

لكن هذه السياسات من قبل الشاه لم تنجح، فانهالت الدعوات على شريعتي من قبل الجامعات لإلقاء المحاضرات، قبل أن يبدأ صفحة حسينية الإرشاد، التي ألقى فيها خطابه الأول عام 1968، وأصبحت مسرحًا للكثير من الأحداث المؤثرة في حياته.

وبعد استقطاب الجماهير، مُنع من إعطاء المحاضرات، وهوجمت حسينية الإرشاد من قبل عدد من الجماعات الدينية التي اتهمته بـ"الضلال"؛ لكن هذا القرار لم يصمد سوى 7 أشهر، ليعود إلى منبر الحسينية أكثر شراسة بوجه الشاه.

العمل المسلح والإقامة الجبرية

كان مطلع عام 1971 ساخنًا في إيران، مع انفجار المقاومة المسلحة على الشاه، ما انعكس في خطابه بحسينية الإرشاد.

وقال في أحد خطاباته: "نمر الآن بمرحلة انتقالية ولئن أراد أحد أن يقوم بشيء ما فقد آن الأوان للتحرك، تذكروا أنه لم يعد هناك وقت كثير، والموت في سبيل قضية شريفة عادلة لا يؤدي إلى الانقراض فالصوت الصادق قد يُقمع لكنه لن يخمد".

انضم المزيد من الناس للعمل المسلح وكانت كتابات شريعتي سببًا في ازدياد العنف. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 1972، تم إغلاق الحسينية، واعتقل مع والده، ليتم حبسه في زنزانة انفرادية لمدة 18 شهرًا.

بعد خروجه من السجن، وضع في الإقامة الجبرية، ومنع من اللقاء بأي شخص، فعاش مراجعًا لأفكاره وكتاباته.

هرب من إيران عام 1975، مستخدمًا جواز سفر مزور، وتوجه إلى أوروبا، دون أن تعرف وجهته الحقيقية، قبل أن يعثر عليه ميتًا في أحد فنادق لندن.

وأوضحت التقارير الطبية حينها أنه مات نتيجة فشل قلبي، إلا أن محبيه أكدوا أنه نظام الشاه قد اغتاله، ليتم دفنه قرب مقام السيدة زينب في دمشق، بعد منع جثمانه من دخول بلاده.

لم يشهد شريعتي سقوط الشاه بعد عامين من وفاته، إلا أن صوته بقي صادحًا وبقوة، فهو الذي قال ذات يوم: "لا تستهن بالكلمة فهي كائن حي وحساس وساحر".

تابع القراءة

المصادر

العربي
المزيد من