سلّطت استضافة الفنان التونسي منير الطرودي في برنامج "ضفاف" على شاشة "العربي 2" الضوء على واحدة من أكثر التجارب الغنائية ثراءً وتفرّدًا في المشهد الموسيقي العربي المعاصر؛ تجربة تجمع بين الأصالة المتجذرة في التراث البدوي والصوفي، والحرية التعبيرية التي تتيحها موسيقى الجاز.
وبنى الطرودي مسيرته الموسيقية انطلاقًا من الإنشاد الصوفي والموروث البدوي، وصولًا إلى فضاءات الجاز والارتجال، جاعلًا من صوته مساحة للقاء بين عوالم موسيقية متباعدة.
من الصوفية إلى الجاز
ولد الطرودي عام 1968، وتشكلت هويته الموسيقية من الموروث الشفاهي التونسي، ولا سيما الغناء البدوي والإنشاد الصوفي. وبرز اسمه على نطاق واسع خلال تسعينيات القرن الماضي، حين شارك عام 1994 في عرض "الحضرة" للمخرج الفاضل الجزيري، الذي أعاد تقديم الموروث الصوفي التونسي في قالب مسرحي وموسيقي معاصر.
لكن هذه الجذور لم تبقَ لدى الطرودي إطارًا ثابتًا، إذ بدأ البحث عن إمكانات أخرى للصوت، وعن مساحة يستطيع فيها الموروث التونسي أن يتحاور مع الموسيقى المعاصرة.
وفي عام 2000، تأسس مشروع "نجوم"، الذي مزج من خلاله الموسيقى البدوية والصوفية بالجاز، لتصبح المواويل والأذكار والنغمات الشعبية مادة مفتوحة على الارتجال والهارموني والإيقاعات المركبة.
وواصل الطرودي هذا المسار عبر أعمال ومشاريع مختلفة، من بينها "فرس النبي" و"سلوى" و"تواصل"، إلى جانب مشاركته في عروض تونسية أخرى. وعلى امتداد هذه التجربة، ظل الصوت أداته الأساسية؛ صوت يستدعي الإنشاد والمواويل والذاكرة البدوية، ثم يفتحها على فضاءات الارتجال والتجريب.
التراث بوصفه مساحة للابتكار
وانطلق الطرودي في حواره مع برنامج "ضفاف" من الحديث عن نشأته والبيئة الثقافية والموسيقية التي شكّلت وجدانه الفني في الداخل التونسي، متوقفًا عند التأثير العميق للنصوص الصوفية والمقامات المحلية والإنشاد التقليدي في تكوين خامته الصوتية وأسلوبه الغنائي.
وبالنسبة إلى الطرودي، لا يمثل التراث الصوفي مجرد قوالب جامدة يُعاد أداؤها، بل هو مخزون روحي وإيقاعي يدفع الفنان إلى البحث الدائم عن أبعاد صوتية جديدة.
وتناول اللقاء التحول النوعي في مسيرة الطرودي عند اشتغاله على دمج الأنماط الغنائية التونسية العتيقة بموسيقى الجاز. وأوضح أن هذا المزج لم يكن مجرد تجاور بين آلات شرقية وغربية، بل ارتكز على جوهر مشترك بين الإنشاد الصوفي والجاز، يتمثل في الارتجال والحرية التعبيرية.
ومن خلال مشاريع فنية مشتركة مع موسيقيين عالميين، تمكن الطرودي من إعادة تقديم الموروث الشفهي التونسي في قوالب معاصرة تتجاوز الحدود الجغرافية.
وأكد أن الانفتاح على الموسيقى العالمية لا يعني التخلي عن الهوية، بل يمكن أن يكون وسيلة لحمايتها من الاندثار وتقديمها إلى جمهور عالمي في قوالب فنية حديثة.
كما تطرق إلى أهمية البحث الفني المستمر في النمّوش والألحان البدوية القديمة، مشيرًا إلى أن الفنان المطوّر هو من يستطيع إيجاد خيط متصل بين الماضي والحاضر، من دون التضحية بأصالة المادة الموسيقية الأولى.