وُقّع الاتفاق الأول في 17 مايو/ أيار 1983، بعدما وصل الجيش الإسرائيلي إلى بيروت خلال اجتياح عام 1982، فيما جاء الثاني في 26 يونيو/ حزيران 2026، عقب سنوات من المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله"، وحرب جديدة انتهت إلى احتلال أجزاء من جنوب لبنان وطرح مسار تفاوضي مباشر برعاية الولايات المتحدة.
عاش لبنان بين الاتفاقين حروبًا ومواجهات عديدة مع إسرائيل. فبعد إلغاء اتفاق 17 أيار عام 1984، استمر الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان حتى عام 2000، وشهدت تلك المرحلة عدوانين واسعين عامي 1993 و1996.
أما "اتفاق الإطار"، فجاء عقب مواجهات وحروب اندلعت بين عامي 2023 و2026، بعدما دخل "حزب الله" في مواجهة مع إسرائيل تحت عنوان إسناد قطاع غزة، إثر عملية "طوفان الأقصى" التي أطلقتها حركة "حماس" في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
مع ذلك، بقي سؤال أساسي من عام 1983 حاضرًا:
هل يستطيع لبنان تنفيذ اتفاق وُلد في ظل اختلال كبير في موازين القوة، من دون أن يتحول تطبيقه إلى مصدر لانقسام داخلي جديد؟
اتفاق 17 أيار.. كواليس الولادة
جاء اتفاق 17 أيار في ظل احتلال إسرائيل لأجزاء واسعة من لبنان، عقب اجتياحين عسكريين. وقع الأول عام 1978 واقتصر بصورة أساسية على جنوب البلاد، فيما بدأ الاجتياح الثاني عام 1982، عندما شنت القوات الإسرائيلية عملية برية واسعة ووصلت إلى العاصمة بيروت.
كانت إسرائيل تبرر عملياتها بالوجود العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، التي اتخذت من الجنوب قاعدة لشن عمليات ضدها. وقد نظّم اتفاق القاهرة لعام 1969 العلاقة بين الدولة اللبنانية والمنظمات الفلسطينية المسلحة، وسمح بهامش للعمل الفدائي انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، قبل أن يتحول الوجود الفلسطيني إلى أحد أبرز عناصر الصراع الداخلي والإقليمي في البلاد.
في هذا السياق، جاء اتفاق 17 أيار نتيجة الاجتياح والاحتلال الإسرائيليين، لكن هدفه لم يكن إخراج منظمة التحرير الفلسطينية، بعدما كانت قيادتها ومقاتلوها قد غادروا لبنان عام 1982 بموجب اتفاق رعاه المبعوث الأميركي فيليب حبيب، بالتنسيق مع رئيس الحكومة اللبنانية آنذاك شفيق الوزان.
بموجب ذلك الاتفاق، غادر رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات لبنان مع آلاف المقاتلين إلى تونس ودول أخرى، تحت إشراف قوة متعددة الجنسيات ضمت قوات أميركية وفرنسية وإيطالية.
لم يؤد خروج منظمة التحرير إلى انسحاب إسرائيل. بدأت مفاوضات لبنانية إسرائيلية برعاية أميركية في أواخر عام 1982، وتوزعت جلساتها بين خلدة جنوبي بيروت وكريات شمونة في إسرائيل. ترأس السفير أنطوان فتال الوفد اللبناني، فيما ترأس دافيد كمحي الوفد الإسرائيلي، وشارك السفير موريس درايبر ممثلًا للولايات المتحدة.
أسفرت المفاوضات عن اتفاق من 12 مادة، إلى جانب ملحق أمني وخريطة ومحاضر تفسيرية. نص الاتفاق على احترام سيادة الطرفين وسلامة أراضيهما، وإنهاء حالة الحرب، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإنشاء ترتيبات أمنية في جنوب لبنان ولجان اتصال ومراقبة مشتركة. كما ألزم لبنان بمنع وجود قوات وتنظيمات مسلحة تنطلق من أراضيه لتهديد إسرائيل.
لهذا كان الاتفاق بمثابة مشروع لإعادة تنظيم العلاقة السياسية والأمنية بين لبنان وإسرائيل. وقد رآه مؤيدوه وسيلة لاستعادة سيادة لبنان وإنهاء الاحتلال، فيما اعتبره معارضوه اتفاقًا فُرض على دولة كانت أراضيها محتلة ومؤسساتها منقسمة بفعل الحرب الأهلية.
اتفاق وافق عليه البرلمان ولم يدخل حيز التنفيذ
في 14 يونيو/ حزيران 1983، أجاز مجلس النواب للحكومة إبرام الاتفاق بأكثرية 65 نائبًا، فيما عارضه النائبان نجاح واكيم وزاهر الخطيب، وتوزعت أربعة أصوات بين الامتناع والتحفظ، وغاب 19 نائبًا عن الجلسة.
لكن الاتفاق لم يستكمل المراحل الدستورية التي كانت ضرورية لدخوله حيز التنفيذ.
لم يصدر رئيس الجمهورية أمين الجميل قانون الإجازة، ولم تُتبادل وثائق الإبرام بين الطرفين، ولذلك وصفه قرار إلغائه لاحقًا بأنه "اتفاق غير مبرم".
"توصلنا إلى اتفاق ممكن في الظروف التي كانت قائمة آنذاك، وأفضل دليل على ذلك وقوف رجال السياسة في لبنان بشدة إلى جانبنا، وكبار المسؤولين السياسيين الذين استشرتهم من رؤساء جمهورية سابقين ورؤساء حكومات وأرباب السياسة من جميع الفئات، وأعربوا لي عن تأييدهم الصريح والعلني للنهج الذي نسير عليه".
في المقابل، امتنع عن التصويت حسين الحسيني ورشيد الصلح وألبير منصور، فيما تحفظ النائب عبد المجيد الرافعي. وقاطع الجلسة 19 نائبًا، من بينهم رشيد كرامي، وهاشم الحسيني، وحسن الميس، وأمين الحافظ، وريمون إده، وتوفيق عساف.
نجاح واكيم يروي ضغوط ما قبل التصويت
كان السياسي اللبناني نجاح واكيم أحد النائبين اللذين صوتا ضد الاتفاق، وشاركه في هذا الموقف النائب زاهر الخطيب، الذي توفي في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 عن عمر ناهز 85 عامًا.
في حديث خاص مع موقع التلفزيون العربي، يروي واكيم تفاصيل معارضته لاتفاق 17 أيار الذي يصفه بـ"اتفاق العار"، معتبرًا أنّ لبنان كان يُدفع إلى طي صفحة الصراع مع إسرائيل في وقت كانت قواتها تحتل أراضيه، بعدما وصلت إلى بيروت ونفذت المجازر وقتلت المدنيين.
يرى واكيم أن الهدف من الاتفاق كان جر لبنان إلى سلام منفرد مع إسرائيل، مشيرًا إلى أن تل أبيب اشترطت الحصول على موافقة سوريا، بسبب وجود قواتها العسكرية في لبنان.
بحسب واكيم، لم يكن النواب مطلعين على جميع التفاصيل والملحقات، ولذلك رفض التصويت على اتفاق رأى أن المجلس لا يمتلك صورة كاملة عن الالتزامات المترتبة عليه.
وفي هذا السياق، يقول واكيم لموقع التلفزيون العربي إنّ الدولة اللبنانية لم تحدّد وحدها أعضاء الوفد اللبناني المفاوض، إذ كان للموفد الأميركي فيليب حبيب دور في وضع أسمائه.
يضيف: "حينها، كان الطرفان اللذان رسما الاتفاق هما أميركا وإسرائيل، بينما كانت هناك ملحقات سرية لم يجر الاطلاع عليها. كما لم يكن النواب على اطلاع يومي على مجريات التحضير للاتفاق".
يقول واكيم إن رفضه التصويت انطلق من اعتقاده بأن مجلس النواب كان مطالبًا بالموافقة على اتفاق لا يمتلك صورة كاملة عن الالتزامات المترتبة عليه (الصورة أرشيفية من غيتي)
كيف لنا أن نتخذ تلك الخطوة ونحن لا نعرف شيئًا عن الملحقات أو بعض بنود الاتفاق؟
تمردنا واتخذنا قرارًا بعدم الرضوخ لأحد، وصوتنا أنا وزاهر الخطيب ضد الاتفاق.
اتصالات التهديد.. ابتزاز النواب بـ"الفضيحة"
أكثر من ذلك، يكشف واكيم أن عددًا من النواب تلقوا اتصالات لحثهم على الموافقة، مشيرًا إلى أن المدير العام للأمن العام آنذاك زاهي البستاني كان يتولى الاتصال ببعضهم بحجة أن "مصلحة البلد تقتضي ذلك". كما يتحدث عن دور مماثل لضابط يدعى نبيه فرحات.
يروي واكيم تفاصيل مكالمةٍ تلقاها من البستاني قبيل التصويت على إجازة إبرام الاتفاق، قائلًا:
حاول دفعي إلى الموافقة على الاتفاق بحجة أن ذلك يصب في مصلحة لبنان. قلت له:
بعدها أقفلت الخط ورفضت الخضوع لتلك المحاولة.
بحسب واكيم، لم تقتصر الاتصالات على محاولة الإقناع، وإنما تضمنت تهديدات لبعض النواب بكشف ملفات خاصة بهم إذا لم يوافقوا على الاتفاق.
يضيف: "قيل لعدد من النواب إن مستندات تفضحهم موجودة لدى الأجهزة الأمنية، وإن مخالفتهم قرار الموافقة على الاتفاق ستؤدي إلى كشف تلك الملفات".
يشدد واكيم على أن التهديدات لم تؤثر في قراره ولا في قرار زاهر الخطيب، قائلًا إن "سجله نظيف ولا يستطيع أحد ابتزازه بشيء".
يتابع: "بعد تلك المحاولات، اتجه النواب إلى الموافقة على اتفاق 17 أيار، فجرى التصويت عليه".
ووفق روايته لموقع التلفزيون العربي، واجه واكيم بعد تصويته ضد الاتفاق حصارًا إعلاميًا وسياسيًا وتهديدات أمنية.
يقول إنه تعرض لمحاولة اغتيال. كما يشير إلى محاولات مماثلة طالت النائب نزيه البزري في صيدا والنائب هاشم الحسيني في طرابلس.
وإنما نظرنا إلى الأمر من منظور وطني"
سوريا تدخل على خط إسقاط الاتفاق
لم تكن المعارضة الداخلية وحدها وراء سقوط اتفاق 17 أيار. فقد رفضت سوريا في عهد حافظ الأسد الاتفاق منذ البداية، بعدما رأت فيه تهديدًا لنفوذ دمشق العسكري والسياسي في لبنان ولأمنها الإقليمي.
آنذاك، كانت القوات السورية منتشرة في أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية، ما جعل انسحابها عنصرًا حاسمًا في تنفيذ الاتفاق. وزادت المشكلة تعقيدًا بفعل تفاهمات ورسائل أميركية جانبية قيل إنها ربطت انسحابها بانسحاب القوات السورية وبقية القوات الأجنبية من لبنان.
منحت هذه المعادلة دمشق قدرة فعلية على تعطيل الاتفاق. فقد رفضت الانسحاب، فيما تمسكت إسرائيل بعدم تنفيذ انسحاب كامل في غياب خروج القوات السورية. وهكذا أصبح تنفيذ اتفاق ثنائي معلقًا عمليًا على قرار طرف ثالث لم يشارك في التفاوض.
وجدت دمشق حلفاء لبنانيين معارضين للاتفاق، من بينهم "جبهة الإنقاذ الوطني" التي ضمت الرئيس السابق سليمان فرنجية ورئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. كما قاد رئيس حركة "أمل" نبيه بري حملة سياسية وشعبية ضد الاتفاق، معتبرًا أنه لن يحقق الاستقرار أو الانسحاب الفعلي.
وفي حين يرى واكيم أن الدور السوري كان حاسمًا في إسقاط الاتفاق، تظهر مذكرات أمين الجميل ودافيد كمحي أن دمشق تعاملت معه بوصفه محاولة أميركية إسرائيلية لإبعاد لبنان عن المجال السوري، في خضم المنافسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.
من الحرب الداخلية إلى إلغاء الاتفاق
تزامنت المواجهة السياسية بشأن الاتفاق مع انهيار متسارع في الوضع الأمني. شهد لبنان حرب الجبل، وتصاعدت المواجهات بين الجيش اللبناني والقوى المسلحة المعارضة للرئيس أمين الجميل، كما استهدفت تفجيرات دامية القوات الأميركية والفرنسية العاملة ضمن القوة متعددة الجنسيات.
شكّلت أحداث 6 فبراير/ شباط 1984 منعطفًا أساسيًا، بعدما فقدت السلطة المركزية السيطرة على بيروت الغربية، وانضم اللواء السادس في الجيش اللبناني إلى الانتفاضة التي شاركت فيها حركة "أمل" وقوى حليفة لها. وكشف انقسام الجيش مقدار التصدع الذي أصاب الدولة، وحدود قدرتها على فرض الاتفاق أو تنفيذ ترتيباته الأمنية.
في 5 مارس/ آذار 1984، قرر مجلس الوزراء اللبناني إلغاء الاتفاق واعتباره باطلًا وكأنه لم يكن.
شدد القرار على أن لبنان سيواصل العمل لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي بوسائل وترتيبات أخرى تؤمّن السيادة والاستقرار في الجنوب.
لم يؤد سقوط الاتفاق إلى خروج إسرائيل. نفذ الجيش الإسرائيلي انسحابًا جزئيًا عام 1985، لكنه أبقى على ما عرف بـ"الشريط الأمني" في جنوب لبنان، بالتعاون مع ما كان يسمّى بـ"جيش لبنان الجنوبي"، حتى انسحابه في مايو/ أيار 2000.
فشلت إسرائيل بذلك في تحويل تفوقها العسكري واجتياحها بيروت إلى تسوية سياسية مستقرة. كما أخفق لبنان في إنهاء الاحتلال عبر اتفاق لم يحظ بإجماع داخلي، وظل تطبيقه مرتبطًا بموازين إقليمية تتجاوز قدرة مؤسساته.
"اتفاق الإطار".. مبادئ عامة قبل التفاصيل
يختلف السياق الذي وُقّع فيه "اتفاق الإطار" عام 2026 عن لبنان الثمانينيات. انتهت الحرب الأهلية، وغادرت القوات السورية البلاد عام 2005، ثم سقط نظام عائلة الأسد لاحقًا، فيما أصبح "حزب الله" القوة العسكرية غير الحكومية الأبرز في لبنان، وارتبطت ترسانته وعلاقته بإيران بمعادلة الحرب مع إسرائيل.
جاء الاتفاق بعد مواجهات بدأت على الحدود في أعقاب هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 والحرب على غزة، ثم تحولت إلى جولات حرب أوسع بين إسرائيل و"حزب الله"، انتهت إلى وجود عسكري إسرائيلي داخل أجزاء من جنوب لبنان.
وُقّع إطار 26 يونيو/حزيران في واشنطن برعاية أميركية، بعد مفاوضات مباشرة بين ممثلين لبنانيين وإسرائيليين. لا يقدم النص نفسه بوصفه معاهدة نهائية، وإنما مسارًا تدريجيًا يفترض أن يقود إلى إنهاء النزاع ومعالجة القضايا الأمنية والسياسية العالقة.
تشمل المبادئ المعلنة انتقال المسؤولية الأمنية إلى الجيش اللبناني، وتفكيك سلاح وبنية التنظيمات المسلحة غير التابعة للدولة، وانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل بعد التحقق من تنفيذ الالتزامات، ثم عودة السكان وبدء إعادة الإعمار بدعم دولي.
بدأ اختبار الاتفاق عبر ما سمي "المناطق التجريبية"، حيث يتولى الجيش اللبناني الانتشار والمسح وتثبيت سلطة الدولة، بالتنسيق مع مجموعة عسكرية تشرف الولايات المتحدة على عملها، على أن يعقب ذلك انسحاب القوات الإسرائيلية والانتقال إلى مناطق أخرى.
اتفاق لا يضع جدولًا زمنيًا
مع ذلك، يمثل غياب المهل الواضحة إحدى أبرز نقاط الجدل. ويرى شحادة أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بالتحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة يمنح إسرائيل مساحة واسعة لتقرير ما إذا كانت الشروط قد تحققت، وقد يسمح لها بتأخير الانسحاب أو الإبقاء على قواتها داخل الأراضي اللبنانية.
كما أن الاتفاق يضع الدولة اللبنانية أمام مهمة داخلية شديدة الحساسية. فـ"حزب الله"، الذي لم يكن طرفًا في المفاوضات، رفض التخلي عن سلاحه، وحذّر من محاولة فرض الاتفاق عليه بالقوة. في المقابل، التزمت الحكومة اللبنانية حصر السلاح بيد الدولة وجعل قرار الحرب والسلم من صلاحية المؤسسات الرسمية.
وفي هذا السياق، يقول واكيم إن "أخطر ما في الاتفاق هو وجود ملحق عسكري سري لم يُكشَف عنه"، معلومة تبقى منسوبة إليه وإلى معارضي الاتفاق، في غياب وثائق معلنة تتيح التحقق منها
تشابه في المعادلة لا في الشكل القانوني
تختلف الظروف التي حكمت اتفاق 17 أيار بوضوح عن الظروف المحيطة بـ"اتفاق الإطار"، كما يختلف الاتفاقان من الناحية القانونية.
ويشرح العميد المتقاعد منير شحادة في حديث إلى موقع التلفزيون العربي، أنّ الأول كان اتفاقًا سياسيًا وأمنيًا شبه مكتمل، تضمن التزامات مباشرة وأعلن إنهاء حالة الحرب. أما الثاني فيضع مبادئ عامة ويترك التفاصيل والاتفاقات التنفيذية لمراحل لاحقة.
منير شحادة في حديث إلى موقع التلفزيون العربي
لكن شحادة يرى أن التشابه يظهر عند النظر إلى المعادلة الاستراتيجية التي يقوم عليها الاتفاقان: انسحاب أو إعادة انتشار إسرائيلي في مقابل ترتيبات أمنية داخل لبنان، مع دور أميركي في الضمان والإشراف والتحقق.
يشير أيضًا إلى أن ربط الانسحاب بشروط أمنية يمنح إسرائيل قدرة على تأجيله، وأن تحويل مسألة السلاح الداخلي إلى بند ضمن التفاوض مع إسرائيل قد يضاعف الضغط على الدولة اللبنانية ويضع الجيش أمام تحديات سياسية واجتماعية تتجاوز مهماته العسكرية التقليدية.
أي الاتفاقين كان أصعب على لبنان؟
كان اتفاق 17 أيار شديد الصعوبة بسبب الظروف التي أحاطت به.
كانت البلاد في ذروة الحرب الأهلية، والجيش منقسمًا، والقوات الإسرائيلية والسورية موجودة على أراضيها، فيما تنازعت قوى محلية وإقليمية السيطرة على القرار السياسي والعسكري.
تنبع صعوبة اتفاق 2026 من نوع مختلف.
فالدولة أكثر وحدة من الناحية الدستورية، لكنها مطالبة بتنفيذ قرار حصر السلاح في مواجهة تنظيم يتمتع بقوة عسكرية وقاعدة سياسية واجتماعية، في وقت لم يكتمل فيه الانسحاب الإسرائيلي ولا تزال الضمانات المرتبطة به موضع اختبار.
في عام 1983، انهار الاتفاق قبل أن يدخل حيز التنفيذ. أما اتفاق 2026، فقد بدأ امتحانه الميداني عبر المناطق التجريبية قبل التوصل إلى جميع الترتيبات النهائية.
لهذا لا يتعلق السؤال فقط بقدرة القوى الرافضة على إسقاطه، وإنما بقدرة الأطراف الموقعة على ترتيب التنفيذ بحيث لا يُطلب من لبنان تقديم التزاماته كاملة فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي معلقًا.
هل يعيد التاريخ نفسه؟
لا يكرر لبنان تجربة عام 1983 بحذافيرها. تغير النظام الإقليمي، واختلفت طبيعة الدولة والقوى المسلحة، كما أن اتفاق 2026 لا يزال إطارًا مفتوحًا على ترتيبات تنفيذية متعددة، خلافًا للنص التفصيلي الذي وُقّع قبل 43 عامًا.
لكن تجربة 17 أيار تقدم درسًا واضحًا: لا يكفي توقيع اتفاق تحت رعاية قوة دولية كي يصبح قابلًا للحياة. يحتاج أي مسار إلى انسحاب فعلي، وضمانات لا تسمح للاحتلال بتحويل الشروط الأمنية إلى إقامة مفتوحة، وشرعية داخلية تمنع تحوّل التنفيذ إلى مواجهة بين اللبنانيين.
هل يعيد لبنان إنتاج تجربة 1983،
أم أن التحولات الإقليمية ستقود إلى مسار مختلف؟
المراجع: