السبت 18 أبريل / أبريل 2026
Close

من الأرجوان إلى اللحية.. كيف استُخدم اللباس لترسيم الطبقات عبر التاريخ؟

من الأرجوان إلى اللحية.. كيف استُخدم اللباس لترسيم الطبقات عبر التاريخ؟ محدث 20 مارس 2026

شارك القصة

في روما القديمة كان التباهي بالثراء لدى النخبة يظهر في إقامة ولائم باهظة الثمن
في روما القديمة كان التباهي بالثراء لدى النخبة يظهر في إقامة ولائم باهظة الثمن- غيتي
في روما القديمة كان التباهي بالثراء لدى النخبة يظهر في إقامة ولائم باهظة الثمن- غيتي
الخط
من الأرجوان الروماني إلى ضريبة اللحية وأحزمة التمييز، كيف استُخدم اللباس والترف لترسيخ الفوارق الطبقية وضبط المجتمع عبر التاريخ؟
عبر التاريخ، لم تقتصر القوانين والعادات على ما نعتبره اليوم بديهيًا، مثل تنظيم المرور أو الحقوق المدنية، بل شملت أيضًا ما يخدم مظهر العلاقات الاجتماعية والهرمية، ويعكس القيم الأخلاقية والاقتصادية والثقافية السائدة في عصور معينة.

في كثير من الحالات، قد تبدو هذه القوانين والعادات غريبة من وجهة نظرنا المعاصرة، لكنها كانت منطقية في سياقها التاريخي. فمن الإمبراطورية الرومانية إلى عصر التنوير، وُضعت قواعد تحدد من يمكنه ارتداء لون معيّن، أو نوع قماش محدد، أو حتى اعتماد هيئة خارجية بعينها.

لم تكن هذه القوانين تفاصيل هامشية، بل أدوات رسمية لضبط المجتمع وترسيخ الفوارق الطبقية.

تكشف هذه الممارسات الكثير عن نظرة السلطة والطبقات والاقتصاد إلى أدوار الأفراد، كما توضح كيف جرى تثبيت نظام اجتماعي محدد، قد يختلف أحيانًا عن النظام السياسي القائم، لكنه يتقاطع معه في هدف السيطرة والتنظيم.

ورغم الاختلاف الكبير بين الماضي والحاضر، لا تزال بعض الأنظمة المعاصرة تطبّق سياسات وقوانين مشابهة في جوهرها، وإن جاءت تحت مسمّيات وذرائع مختلفة، بعضها ديني أو عقائدي، وبعضها الآخر سياسي بحت. ورغم اختلاف الذرائع، تبقى الغايات متشابهة في كثير من الأحيان: ضبط المجتمع، والتحكم به، وإبقاؤه ضمن إطار محدد وواضح المعالم.

اليونان القديمة
شيوع عادات ناتجة عن التمادي في إظهار الثروة أو الاستمتاع بها، وصولًا إلى التقيؤ خلال الولائم - غيتي 

اليونان وروما القديمة: السيطرة والتمييز الطبقي


كان المظهر الجيد والنظيف في المجتمعات القديمة يعكس الحالة الاجتماعية والمادية لصاحبه، ويُعدّ من أبرز وسائل التميّز عن بقية طبقات المجتمع، في ظل محدودية الكماليات الاستهلاكية آنذاك، وعجز عامة الناس عن تخصيص موارد كبيرة للمظهر الفردي والزينة.

ومع ذلك، حاولت السلطات في بعض المراحل التاريخية كبح الرفاهية الزائدة أو التظاهر الفاقع بالثراء الشخصي. وهو ما دفع إلى تطبيق ما يُعرف بـ"قوانين التبذير" (sumptuary laws)، التي هدفت إلى ضبط ما يُظهره الأشخاص من ثروة، وما يرتدونه، وما ينفقونه، وفقًا لما يورده معجم "هنري كامبل بلاك" القانوني.

لم تكن قوانين التبذير مجرد تشريعات أخلاقية، بل أدوات لضبط الاقتصاد وترسيخ التراتبية الاجتماعية.

ووجد المؤرخون أنّ تفسير هذه القوانين يندرج ضمن محاولة "تنظيم ميزان التجارة من خلال الحد من سوق السلع المستوردة باهظة الثمن، كما سهّلت تحديد المكانة الاجتماعية والامتيازات، وبالتالي كان من الممكن استخدامها للتمييز الاجتماعي وتثبيت التسلسلات الهرمية الاجتماعية"، وفق كتاب "اللباس والأخلاق" لأيلين روبيرو (2003).

ويرى المؤلف أيضًا في هذه القوانين محاولة، ولو محدودة، للحد من الفساد في مستويات السلطة والتجارة.

ويمكن فهم الدوافع الكامنة وراء هذه القيود عند النظر إلى عادات بعض السياسيين الأثرياء وكبار التجار في العالم القديم. ففي روما القديمة، على سبيل المثال، كان التباهي بالثراء لدى النخبة يظهر في إقامة ولائم باهظة الكلفة، وتكديس مظاهر البذخ، واستخدام أعداد كبيرة من العبيد لتلبية مختلف أنواع الخدمات.

ويشير مؤرخون إلى شيوع ممارسات مرتبطة بالمبالغة في الأكل والاستعراض داخل الولائم، حتى أصبح الإفراط نفسه علامة على الثراء والتميّز.

"كانت البحار تُنهب بحثًا عن الأطعمة الشهية، وكانت تكلفة وجبة واحدة تكفي لإطعام جيش" - بليني الأكبر 

ويُشير بليني الأكبر إلى أنّ الجنرال لوكولوس (القرن الأول قبل الميلاد) جسّد هذا الترف بصورة لافتة، لدرجة أنّ تعبير "وليمة لوكولوس" ظل زمنًا طويلًا رمزًا للترف الباذخ. ووفقًا للمؤرخين، "احتفظ لوكولوس بغرف طعام متعددة تُناسب مختلف الأذواق، وكان يُقدّم ألسنة طيور الفلامنغو، وأدمغة الطاووس، والزغبيات المطعّمة بالعسل".

أما في عهد الأباطرة، فأصبح الإسراف جزءًا من مشهد الهيبة الإمبراطورية، حيث تميّزت ولائم نيرون، بحسب سويتونيوس وتاسيتوس، بـ"قاعات طعام دوّارة، معطّرة ببتلات الزهور، وأسقف تُمطر بماء الورد، وأطباق مطلية بالذهب".

كما كان الإمبراطور الشاب إيل جبل (القرن الثالث الميلادي)، الذي أرّخ له كاسيوس ديو، مضربًا للمبالغة في الإسراف؛ فكان يُقدّم اللؤلؤ المذاب في النبيذ، ويُطلق حيوانات غريبة في مجالس العشاء، ويكافئ الضيوف بعبيد أو ممتلكات مخفية تحت أطباقهم.

اليونان  1
 نصّت القوانين الرومانية على أنّ ارتداء ثوب كامل بهذه الصبغة من دون إذن كان يُعتبر جرمًا ويستحقّ العقاب - غيتي

وبالطبع، واجهت الحضارة اليونانية السابقة للرومانية مظاهر مشابهة، الأمر الذي دفع إلى محاولة كبحها أو تنظيمها. وكان اليونانيون من أوائل من حاولوا سنّ قوانين للحد من التبذير.

فقد نصّ قانون اللوكريين الذي كتبه زاليوكس في القرن السابع قبل الميلاد، وهو من أقدم القوانين المكتوبة في اليونان القديمة، على تعليمات تحدّ من الزينة واللباس الغالي الثمن.

ووفقًا للنص:

لا يجوز للمرأة الحرة أن تُرافق أكثر من جارية واحدة، إلا إذا كانت ثملة؛ ولا يجوز لها مغادرة المدينة ليلًا إلا إذا كانت تنوي الزنا؛ ولا يجوز لها ارتداء مجوهرات ذهبية أو ثوب ذي حافة أرجوانية إلا إذا كانت مومسًا؛ ولا يجوز للزوج ارتداء خاتم مُرصّع بالذهب أو عباءة على طراز ميليتوس إلا إذا كان عازمًا على ممارسة الدعارة أو الزنا".

ولاحقًا، حاولت النظم الرومانية تطبيق قوانين مشابهة، ولكن بخلفيات طبقية أوضح. ومن أشهر الأمثلة على ذلك القوانين المرتبطة بارتداء اللون الأرجواني (Tyrian Purple)، الناتج عن صبغة باهظة الثمن مستخرجة من صدفيات بحرية، ما جعله حكرًا تقريبًا على النخبة والإمبراطور.

كما نصّت القوانين الرومانية على أنّ ارتداء ثوب كامل بهذه الصبغة من دون إذن كان يُعدّ جرمًا يستحق العقاب، وفقًا لما يذكره موقع "أطلس العالم". وثمّة مثال آخر تمثّل في قانون فُرضت فيه قيود على النساء، شملت امتلاك الذهب، وارتداء الملابس متعددة الألوان، أو ركوب العربات داخل المدينة خلال الحرب البونيقية الثانية.

ويُرجع المؤرخون أسباب صدور هذا القانون إلى محاولة منع الطبقات الدنيا من تقليد مظهر النخبة، وبالتالي الحفاظ على التمييز الطبقي البصري، وتحكم السلطة في صورة الثراء والاستهلاك.


من اللباس إلى أنماط العقاب


لم يقتصر التمييز بين الطبقات في بعض المجتمعات القديمة على المظهر واللباس، بل امتد أحيانًا إلى أنماط العقاب نفسها. وفي هذا السياق، يُستعاد ما شاع عن الإمبراطور الروماني نيرون خلال حكمه (54-68 م)، حين شجّع بعض خصومه السياسيين على "الانتحار الطوعي" بدلًا من محاكمتهم وإعدامهم علنًا، بما يجعل هذا المصير أكثر "ملاءمة" للنخبة من العقوبات المخصّصة للعامة.

ومن أشهر الحالات كانت تلك الخاصة بالفيلسوف سينيكا (Seneca the Younger)، الذي أُمر بالانتحار عام 65 م بعد اتهامه بالتآمر على نيرون. وبالفعل، نفّذ سينيكا الأمر بقطع شرايينه في حوض ماء ساخن، وفق ما وصفه تاسيتوس.

تحوّل الانتحار في بعض الحالات إلى خيار سياسي "مشرّف" للنخبة، بدلًا من الإعدام العلني المهين الذي كان يُطبّق على عامة الناس.

ووفقًا للمؤرخين، فإنّ نيرون لم يُصدر مرسومًا عامًا أو قانونًا مكتوبًا بهذا الشأن، بل اقتصر الأمر على تكريس هذا السلوك كصيغة سياسية واجتماعية مرتبطة بالفوارق الطبقية.

الإمبراطور نيرون
رسم توضيحي قديم مستوحى من لوحة هنري سميرادسكي، بعنوان "روما القديمة، مشاعل نيرون" - غيتي

العصور الوسطى: جزم قصيرة ولحى ممنوعة


في العصور الوسطى، استمرّ العمل بقوانين التبذير (sumptuary laws) في أوروبا، لا سيّما في إنكلترا وفرنسا وإيطاليا، بهدف ضبط الإنفاق المفرط والتمييز البصري بين الطبقات.

ووفقًا لما يذكره موقع "الحياة في العصور الوسطى"، فإنّه في "النظام الإقطاعي للعصور الوسطى، كان الجميع يعرف مكانه. ووفّرت الملابس وسيلة فورية للتمييز بين الناس. وكانت أزياء العصور الوسطى خاضعة لهرم السلطة وقوانين الترف التي سنّها ملوك إنكلترا".

وعلى سبيل المثال، في إنكلترا عام 1336، صدرت قوانين تحدد أنّه "لا يجوز لأي فارس دون مرتبة لورد، أو سكواير، أو نبيل، ولا أي شخص آخر، ارتداء أحذية أو سراويل ذات مسامير أو رؤوس حادة (pikes)".

وقد خضعت الأحذية ذات الأصابع الطويلة، المعروفة باسم "Poulaine"، والتي كانت شائعة بين النبلاء، لعدة قوانين بعدما أصبحت رمزًا للبذخ والتميّز الجنسي والطبقي.

ويعود السبب في ذلك إلى أنّه مع ازدياد ثراء طبقة التجار، أو البرجوازية الصاعدة، بدأ بعض من هم خارج طبقة النبلاء يرتدون ملابس تُشبه مظهر النبلاء، ما هدّد التميّز البصري للطبقة الأرستقراطية. ولذلك هدفت القوانين إلى ضمان أن يبقى المظهر الخارجي علامة حيّة على التراتب الطبقي.

كما صدرت في القرن السادس عشر قوانين تمنع ارتداء الحرير من قبل الأشخاص دون رتبة esquire أو أعلى، ليس فقط للحد من تقليد النبلاء، بل أيضًا لمنع خروج الثروة من البلاد وحماية الاقتصاد الوطني.

وفي المكسيك الاستعمارية، بين عامي 1575 و1693، قدّمت المجتمعات الهندية أكثر من 500 طلب اعتراض على قوانين تمنعها من ارتداء بعض الأقمشة، أو حمل أسلحة، أو امتطاء الخيول، أو تقليد مظهر النبلاء الأوروبيين.

وبما أنّ الحديث هنا عن تأطير الطبقات والحد من التبذير، فمن الجدير بالذكر أنّ ملوك تلك الفترة وطبقاتهم عاشوا حياة ترف باذخ تفصلها مسافات شاسعة عن حياة عموم الناس.

كان السكر والبهارات والأناناس رموزًا للثروة، في عالم كان كثير من سكانه يعانون الفقر والحرمان.

واشتهرت موائد الملوك والنبلاء بأطباق نادرة مثل الطاووس المشوي، والخنزير المحشو بالتوابل الشرقية، والحلوى المصنوعة من السكر المستورد من الشرق. وكان السكر والبهارات، كالقرنفل وجوزة الطيب والفلفل، رمزًا للثروة، لأنّ مصدرها كان طرق التجارة القادمة من الهند والعالم الإسلامي عبر البحر المتوسط.

كما كان عرض ثمرة الأناناس رمزًا من رموز الجاه والتميّز، إلى درجة نحت مجسّمات لها في جدران وأبراج قصور ذلك الزمن. وتقول كتب التراث الإنكليزي إنّ النبلاء كانوا يتنافسون في ارتداء الأقمشة الفاخرة، كالحرير والديباج المزيّنة بالذهب والفضة، في وقت كانت فيه قطاعات واسعة من سكان أوروبا تعيش الفقر الشديد.


العصر الحديث المبكر: من فرساي إلى روسيا


يذكر المؤرخون أنّ الملك الفرنسي لويس الرابع عشر كان مهووسًا بالمظهر والانضباط داخل بلاطه في فرساي. ووفقًا للمصادر التاريخية، فقد كان يُصرّ على أن يظهر جميع رجال البلاط بباروكات صناعية ضخمة، وشوارب مشذّبة بدقة، كما كان ينفر بشدة من الرجال الملتحين.

ويفيد موقع "هيستوري إكسترا" بأنّ الملك، المحرج من صلعته، ارتدى شعرًا اصطناعيًا فاخرًا على الدوام، وشدّد على أن يفعل الآخرون مثله. وما انطبق على الرجال، انطبق على النساء أيضًا، إذ تفاخرن بمن تستطيع الحصول على الباروكة الأكبر وتحمل ارتداءها.

كما يذكر أنّ لوائح البلاط (Étiquette de Versailles) اعتبرت اللحية "غير لائقة في حضرة الملك". وبالتالي، فإنّ من يريد التقرّب من الملك أو البقاء في القصر، عليه أن يحلق ذقنه بانتظام.

"حوّل اللحية إلى علامة على التمرّد أو الفظاظة"

ووفقًا للمؤرخ الفرنسي إيرلانغر، فإنّ لويس الرابع عشر "حوّل اللحية إلى علامة على التمرّد أو الفظاظة"، حيث مثّل ذلك هدفًا إضافيًا هو تمييز النبلاء الفرنسيين العصريين عن المحاربين الإقطاعيين القدماء الذين ارتبطوا باللحية.

ويذكر "هيستوري إكسترا" أنّ سياسة "الأتيكيت" المعقدة التي وضعها الملك لويس هدفت بالدرجة الأساسية إلى إشغال طبقة النبلاء بالمنافسة الطبقية، بدلًا من انتقاد سياساته أو عقد التحالفات ضده.

ومن الأمثلة الأوروبية أيضًا، ولكن شرقًا في روسيا، أنّ القيصر بطرس الأكبر فرض ضريبة على اللحية بين عامي 1698 و1772 تقريبًا، حيث كان الرجال يُجبرون إما على حلق لحاهم أو دفع ضريبة سنوية.

بطرس الأكبر
 القيصر بطرس الأكبر فرض قانون ضريبة اللحية بين عامي 1698 و1772 - غيتي

وقد هدف هذا الإجراء إلى جعل روسيا تبدو "عصرية" على النمط الأوروبي الغربي، ولا سيما الفرنسي، إضافة إلى إضعاف رموز السلطة التقليدية، كاللحية، التي كانت مرتبطة بالتقاليد المحلية المتجذرة. أما من يرفض الامتثال، فكان يُجبر على حمل رمز معدني يثبت دفعه للضريبة.

أما في أميركا، فيذكر موقع "نيو أورليانز التاريخي" أنّ السلطات الحاكمة في لويزيانا عام 1786 طلبت من النساء ذوات الأصول الإفريقية ارتداء وشاح للرأس بهدف تمييزهن طبقيًا وعرقيًا، وهو ما تحوّل لاحقًا إلى موضة خاصة باتت تميّز النساء من أصول إفريقية في أميركا الشمالية.


في الإسلام: اللباس والتمييز البصري


عبر مختلف الأنظمة السياسية الإسلامية، من الخلافة العباسية إلى الإمبراطوريات العثمانية والصفوية والمغولية، وُضعت قيود على الملابس والرفاهية والسلوك استنادًا إلى الدين والجنس والمكانة الاجتماعية.

وفي ما يتعلق بقواعد اللباس بين المسلمين وغير المسلمين، غالبًا ما كان يُطلب من غير المسلمين ارتداء ألوان أو إكسسوارات مميزة، مثل الأحزمة الصفراء أو الزرقاء أو العمائم، لتمييزهم في الأماكن العامة. وهي ممارسة وُجدت في بغداد العباسية في القرن التاسع، ثم استمرت بأشكال مختلفة في العصور المملوكية والعثمانية.

القيود على الملابس والسلوك

  • عبر الخلافة العباسية والإمبراطوريات الإسلامية المختلفة، وُضعت قيود على اللباس والرفاهية والسلوك حسب الدين والجنس والمكانة الاجتماعية.

  • غير المسلمين غالبًا ما كان يُطلب منهم ارتداء ألوان أو إكسسوارات مميّزة مثل الأحزمة الصفراء أو الزرقاء أو العمائم لتمييزهم.

  • هذه الممارسة بدأت في بغداد العباسية (القرن التاسع) واستمرت في العصور المملوكية والعثمانية.

وفي مدن كإسطنبول في القرن السابع عشر، كان اللباس والمركوب والموقع داخل السوق مؤشرات بصرية تساعد على تمييز الجماعات الدينية والاجتماعية بعضها من بعض، بحيث يصبح المجال العام نفسه مساحة لترجمة الفوارق بين الناس.

لكن بحلول القرن التاسع عشر، ولا سيما مع إصلاحات التحديث المعروفة باسم "التنظيمات العثمانية"، جرى إلغاء الوضع التفضيلي للمسلمين على غيرهم، ضمن سلسلة من التطورات التي قادت لاحقًا إلى توترات واضطرابات كبرى، منها أحداث عام 1860 الدموية.

اسطنبول العثمانيون
 وُضعت قيود على الملابس والرفاهية والسلوك استنادًا إلى الدين والجنس والمكانة الاجتماعية

ومن ناحية أخرى، كان إغراء المال والتباهي قويًا أيضًا، رغم أنّ مبدأ الاكتفاء جزء من تعاليم الدين الإسلامي. فقد شهدت العصور الإسلامية مظاهر تفاخر السلاطين والخلفاء بثرواتهم وثراء دولهم.

فخلال العصر العباسي والفاطمي، ارتدى الخلفاء والوزراء ثيابًا من الحرير الدمشقي والديباج اليمني، فيما تميّزت نساء القصور بلباس فخم وزينة دقيقة. وكان الخلفاء ونساء القصور يصنعون عطورهم الخاصة التي نُسبت إليهم بأسمائهم، مثل "غالية الرشيد"، وهو عطر منسوب إلى الخليفة العباسي الشهير.

الترف والزينة بين الحكام

  • الخلفاء والسلاطين تفاخروا بثرواتهم وثراء دولتهم رغم تعاليم الاكتفاء.

  • العصر العباسي والفاطمي: ارتداء الحرير الدمشقي والديباج اليمني.

  • نساء القصور: لباس فخم وزينة دقيقة.

  • صناعة العطور الخاصة بأسماء الخلفاء، مثل "غالية الرشيد".

ويذكر كتاب "الترفق بالعطر" للكندي أنّ هذا العطر صُنع من القطران واللبان والمسك والقرنفل، فيما صُنع عطر الخليفة المأمون، على سبيل المثال، من العود والكافور والعنبر، من دون الإشارة هنا إلى الحظايا بالمئات، والقصور الفخمة، والأوقاف الكثيرة.

وبالمقارنة بين تعاطي بعض الحكام المسلمين في العصرين الأموي والعباسي وحقبة الأندلس مع مظاهر الترف، ونظرائهم من الملوك الأوروبيين، يمكن القول إنّ مظاهر البذخ كانت في بعض السياقات أقل استعراضًا من تلك التي سادت لدى بعض الملكيات والنبلاء في أوروبا. كما أنّ جزءًا من ثروات الحكام كان يذهب إلى أعمال خيرية أو إلى خدمة المؤسسات الدينية والعامة.

يتّفق الفلاسفة عمومًا على أنّ مبادئ التمييز التي تضعها الطبقة الحاكمة، واستعراض الثراء والجاه، تصب في هدف واحد عبر الزمن: الإشغال، والتطويع، والسيطرة من فئة على أخرى.

وكان الفلاسفة اليونانيون القدماء من أوائل من شخّصوا الوظيفة السياسية للترف والتمييز الاجتماعي. ففي كتابه "الجمهورية"، جادل أفلاطون بأنّ الترف يُفسد المجتمعات عبر تعميق انعدام المساواة، لكنه أقرّ أيضًا بأنّ الأوليغاركية تعتمد على الثروة الظاهرة لتمييز نفسها عن عامة الناس.

وفي القرن السادس عشر، رأى نيكولو مكيافيلي أنّ الترف يمكن أن يُستخدم أداة سياسية، ولاحظ أنّ الحكام الذين يستثمرون في المهرجانات والعمارة والكرم العام يخلقون هالة تعزّز شرعيتهم.

أما ابن خلدون، فاعتبر أنّ السلالات الحاكمة تبدأ بالتقشّف والتماسك، لكن ما إن تستقر السلطة حتى يلجأ الحكام إلى الترف لتقليد الإمبراطوريات السابقة، وتمييز أنفسهم عن عامة الناس، ولمراكمة الثروة. ورغم ذلك، يحذّر ابن خلدون من أنّ هذا الترف يُضعف الطبقة الحاكمة في النهاية، ويشتّت الانضباط والعصبية، ويُسرّع الانحدار، وهو ما تثبته دورات التاريخ مرارًا.

فالترف، في كثير من الأحيان، لم يكن مجرد ذوق أو ترفيه، كما أنّ اللباس لم يكن مجرد مظهر. كلاهما كان لغة سلطة، وأداة تصنيف، ووسيلة لإبقاء المجتمع مرئيًا ومقسّمًا وقابلًا للضبط.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من