في عالم السياسة الدولية، لا تقتصر أدوات التفاوض والتقارب على الاجتماعات الرسمية والاتفاقيات المعقدة فحسب، بل تمتد لتشمل وسائل غير تقليدية تجمع بين الرمزية والدبلوماسية الهادفة.
من الباندا الصينية إلى الكيوي النيوزيلندي، تلعب الحيوانات دورًا فريدًا "سفراء فوق العادة" بين الدول، حيث تفتح هذه الهدايا الحية آفاقًا جديدة لبناء جسور من الثقة والتفاهم الثقافي والسياسي.
فمنذ قرون طويلة، كانت الحيوانات تُقدَّم هدايا بين الملوك والأباطرة، دليلًا على الاحترام والقوة والنوايا الحسنة. واستُخدمت الباندا والفيلة والأسود والصقور والخيول ًارموز لحسن النية في العلاقات بين الدول.
وتعود جذور "دبلوماسية الحيوانات" إلى عهد أسرة تانغ الصينية (618-907 ميلادي)، حيث كان الأباطرة يُهدون الباندا للحكام الأجانب كبادرة دبلوماسية رمزية. إلا أن هذه الممارسة بدأت تفقد بعضًا من زخمها في العصر الحديث، بسبب المخاوف المتعلقة برعاية الحيوانات، وفقًا لما ورد في موقع "دبلوماسي".
في عام 1784، أهدى الملك تشارلز الثالث ملك إسبانيا للرئيس الأميركي جورج واشنطن حمارًا أسماه "الهدية الملكية" ببراعة، وكانت هذه الهدية تهدف جزئيًا إلى توطيد الصداقة بين البلدين، في وقت كانت الولايات المتحدة تكرّس فيه هويتها الوطنية، بحسب جمعية سيدات ماونت فيرنون غير الربحية، المشرفة على ممتلكات واشنطن.
وبحسب صحيفة "واشنطن بوست"، فقد تلقى عدد من الرؤساء الأميركيين حيوانات هدايا دبلوماسية أيضًا. فعلى سبيل المثال، تلقى جون كينيدي وعائلته كلبًا اسمه بوشينكا من رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي نيكيتا خروتشوف عام 1961. وفي عام 2005، أهدى الرئيس البلغاري جورجي بارفانوف جروًا للرئيس جورج دبليو بوش. وفي عام 1959، تلقى الرئيس أيزنهاور فيلًا صغيرًا من جمهورية الكونغو، بينما تلقى الرئيس ريغان فيلًا من سريلانكا عام 1984.
دبلوماسية الباندا
تعود دبلوماسية الباندا إلى عهد الحكومة القومية الصينية، حيث كانت الصين تهدي الباندا للدول الصديقة، مثل الولايات المتحدة عام 1941، حين أهدى شيانغ كاي شيك الباندا إلى أميركا تعبيرًا عن الشكر على مساعدتها للاجئين الصينيين خلال الحرب مع اليابان، بحسب جامعة جورج تاون.
وبعد تولي الحزب الشيوعي الصيني السلطة عام 1949، استُخدمت الباندا هدية للدول الشيوعية الأخرى، مثل كوريا الشمالية خلال الحرب الباردة، وفقًا لجامعة جونز هوبكنز.
بدأت دبلوماسية الباندا بين الولايات المتحدة والصين بشكل ملحوظ مع زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972، والتي تلتها هدية من حكومة ماو تسي تونغ تتمثل في اثنين من الباندا العملاقة للولايات المتحدة، كعلامة على توطيد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
ومع تزايد شعبية الباندا، بدأت الصين ترسل هذه الدببة إلى حدائق حيوانات في الولايات المتحدة، لكنها غيرت في عام 1984 طريقة تقديمها من هدايا إلى شكل قروض مؤقتة.
وانخفضت أعداد الباندا في الولايات المتحدة من 17 إلى اثنين فقط مع تدهور العلاقات بين القوتين العظميين. كما أعادت دول أخرى مؤخرًا الحيوانات التي تمتلكها من نوع الباندا إلى الصين، مثل فنلندا وأستراليا.
دبلوماسية الفيلة
مارست الهند دبلوماسية الفيلة بطرق مميزة، وتذكر مجلة "كارفان" أنه في شتاء عام 1953 تلقى رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو رسالة غير مألوفة من طفل كندي في الخامسة من عمره. بدأ الطفل رسالته: "عزيزي السيد نهرو، هنا في غرانبي، وهي بلدة صغيرة في كندا، لدينا حديقة حيوانات رائعة، لكن ليس لدينا فيل". وكان الطفل قد سمع من والده أن لدى نهرو "الكثير من الفيلة".
رغم غرابة الرسالة في ظل انشغال نهرو في بناء بلاده بعد الاستعمار، إلا أن الحكومة الهندية كانت معروفة دوليًا بكرمها في إهداء الفيلة الصغيرة، غالبًا استجابة لطلبات الأطفال. فتم إرسال فيل إلى تلك القرية الكندية في عيد الميلاد من ذلك العام، وتلت ذلك سلسلة من الطلبات المماثلة، بحسب الصحيفة.
أسهمت هذه الدعاية الدولية الإيجابية في دعم مصالح الهند الدبلوماسية كدولة شابة وفقيرة، تكافح من أجل الحفاظ على حيادها خلال الحرب الباردة، وتسعى لتعزيز صورتها على الساحة العالمية.
وفي ثمانينيات القرن الماضي، أهدت الصين والهند زرافتين لبعضهما البعض لتعزيز علاقتهما، وكانت هذه الهدية رمزًا قويًا للصداقة بين البلدين، وفقًا لموقع "سوث آجيا مونيتور".
لكن في عام 2005، أنهى حظر فرضته وزارة البيئة والغابات الهندية على نقل الحيوانات عبر الحدود كهدايا عقودًا من هذه الدبلوماسية الحيوانية.
دبلوماسية القردة
في خطوة جديدة، تسعى ماليزيا، ثاني أكبر منتج لزيت النخيل عالميًا، إلى تحسين صورتها البيئية من خلال ما يُعرف بـ"دبلوماسية القردة"، بحسب موقع "ذا هندو".
وفي التفاصيل، تعتزم ماليزيا تقديم قرود إنسان الغاب للدول التي تستورد زيت النخيل منها، في محاولة لإظهار اهتمامها بالحفاظ على هذه الأنواع المهددة بالانقراض، التي غالبًا ما تدمر مزارع زيت النخيل مواطنها الطبيعية.
وتستلهم ماليزيا هذه المبادرة من دبلوماسية الباندا الصينية، وتأمل أن تخفف هذه الخطوة من المخاوف العالمية بشأن الأثر البيئي لإنتاج زيت النخيل، مما يعكس قوة التبادل الثقافي في تشكيل السياسة العالمية.
وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، أرسلت حكومة ميانمار، التي يسيطر عليها الجيش، ستة أفيال إلى روسيا احتفالًا بالذكرى الخامسة والسبعين للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
دبلوماسية البيسون
برزت كندا في الآونة الأخيرة كلاعب مهم في مجال دبلوماسية الحيوانات من خلال ما يُعرف بـ"دبلوماسية البيسون"، وهو حيوان من الفصيلة البقرية عاش في أوروبا وأميركا منذ العصور الجليدية.
ففي فبراير/ شباط 2025، نُقلت مجموعة من بيسون السهول عبر الحدود بين الولايات المتحدة وكندا، كهدية من قبائل فورت بيك في مونتانا إلى قبيلة "موسكيتو جريزلي بيرز هيد لين مان" التابعة لأمم ساسكاتشوان الأولى، مسجلة بذلك أول عبور للبيسون من منتزه يلوستون إلى كندا.
جاء هذا النقل ضمن معاهدة بافالو التي أبرمتها الشعوب الأصلية في أميركا الشمالية لإعادة الجاموس إلى أراضيها بشكل تعاوني.
وتعتبَر كندا موطنًا لمجموعات كبيرة من بيسون الغابات، وهو نوع مهدد بالانقراض. وقد أهدت كندا وأعادت توطين البيسون في الولايات المتحدة وروسيا لإعادة بناء قطعانهم، مما يعزز التعاون في مجال الحفاظ على البيئة، ويُظهر التزام كندا بالاستدامة وحماية التنوع البيولوجي.
دبلوماسية الكوالا
في عام 2016، احتلت أستراليا المرتبة السادسة عالميًا في مجال دبلوماسية القوة الناعمة، حيث تعكس مبادرات مثل "دبلوماسية الكوالا" إمكانية تعزيز العلاقات الدبلوماسية بين الدول.
وفق الجمعية الأوروبية لحدائق الحيوان والأحواض المائية (EAZA)، يوجد نحو 70 كوالا في حدائق الحيوان في أوروبا، وحوالي 100 في حدائق الحيوان حول العالم. وتُعتبر الكوالا رمزًا لأستراليا، لذا فإن إهداءها يُعزز الروابط الثقافية والدبلوماسية.
تسعى أستراليا أيضًا للحفاظ على هذا الحيوان، لا سيما بعد أزمة حرائق الغابات في 2019-2020، إذ أُعيد تصنيف الكوالا من "مُعرّض للخطر" إلى "مُهدد بالانقراض" في مناطق كوينزلاند، ونيو ساوث ويلز، وإقليم العاصمة الأسترالية.
وبحسب تقرير صدر عام 2020 إلى برلمان نيو ساوث ويلز، قد ينقرض هذا النوع في البرية بحلول عام 2050 إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة. واستجابةً لذلك، خصصت حكومة نيو ساوث ويلز أكثر من 190 مليون دولار أميركي لاستراتيجية الكوالا، بهدف مضاعفة أعدادها في الولاية بحلول عام 2050.
دبلوماسية الكيوي
لعب طائر الكيوي دورًا صغيرًا ولكن مهمًا في علاقات نيوزيلندا مع الدول الأخرى، وفق صحيفة نيويورك تايمز الأميركية. وبهذا المعنى، تشبه دبلوماسية الكيوي إلى حد ما دبلوماسية الباندا الصينية، حيث تهدف إلى الاحتفاء بالعلاقات الثنائية وتحسين فرص تكاثر الطيور في الأسر.
وفقًا للصحيفة، تفرض نيوزيلندا قوانين أقل صرامة من الصين فيما يتعلق بحماية هذا الطائر، لكنها تضع متطلبات محددة لحدائق الحيوانات المشاركة، من ضمنها ضرورة إعادة طيور الكيوي النافقة إلى نيوزيلندا لدفنها.
ومنذ عام 2010، يُجمع ريش طيور الكيوي المتساقط من حديقة حيوان سميثسونيان الوطنية في واشنطن ويُعاد إلى نيوزيلندا تحت اسم "تاونجا"، وهي كلمة ماورية تعني "الكنز".
ويعيش طائر الكيوي في حديقة حيوان واشنطن منذ عام 1968، عندما أهدى رئيس وزراء نيوزيلندا آنذاك كيث هوليوك شخصيًا اثنين من الطيور إلى الحديقة. وبعد عشر سنوات، أُهدي زوج آخر إلى حديقة حيوان فرانكفورت، حيث أنتجت هذه الطيور وذريتها العشرات من طيور الكيوي.
اتفاقية "سايتس"
تشكل اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المعرضة للانقراض (CITES) الركيزة الأساسية لتنظيم دبلوماسية الحيوانات الحديثة، حيث توفر إطارًا قانونيًا صارمًا لضمان ألا تتحول المبادرات الدبلوماسية إلى تهديد لبقاء الأنواع.
وُضعت اتفاقية سايتس بناءً على قرار اتُخذ عام 1963 في اجتماع لأعضاء الاتحاد العالمي لحفظ الطبيعة (IUCN)، وتم الاتفاق على نص الاتفاقية النهائي في اجتماع لممثلي 80 دولة عُقد في واشنطن العاصمة في 3 مارس/ آذار 1973، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 1 يوليو/ تموز 1975.
وتتجاوز تجارة الحيوانات والنباتات البرية الحدود الوطنية، لذا فإن تنظيمها يتطلب تعاونًا دوليًا لحماية الأنواع من الاستغلال المفرط. تمنح الاتفاقية درجات متفاوتة من الحماية لأكثر من 40,000 نوع من الحيوانات والنباتات، سواء كانت تُتاجر بها كعينات حية، أو معاطف فرو، أو أعشاب مجففة.