منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، شكلت غزة اختبارًا قاسيًا للإعلام العالمي. فبينما وثق الصحفيون في القطاع تحت القصف مشاهد الإبادة والدمار، غابت التغطية المتوازنة في كثير من وسائل الإعلام الغربية.
ومع انتشار صور الضحايا والدمار من قلب غزة، بدأت بعض المؤسسات تراجع سرديتها وتعيد النظر في معايير التغطية والموضوعية.
فمن مجرد نقل للخبر إلى اختبار حقيقي لمصداقية الإعلام الدولي، هكذا تحول شكل التغطية الإعلامية الدولية للحرب على غزة.
تأثر بالسردية الإسرائيلية
ومنذ 7 أكتوبر 2023، هرولت وسائل الإعلام الغربية لاحتضان الرواية الإسرائيلية وتبنيها. وأثبتت التسميات والمصطلحات. فما حدث في السابع من أكتوبر اصطلح على تسميته "هجومًا إرهابيًا وما بعده دفاعًا عن النفس".
ولأكثر من عام، بدا المشهد الإعلامي الغربي متأثرًا بشدة بالسردية الإسرائيلية، نتيجة تأثير البيئة السياسية في اتجاهات المعالجة.
في المقابل لعب الإعلام العربي ومواقع التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في توثيق الجرائم والمجازر.
وأيضًا، ضغطت تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية على التغطية التقليدية للعدوان، بتسليطها الضوء على البعد الإنساني وحرب التجويع، التي أصبحت سلاحًا يحصي أرقامًا يومية من الشهداء.
ومع تراجع الثقة في الإعلام التقليدي حيث أظهرت استطلاعات الرأي في أوروبا وأميركا تزايد الاعتماد على المصادر البديلة والمحتوى الرقمي المستقل، اضطرت وسائل الإعلام الغربية إلى استخدام لغة أكثر نقدًا تجاه السياسات الإسرائيلية، في محاولة لاستعادة ثقة جمهورها الذي أصبح يبحث عن صورة أوضح لما يجري.
وأخذ ارتفاع عدد الشهداء والجرحى وانتشار صور الدمار التغطية الإعلامية إلى منحى مختلف في بعض المؤسسات الغربية. وحررت الصورة الإنسانية في غزة القضية الفلسطينية من أسر الاحتلال الإسرائيلي إلى رحاب أوسع أصبح فيها للسردية الفلسطينية مكان.
تغير اتجاه البوصلة
وكانت القناة الرابعة في المملكة المتحدة من أولى القنوات البريطانية التي كسرت الرواية الأحادية مبكرًا، وقدمت موادًا نقدية حول استهداف المدنيين.
كما وسّعت "الغارديان" البريطانية أيضًا تغطيتها لتشمل مقالات رأي وتحقيقات عن الاحتلال والحصار، وكذلك فعل عدد آخر من وسائل الإعلام الغربية، التي بدأت إعادة تشكيل معايير تغطيتها باتجاه نقل متوازن للحقائق.
"من سمات الصدق الفكري أن يتغير الصحفي مع تغير الحقائق"، هي مقولة للإعلامي البريطاني الشهير بيرس مورغان. صاحب السؤال الأشهر: هل تدين حماس؟
وذهب الإعلامي الأميركي الشهير جون ستيوارت أبعد من ذلك، حيث أدان إسرائيل والمجازر التي ترتكبها في غزة، واستعرض في برنامجه "ذا ديلي شو" فظائع الحرب، وندد بقتل المدنيين وتحويل القطاع إلى مكان غير صالح للحياة.
وأخرجت إبادة الإعلاميين في غزة الإعلام الدولي عن صمته، فأطلقت منظمة مراسلون بلا حدود وحركة "آفاز" حملة تندد بقتل الصحفيين شاركت فيها مئات من وسائل الإعلام في 50 دولة.
ولتقاسم العبء معهم كما قال الصحفي في "بي بي سي" ديفيد ديمبلبي، بثت هيئة الإذاعة البريطانية بالتعاون مع وكالات رويترز وأسوشيتد برس وفرانس برس فيلمًا قصيرًا تطالب فيه إسرائيل بالسماح للصحفيين الأجانب بالدخول إلى غزة.
التزام بدعم رواية الاحتلال
وكان التغيير تدريجيًا استجابة لضغط الرأي العام العالمي، وتنامي الانتقادات الحقوقية والاحتجاجات الشعبية، وانسجامًا مع المواقف الغربية الرسمية. لكنه أيضًا كان نسبيًا. فبعض وسائل الإعلام ما زالت تدافع عن الرواية الإسرائيلية، بل تتبناها أيضًا.
فمثلًا، تُعتبر "فوكس نيوز" الأكثر وضوحًا في ذلك عبر محلليها ومقدميها ذوي الميول اليمينية. كذلك تفعل "بيلد" الألمانية، وحتى "سي إن إن" الأميركية، التي حاولت التوازن مؤخرًا، إلا أنها غالبًا ما تبدأ تغطياتها من الزاوية الإسرائيلية.
واليوم، وبعد مرور عامين على بدء الحرب على قطاع غزة، ما زال الإعلام الدولي يختبر نفسه في مواجهة ضغوط سياسية من جهة ورأي عام عالمي أكثر وعيًا ومطالبة بالعدالة.
ومن جهة أخرى، عدلت فظائع الحرب على مليوني فلسطيني مزاج الإعلام الدولي تمامًا كما فعلت بمزاج بعض ساسة العالم.