الجمعة 9 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

من التفتيش إلى القرارات.. ما حدود سلطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟

من التفتيش إلى القرارات.. ما حدود سلطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟

شارك القصة

مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، خلال اجتماع لمجلس المحافظين في يونيو 2025 - غيتي
مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، خلال اجتماع لمجلس المحافظين في يونيو 2025 - غيتي
مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، خلال اجتماع لمجلس المحافظين في يونيو 2025 - غيتي
الخط
تفتش الوكالة المنشآت وتتابع المواد النووية، لكن صلاحياتها تتوقف عند حدود قانونية وسياسية. كيف تتحول نتائج التحقق إلى قرارات، ومن يملك فرض العقوبات؟
تدخل المنشآت وتجمع العينات وترفع التقارير.. لكن هل تستطيع فرض العقوبات؟
من التفتيش إلى مجلس الأمن، أين تبدأ سلطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأين تتوقف؟

قد تبدأ قضية نووية بمسحة يجمعها مفتش من سطح داخل منشأة، وتنتهي بمناقشة في مجلس الأمن. لكن بين المحطتين، تُحلّل العينة، وتُقارن نتائجها بالمعلومات التي قدمتها الدولة، وتُطرح أسئلة قد تحسمها إجابة موثقة أو يفتح غيابها بابًا لأزمة دولية.

في قلب هذه العملية تقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. يتكرر اسمها في أخبار البرامج النووية، وتُقرأ تقاريرها بحثًا عن مؤشرات الخطر، لكن نتائج التفتيش وقرارات مجلس المحافظين والعقوبات الدولية ليست مراحل مترادفة، ولا تتبع إحداها الأخرى تلقائيًا.

لفهم حدود سلطة الوكالة، ينبغي تتبّع الطريق من المنشأة إلى التقرير، ثم من التقرير إلى القرار:

ماذا يستطيع المفتش إثباته؟ إلى أين يحق له الوصول؟ ومن يتحرك عندما تعرقل دولة عمله؟

لماذا أُنشئت الوكالة؟


تأسست الوكالة عام 1957، في مرحلة اجتمع فيها الخوف من القنبلة مع الآمال في استخدام التكنولوجيا النووية لتوليد الكهرباء وتطوير الطب والصناعة. سبقتها دعوة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور إلى "الذرة من أجل السلام"، في خطاب أمام الأمم المتحدة عام 1953.

حملت المؤسسة مهمتين متلازمتين: دعم الاستخدامات السلمية، والتحقق من عدم إساءة استخدام المواد والأنشطة الخاضعة لرقابتها. لهذا يشمل عملها التعاون العلمي والتقني ومعايير الأمان، إلى جانب التفتيش.

في مجال منع الانتشار، أداتها الأساسية هي "الضمانات": تدابير تقنية للتحقق من التزام الدول بتعهداتها بشأن الاستخدام السلمي للمواد النووية. وتُلزم معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الدول غير الحائزة للسلاح النووي الأطراف فيها بإبرام اتفاقات ضمانات مع الوكالة.

بهذه الضمانات، لا تكتفي الوكالة بتعهّد الدولة استخدام المواد النووية لأغراض سلمية؛ إذ تراجع سجلاتها وتفتش منشآتها للتحقق من التزامها بهذا التعهّد.


مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفنيون إيرانيون خلال إجراءات وقف إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة 20% في نطنز، يناير/كانون الثاني 2014

مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفنيون إيرانيون خلال إجراءات وقف إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة  20% في نطنز، يناير 2014 - غيتي

ماذا يفعل المفتش داخل المنشأة؟


يبدأ التفتيش بمقارنة ما تعلنه الدولة بما يمكن التحقق منه: كميات المواد النووية وخصائصها ومواقعها وحركتها بين الاستخدام والتخزين.

يراجع المفتشون السجلات، ويجرون القياسات، ويتحققون من معلومات تصميم المنشآت. ويمكنهم جمع عينات بيئية تكشف آثارًا دقيقة لمواد نووية، وتساعد في تحديد ما إذا كان النشاط المنفذ يتفق مع النشاط المعلن.

تساند هذا العمل كاميرات المراقبة والأختام الكاشفة للعبث، لمتابعة المواد والمعدات بين الزيارات حيث تُطبق هذه الوسائل. فزيارة واحدة لا تكفي لتكوين صورة متصلة عن منشأة تعمل يوميًا.

لا تنتهي العملية عند العثور على اختلاف. تُقيّم الوكالة النتائج وتطلب التوضيحات وتقارنها ببقية المعلومات المتاحة؛ إذ يحتاج أي استنتاج إلى أدلة مترابطة، لا إلى قراءة منفردة لعينة أو سجل.


كيف تتحقق الوكالة؟

هل تخضع جميع الدول للرقابة نفسها؟


لا تمنح العضوية في الوكالة المفتشين حقًا تلقائيًا في دخول كل منشأة. يستند عملهم إلى اتفاقات ملزمة قانونًا، ويختلف نطاقها بحسب وضع الدولة والتزاماتها.

تُبرم اتفاقات الضمانات الشاملة مع الدول غير الحائزة للسلاح النووي الأطراف في معاهدة عدم الانتشار. أما الدول الحائزة للسلاح النووي الأطراف فيها، فتُبرم اتفاقات قائمة على عروض طوعية. وهناك اتفاقات أخرى تخص مواد أو منشآت أو معدات محددة لدى دول خارج المعاهدة.

يعني ذلك أن الوكالة لا تمتلك ولاية عامة ومتساوية على كل البرامج والترسانات النووية في العالم. فالسؤال عن قدرتها على مراقبة دولة يبدأ بالسؤال عن الاتفاق الساري معها، وما الذي يُخضعه ذلك الاتفاق للتحقق.


باحث يعمل داخل مختبرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في زايبرسدورف قرب فيينا، يونيو/حزيران 2018

باحث يعمل داخل مختبرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في زايبرسدورف قرب فيينا، يونيو 2018 - غيتي

ماذا يضيف "البروتوكول الإضافي"؟


كشفت تجربتا العراق وكوريا الشمالية في مطلع التسعينيات قصور أدوات الرقابة المتاحة آنذاك في كشف المواد والأنشطة غير المعلنة. ساهم ذلك في تطوير الضمانات واعتماد نموذج "البروتوكول الإضافي" عام 1997.

يوسّع البروتوكول المعلومات التي تقدمها الدولة وإمكان وصول الوكالة إلى المواقع، بما يساعدها على تكوين صورة أشمل عن البرنامج النووي. وهو مكمّل لاتفاق الضمانات، ويعزز القدرة على كشف ما قد يكون خارج التصريحات الرسمية.

مع ذلك، لا يمنح المفتشين إذنًا مفتوحًا بالدخول إلى أي مكان بلا إجراءات؛ تظل حقوق الوصول محكومة بالنصوص القانونية المطبقة.

قد تملك الوكالة حقًا في الوصول وتواجه عرقلة في تنفيذه. تستطيع توثيق هذه العرقلة ومتابعتها عبر مؤسساتها، لكنها لا تملك قوة تقتحم بها المنشأة. وهنا يظهر الفرق بين وجود الالتزام وقدرة المؤسسة على إنفاذه.


رافائيل غروسي وعباس عراقجي قبيل اجتماع في طهران، 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2024

رافائيل غروسي وعباس عراقجي قبيل اجتماع في طهران، 14 نوفمبر 2024 - غيتي

هل تعذّر التحقق يعني وجود قنبلة؟


عدم القدرة على تقديم تأكيد لا يساوي إثبات تصنيع سلاح. لكنه يعني أيضًا أن مسألة مهمة بقيت من دون حسم.

تختلف دلالة التحقق من بقاء المواد النووية المعلنة في الاستخدامات السلمية عن تقديم تأكيد أوسع بشأن غياب مواد وأنشطة غير معلنة. يزيد البروتوكول الإضافي قدرة الوكالة على تقديم ذلك التأكيد الأوسع، بعد استكمال التقييم اللازم.

لهذا يجب قراءة كل تقرير بحسب نطاق استنتاجاته: ما الذي أمكن التحقق منه؟ ما الأسئلة التي بقيت مفتوحة؟ وهل تعود الفجوة إلى نقص المعلومات، أم تعذّر الوصول، أم تناقض لم يُفسّر؟

توضح الوكالة أن استنتاجات الضمانات تأتي ضمن دورة تشمل جمع المعلومات وتقييمها وتنفيذ أنشطة التحقق. لا تمنح هذه العملية شهادة مطلقة على النيات، وإنما تحدد ما تسمح الأدلة المتاحة بتأكيده.

تعذّر التحقق ≠ إثبات سلاح

كيف يتحول التفتيش إلى قرار؟


تُعرض نتائج التحقق وتقييماته في تقارير المدير العام على مجلس المحافظين، الذي يضم ممثلين عن 35 دولة، ويتولى مسؤوليات أساسية في إدارة الوكالة واتخاذ القرارات المتعلقة بعملها.

هنا يجب التمييز بين مستويين: التقرير الذي يعرض الوقائع والاستنتاجات الفنية، والقرار الذي يتخذه ممثلو الدول بناءً على مناقشتها. فالمدير العام والمفتشون يعملون بوصفهم موظفين دوليين، بينما يتكون المجلس من حكومات لها مواقفها ومصالحها.

ينص النظام الأساسي للوكالة على أن يطالب المجلس الدولة بمعالجة عدم الامتثال الذي يثبت لديه، وأن يبلغ به أعضاء الوكالة ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

كما يتيح، وفق شروطه، تقليص المساعدة أو تعليقها والمطالبة بإعادة مواد ومعدات مقدمة في إطارها. وبذلك تمتلك الوكالة أدوات تتجاوز التحذير، لكن هذه الأدوات لا تعادل فرض عقوبات اقتصادية دولية واسعة.


قاعة مجلس المحافظين قبيل اجتماع في فيينا، في 23 يونيو 2025 - غيتي

قاعة مجلس المحافظين قبيل اجتماع في فيينا، في 23 يونيو 2025 - غيتي

من يملك فرض العقوبات؟


لا تملك الوكالة سلطة فرض حظر اقتصادي عالمي أو تنفيذ عملية عسكرية لإغلاق منشأة. أما العقوبات التي يقررها مجلس الأمن، فلها أساس وإجراءات منفصلة بموجب ميثاق الأمم المتحدة، ومنها المادة 41 المتعلقة بالتدابير التي لا تتضمن استخدام القوة.

لذلك، لا يؤدي إبلاغ المجلس بعدم الامتثال تلقائيًا إلى فرض عقوبات. يتطلب ذلك قرارًا وفق قواعده، فتدخل مواقف الدول وحساباتها السياسية في تحديد الاستجابة لنتائج التحقق.

تفسر هذه المسافة بين الكشف والتنفيذ جانبًا من الجدل حول الوكالة: يُطلب منها تقديم أدلة موثوقة، بينما تعتمد الإجراءات الأوسع على قرارات لا تتحكم فيها وحدها.

[قالب ختامي مقترح | حدود السلطة]
 تكمن قيمة الوكالة في جعل التعهدات النووية قابلة للفحص، وتحديد ما ثبت وما بقي مجهولًا. تستطيع الرقابة توفير أساس لمساءلة دولة، أما تحويل نتائجها إلى التزام فعلي فيكشف حدود النظام الدولي نفسه: أدواته العلمية قادرة على رصد آثار دقيقة، واستجابته السياسية مرهونة بقرارات الدول.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي