السبت 15 أغسطس / أغسطس 2026
Close

من التنقيب إلى الاستيطان.. الاحتلال يوظف آثار الضفة لفرض رواية أحادية

من التنقيب إلى الاستيطان.. الاحتلال يوظف آثار الضفة لفرض رواية أحادية

شارك القصة

سبسطية في مواجهة مخطط إسرائيلي لتغيير هوية أحد أبرز المواقع التاريخية- غيتي
سبسطية في مواجهة مخطط إسرائيلي لتغيير هوية أحد أبرز المواقع التاريخية- غيتي
سبسطية في مواجهة مخطط إسرائيلي لتغيير هوية أحد أبرز المواقع التاريخية- غيتي
الخط
لا تقتصر السيطرة الإسرائيلية في الضفة على الأرض، بل تمتد إلى المواقع الأثرية التي تحولت إلى ساحة صراع على الذاكرة والهوية.

تتصاعد المخاوف الفلسطينية من تداعيات القرارات الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بإنشاء سلطة آثار تتبع للاحتلال في الضفة الغربية، في خطوة يرى مختصون أنها تهدد عمل الباحثين الفلسطينيين، وتفتح الباب أمام فرض رواية تاريخية أحادية على المواقع الأثرية المنتشرة في الأراضي المحتلة.

وتزخر فلسطين بإرث حضاري يمتد لآلاف السنين، إذ تعاقبت عليها حضارات وإمبراطوريات متعددة، بدءًا من الحقبة الكنعانية التي أسست مدنًا تعد من الأقدم في العالم مثل القدس وأريحا.

وفي ظل هذه المخاوف، يجري علماء آثار فلسطينيون أعمال التنقيب في بعض المواقع المكتشفة حديثًا بسرية تامة، خشية استيلاء سلطات الاحتلال عليها أو إخضاعها لتفسيرات تخدم الرواية الإسرائيلية.

وقال عالم آثار فلسطيني، فضل عدم الكشف عن هويته خلال مقابلة خاصة مع التلفزيون العربي خوفًا من الملاحقة، إن علماء الآثار الإسرائيليين "يوظفون المكتشفات الأثرية لخدمة فترات تاريخية محددة، ويتجاهلون حقبًا أخرى"، مؤكدًا أن الدراسات والأبحاث الأثرية تثبت أن أرض فلسطين كانت مأهولة بحضارات عديدة سبقت دخول بني إسرائيل إليها، وفي مقدمتها الحضارة الكنعانية.


السيطرة على المواقع الأثرية في الضفة


وتشير تقديرات فلسطينية إلى وجود نحو 7 آلاف موقع أثري في الضفة الغربية، يسيطر الاحتلال على أكثر من نصفها، إما لوقوعها داخل المناطق المصنفة "ج" أو بمحاذاتها.

وفي مواقع عدة، تحولت المعالم الأثرية إلى مناطق مغلقة أو ثكنات عسكرية، ففي موقع أثري شمال أريحا تمنع الأسوار واللافتات الوصول إليه، بينما تشهد بلدة سبسطية شمال غربي نابلس انتشارًا عسكريًا متكررًا خلال عمليات تنقيب إسرائيلية.

وقال رئيس الهيئة الإدارية للجمعية الفلسطينية للآثار، لؤي أبو السعود، إن المعالم الموجودة في سبسطية تتعرض لتفسيرات إسرائيلية تخالف الحقائق الأثرية.

وأوضح، في حديث للتلفزيون العربي، أن أحد المباني الرومانية المعروفة باسم "البازيليكا"، والتي كانت تستخدم للمحاكمات والصفقات التجارية واجتماعات المجلس البلدي، يجري تقديم أجزاء منها على أنها تعود إلى كنيس يهودي.

وأضاف أن وجود ما يسمى بـ"سلطة الآثار" الإسرائيلية في الضفة الغربية يعني أن الرواية التاريخية ستُكتب من منظور إسرائيلي فقط، الأمر الذي يؤدي إلى "تزوير التاريخ والأبحاث الأثرية عبر تفسيرات تخدم الرواية الإسرائيلية".


الاستيطان يهدد برك سليمان والمواقع التاريخية


وفي جنوب بيت لحم، تواجه برك سليمان التاريخية تحديات متزايدة بفعل التوسع الاستيطاني.

ففي الوقت الذي يستخدم فيه مستوطنون بعض البرك لأداء طقوس دينية، يحذر مختصون من تأثير المشاريع الاستيطانية على مصادر المياه التي تغذي هذه المعالم التاريخية.

وتعد البركة السفلى أقدم وأكبر برك سليمان الثلاث، إذ تستوعب نحو 120 ألف متر مكعب من المياه، غير أن التوسع الاستيطاني في الجبال المحيطة أدى إلى قطع مسارات المياه الطبيعية المغذية لها، ما يهدد بنيتها الهندسية بالتصدع والانهيار.

كما أن السيطرة الإسرائيلية على مواقع أثرية بارزة، مثل جبل هيروديون شرق بيت لحم، تعني عمليًا الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية وربطها بالمستوطنات المحيطة.

وقال المدير العام في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، وائل حمامرة، إن الاحتلال ينفذ أعمال ترميم وتأهيل في عدد من المواقع الأثرية بما يخدم المشروع الاستيطاني.

وأضاف، خلال حديثه للتلفزيون العربي، أن هذه المواقع تُحوّل إلى حدائق أثرية ومرافق مخصصة للمستوطنين، بما يعزز وجودهم في المناطق المحيطة.


الاستيلاء على الآثار يرقى إلى جريمة دولية


ويرى خبراء قانونيون أن الممارسات الإسرائيلية في المواقع الأثرية تتعارض مع قواعد القانون الدولي واتفاقيات حماية التراث الثقافي.

وأكد المستشار القانوني هاني زبيدات، أن عمليات التنقيب ونقل الآثار من الأراضي الواقعة تحت الاحتلال تمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي.

وأوضح للتلفزيون العربي، أن تشريعات واتفاقيات دولية اعتبرت الاستيلاء على المواقع الأثرية في الأراضي المحتلة جريمة دولية تستوجب المساءلة القانونية.

الاحتلال يضيّق الخناق على برك سليمان التاريخية في بيت لحم- غيتي
الاحتلال يضيّق الخناق على برك سليمان التاريخية في بيت لحم- غيتي

وتنص اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة على ضرورة صون الهوية التاريخية للمواقع الأثرية الواقعة تحت الاحتلال وعدم المساس بها.


وثائق البحر الميت.. صراع على تراث فلسطين


ويستشهد الفلسطينيون بقضية وثائق البحر الميت بوصفها أحد أبرز الأمثلة على الصراع حول الموروث الثقافي والتاريخي.

ففي كهوف خربة قمران قرب البحر الميت، عثر راعٍ فلسطيني عام 1947 على الوثائق التي تعد من أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين، وبعد احتلال المنطقة، نُقلت هذه الوثائق من المتحف الفلسطيني الأثري في القدس الشرقية إلى متحف إسرائيل في القدس الغربية.

وتؤكد مؤسسات فلسطينية أن ما يجري في المواقع الأثرية الفلسطينية يمثل "قرصنة ثقافية"، وعمليات استيلاء ممنهجة تستهدف طمس التعدد الحضاري الذي شهدته فلسطين عبر العصور، وتوظيف التراث التاريخي لخدمة سياسات السيطرة على الأرض والموارد.

تابع القراءة

المصادر

التلفزيون العربي
تغطية خاصة