لم يعد اليوم العالمي للتوعية بالتوحد في الثاني من أبريل كل عام مجرد مناسبة لإضاءة المباني باللون الأزرق أو تكرار تعريفات طبية باتت متاحة بلمسة زر على هواتفنا.
لقد تجاوز الخطاب الدولي محطة "التوعية" التقليدية، ليدخل في مرحلة الاستحقاق والحقوق.
واليوم، لم يعد السؤال فقط: هل يعرف الناس ما هو التوحّد؟ بل أصبح: هل يفهمون فعلًا ما يعنيه أن يعيش شخص ضمن هذا الطيف؟ وهل تغيّرت نظرتهم إليه من كونه "حالة تحتاج شرحًا" إلى كونه تجربة إنسانية تحتاج إلى بيئة أكثر عدلًا واحتواءً؟
وعلى الرغم من مرور عقود على إطلاق اليوم العالمي للتوحد، لا يزال الوعي المجتمعي في حالات كثيرة يقف عند القشور. لقد نجحت الحملات في نشر "المصطلح"، لكنها تعثرت في شرح "التجربة".
وتكمن المشكلة في أن التوعية السطحية اختزلت التوحد في صورتين متناقضين: إما العبقرية الخارقة أو الانعزال التام، وبينما يغرق المجتمع في هذه الصور النمطية، تضيع الحقائق اليومية لملايين الأشخاص على طيف التوحد.
وتسهم الثقافة العامة أحيانًا في ترسيخ هذا الاختزال بدل تفكيكه. فبعض الأعمال الدرامية، وبعض المحتوى المتداول على المنصات، وبعض التفسيرات السريعة، تعيد إنتاج صورة جاهزة يسهل تذكرها لكنها لا تعبّر عن الواقع إلا جزئيًا. ومع الوقت، تصبح هذه الصورة أقوى من المعرفة نفسها، فيظن الناس أنهم يفهمون، بينما هم في الحقيقة يكرّرون نموذجًا مبسّطًا ومريحًا ذهنيًا، لكنه غير كافٍ لفهم التجربة الفعلية.
إن الفجوة بين "معرفة الاسم" و"فهم المعاناة" هي التحدي الأكبر؛ فالمجتمع الذي يدعي الوعي قد لا يحتمل رؤية طفل ينهار حسيًّا في مركز تجاري، أو يرفض دمج طالب يمتلك مهارات أكاديمية لكنه يحتاج لترتيبات بيئية مختلفة.
واستهلك الخطاب الإعلامي لسنوات طويلة طاقة هائلة في استدرار "التعاطف"، وهو شعور نبيل لكنه غير منتج إذا لم يقترن بسياسات واقعية. إن الشخص ذي التوحد لا يبحث عن "الشفقة"، بل يبحث عن "بيئة تمكينية".
فالقبول الحقيقي لا يتجسد في الكلمات الرقيقة، بل في توفّر مدرسة مهيأة بمعلمين متخصصين، وفي سوق عمل يثمن القدرات المختلفة، وفي مرافق صحية ورياضية تحترم الخصوصية الحسية للأفراد.
ويقول الواقع إن التعاطف بلا خدمات هو نوع من التهميش الناعم؛ فعدم تهيئة الأماكن العامة والخاصة لاستقبال ذوي التوحد هو رسالة ضمنية بأنهم "غير مرحب بهم" إلا إذا استطاعوا تمثيل دور الأشخاص الطبيعيين.
وأحد أهم ملامح التغيير في فهمنا للتوحد هو التحول الجذري في "اللغة". وكان يُنظر قديمًا للتوحد كـ "حالة طبية طارئة" تحتاج دائمًا لشرح واعتذار من الأهل.
اليوم، يتجه العالم لرؤيته كجزء من الهوية والتنوع البشري. هذا التحول ليس تجميليًّا، بل هو إعادة صياغة للعلاقة بين الفرد والمجتمع؛ فاللغة الجديدة تتحدث عن "أشخاص لهم حقوق واحتياجات مختلفة"، وتضع المسؤولية على عاتق المجتمع لتقليل الوصمة وتوفير الدعم.
إن تقليل الوصمة يبدأ حين نتوقف عن اعتبار التوحد "عائقًا" ونبدأ في رؤيته "اختلافًا". عندما تتغير اللغة، تتغير بالتبعية النظرة المدرسية والمهنية؛ فيصبح دمج الشخص ذي التوحد في المدرسة أو العمل استثمارًا في تنوع المهارات وليس عبئًا قانونيًّا.