الأحد 6 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

من الجامعة إلى الوظيفة.. لماذا أصبحت سنوات الانتظار أطول؟

من الجامعة إلى الوظيفة.. لماذا أصبحت سنوات الانتظار أطول؟ محدث 12 أغسطس 2026

شارك القصة

قد يحصل الخريج على وظيفة بسرعة لكن في مجال بعيد عن تخصصه
قد يحصل الخريج على وظيفة بسرعة لكن في مجال بعيد عن تخصصه - غيتي
قد يحصل الخريج على وظيفة بسرعة لكن في مجال بعيد عن تخصصه - غيتي
الخط
بين آخر امتحان وأول وظيفة مستقرة قد تمتد مرحلة كاملة من إرسال السير الذاتية، والتدريب، والعمل المؤقت، والوظائف التي لا تشبه التخصص، ومحاولات اكتساب "خبرة".

كان التخرج، في المخيلة الاجتماعية على الأقل، يبدو كأنه نهاية مرحلة وبداية أخرى واضحة: تنتهي الدراسة، تبدأ الوظيفة، ثم يأتي الاستقلال المادي خطوة بعد أخرى.

اليوم لم يعد الانتقال بهذه البساطة. بين آخر امتحان وأول وظيفة مستقرة قد تمتد مرحلة كاملة من إرسال السير الذاتية، والتدريب، والعمل المؤقت، والوظائف التي لا تشبه التخصص، ومحاولات اكتساب "خبرة" يُطلب من الشاب أن يمتلكها قبل أن يحصل أصلًا على فرصته الأولى.

هذا لا يعني أن كل خريج ينتظر سنوات، ولا أن الدخول إلى سوق العمل كان سهلًا في الماضي. لكن المسار نفسه أصبح أقل خطية وأكثر تجزؤًا.

وتظهر بيانات منظمة العمل الدولية مفارقة لافتة: البطالة العالمية بين الشباب تراجعت في 2023 إلى أدنى مستوى لها منذ 15 عامًا، لكن التحسن لم يكن متساويًا، إذ بقيت البطالة بين الشباب مرتفعة بصورة حرجة في الدول العربية وشمال إفريقيا.

وتشير المنظمة إلى أن نحو واحد من كل ثلاثة شباب نشطين اقتصاديًا في هاتين المنطقتين عاطل عن العمل.

الشهادة لم تعد موعدًا تلقائيًا للعمل

وازداد عدد الشباب الذين يبقون في التعليم والتدريب في أنحاء واسعة من العالم، لكن الاقتصادات لم تتحول بالسرعة نفسها لخلق وظائف تستوعب هذا الارتفاع في المؤهلات.

وتقول منظمة العمل الدولية إن العائد من التعليم تراجع قليلًا منذ بداية الألفية مع بطء التحول الهيكلي للاقتصادات، في حين ارتفعت بمرور الوقت حصة الشباب الذين يعملون في وظائف أدنى من مستوى مؤهلاتهم.

لا يعني ذلك أن الجامعة فقدت قيمتها، وإنما أن الشهادة لم تعد وحدها ضمانة لمسار مهني مباشر. فحين يتخرج عدد أكبر من الشباب، بينما يظل عدد الوظائف الجيدة ذات المهارات المرتفعة محدودًا، تصبح المنافسة أطول، وترتفع كلفة العثور على "المطابقة" بين ما درسه الفرد وما يحتاج إليه سوق العمل.

الدخول إلى سوق العمل كان سهلًا في الماضي
الدخول إلى سوق العمل كان سهلًا في الماضي- غيتي
البطالة العالمية بين الشباب تراجعت في 2023 إلى أدنى مستوى لها منذ 15 عامًا - غيتي

هنا تبدأ سنوات الانتظار قبل أن تبدأ البطالة نفسها أحيانًا. فقد يحصل الخريج على وظيفة بسرعة، لكن في مجال بعيد عن تخصصه أو بمستوى أدنى من مؤهلاته، ثم يمضي وقتًا إضافيًا في البحث عن فرصة أقرب إلى ما درسه.

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن اثنين من كل ثلاثة عمال شباب بالغين في الاقتصادات النامية يحملون مؤهلات لا تتطابق جيدًا مع وظائفهم. 

المشكلة ليست في المهارات وحدها

وكثيرًا ما يُختصر النقاش في جملة واحدة: "الجامعات لا تعلّم ما يحتاج إليه السوق". في هذه العبارة جزء من المشكلة، لكنها لا تفسرها كلها.

منظمة العمل الدولية نفسها تقول إن أزمة البطالة في الدول العربية تعود أساسًا إلى ضعف خلق الوظائف، إلى جانب وجود فجوة حقيقية بين المهارات التي تحتاج إليها المؤسسات وما توفره أنظمة التعليم والتدريب. 

جزء مهم من المهارات التي يطلبها أصحاب العمل يُكتسب داخل العمل نفسه
جزء مهم من المهارات التي يطلبها أصحاب العمل يُكتسب داخل العمل نفسه- غيتي
جزء مهم من المهارات التي يطلبها أصحاب العمل يُكتسب داخل العمل نفسه - غيتي

والفارق مهم. فإذا كانت المشكلة مهارات فقط، يصبح الحل تدريب الشباب على مهارات جديدة. أما إذا كان الاقتصاد لا يخلق أصلًا عددًا كافيًا من الوظائف المنتجة والجيدة، فلن يحل التدريب وحده أزمة الانتقال من الجامعة إلى العمل.

وتُظهر صورة سوق العمل العربية هذه العقدة بوضوح. فقد ربط تقرير إقليمي لمنظمة العمل الدولية ارتفاع البطالة في المنطقة بعوامل تشمل تجزؤ أسواق العمل، والأزمات السياسية والاقتصادية، وضعف القطاع الخاص والضغوط الديموغرافية.

وفي توصيف أوسع للمنطقة، تشير المنظمة إلى أن خلق الوظائف تركز تاريخيًا بين قطاع عام كبير وقطاع خاص منخفض الإنتاجية والمهارة في أجزاء واسعة من الاقتصاد، وهي تركيبة لا توفر دائمًا ما يكفي من الفرص الملائمة لجيل أكثر تعليمًا. 

خبرة مطلوبة قبل الوظيفة الأولى

يواجه الداخل الجديد إلى السوق مفارقة أخرى: جزء مهم من المهارات التي يطلبها أصحاب العمل يُكتسب داخل العمل نفسه. وتوضح منظمة العمل الدولية أن مهارات التوظيف الأساسية تُكتسب في جانب منها بصورة غير رسمية عبر الخبرة والتدريب في مكان العمل، ما يضع الباحث عن وظيفته الأولى في موقع أضعف حين ينافس أشخاصًا يملكون خبرة سابقة.

لذلك تحولت مرحلة ما بعد الجامعة عند كثيرين إلى منطقة وسيطة: تدريب داخلي، عقد قصير، عمل حر، وظيفة مؤقتة أو تجربة أولى لا يراد منها الاستقرار بقدر ما يراد منها إضافة السطر الذي ينقص السيرة الذاتية.

ويشير تقرير منظمة العمل الدولية عن الشباب، إلى أن العمل المؤقت المدفوع أصبح يشكل نحو خُمس إلى ربع وظائف الشباب البالغين عالميًا، بينما تظل أشكال العمل غير الآمن الخيار المتاح لكثير من الشباب في الاقتصادات النامية. 

بهذا المعنى، لا تقاس "سنوات الانتظار" بعدد الأشهر التي يقضيها الشاب بلا عمل فقط. قد يكون يعمل طوال الوقت، لكنه لم يصل بعد إلى الوظيفة التي تمنحه دخلًا مستقرًا، أو مسارًا قابلًا للتطور، أو صلة حقيقية بما استثمر سنوات في دراسته.

حين تتأخر البداية تتأخر أشياء أخرى

والوظيفة الأولى ليست حدثًا مهنيًا معزولًا. الدخل المستقر هو الذي يسمح عادة بالانتقال إلى سكن مستقل، أو التخطيط لزواج، أو الاقتراض، أو الادخار، أو حتى اتخاذ قرار بالبقاء في البلد بدل البحث عن فرصة في الخارج.

عندما تصبح البداية المهنية متقطعة وغير مضمونة، تتأجل معها قرارات أخرى كان يُنظر إليها سابقًا بوصفها محطات طبيعية في العشرينيات.

تبدأ سنوات الانتظار قبل أن تبدأ البطالة نفسها أحيانًا
تبدأ سنوات الانتظار قبل أن تبدأ البطالة نفسها أحيانًا- غيتي
لا بد من جعل الطريق بين المعرفة والعمل أقل غموضًا - غيتي

من هنا جاءت فكرة "البدايات المؤجلة". المسألة ليست أن جيلًا كاملًا اختار أن يبدأ حياته متأخرًا، وإنما أن عددًا من الشروط التي كانت تجعل البداية ممكنة صار أصعب اجتماعها في وقت واحد: شهادة مناسبة، وظيفة متاحة، خبرة مقنعة، أجر يكفي، وإحساس بأن الوظيفة الحالية يمكن أن تصبح مسارًا لا محطة مؤقتة.

هل يمكن تقصير المسافة؟

ولا يوجد حل واحد لهذه الفجوة. لكن السياسات التي تبدو أكثر منطقية هي تلك التي تربط التعليم بسوق العمل من دون تحميل الجامعة وحدها مسؤولية خلق الوظائف.

وتضع منظمة العمل الدولية ضمن أدواتها في المنطقة تحسين استشراف المهارات المطلوبة، وإشراك أصحاب العمل والعمال في تصميم برامج التدريب، والتوسع في التدريب المهني والتعلم القائم على العمل والتلمذة المهنية، وتحسين خدمات التوظيف العامة. 

الفكرة هنا ليست تحويل كل طالب منذ عامه الأول إلى مشروع موظف، وإنما جعل الطريق بين المعرفة والعمل أقل غموضًا. فمن يعرف أثناء الدراسة شكل المهن التي يقترب منها، ويملك فرصة لتجربة العمل قبل التخرج، يدخل السوق بخبرة أولية وشبكة علاقات وفهم أكثر واقعية لما ينتظره.

وتبقى المشكلة الأكبر في النهاية خارج الجامعة: الاقتصاد نفسه. لا يمكن لمسار الانتقال أن يصبح قصيرًا إذا ظل عدد الباحثين عن فرصة جيدة أكبر من عدد الفرص التي تُخلق. لذلك، فإن اختصار سنوات الانتظار يحتاج إلى تعليم أقرب إلى العمل، لكنه يحتاج قبل ذلك وبعده إلى سوق قادر على خلق عمل يستحق الانتظار.

وربما لهذا تبدو الثلاثين اليوم، عند بعض الشباب، أقرب إلى العمر الذي تكتمل فيه البدايات التي كان يُتوقع سابقًا أن تحدث بعد التخرج مباشرة. لم تتأخر الحياة لأن الشباب نسوا كيف يبدأونها؛ لقد أصبح خط البداية نفسه أبعد.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من