السبت 11 أبريل / أبريل 2026

من الجغرافيا إلى الغاز: صراعات شرق المتوسط تتجدّد

من الجغرافيا إلى الغاز: صراعات شرق المتوسط تتجدّد محدث 19 يوليو 2025

شارك القصة

مشهد من منصة تنقيب في البحر الأبيض المتوسط، وسط اشتداد التنافس بين دول المنطقة على ثروات الغاز البحرية وإعادة ترسيم النفوذ الإقليمي
مشهد من منصة تنقيب في البحر الأبيض المتوسط، وسط اشتداد التنافس بين دول المنطقة على ثروات الغاز البحرية وإعادة ترسيم النفوذ الإقليمي - غيتي
مشهد من منصة تنقيب في البحر الأبيض المتوسط، وسط اشتداد التنافس بين دول المنطقة على ثروات الغاز البحرية وإعادة ترسيم النفوذ الإقليمي - غيتي
الخط
في ظل اكتشافات الغاز الهائلة، يتحوّل شرق المتوسط إلى ساحة صراع جديدة. كيف تعيد التحالفات البحرية ترسيم النفوذ؟ ومن يملك أوراق القوة في سباق الطاقة الإقليمي؟

في مطلع القرن الحادي والعشرين، أصدرت الهيئة الأميركية للطاقة تقريرًا جيولوجيًا يؤكد وجود كميات ضخمة من الغاز في شرق البحر المتوسط، قبالة السواحل الفلسطينية، والسورية، واللبنانية، والتركية، والمصرية، والليبية، وصولًا إلى المياه القريبة من قبرص واليونان. وهذه المناطق البحرية غير مرسّمة بالكامل، وقد أدى مجرّد صدور التقرير إلى إشعال صراع كبير بين هذه الدول، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الخلافات الإقليمية، في منطقة تعجّ أصلًا بالأزمات.

وتُقدَّر الموارد الكامنة في شرق المتوسط بأكثر من 80 تريليون قدم مكعب من الغاز، وهو ما يعادل نصف احتياطات روسيا تقريبًا، ويُضاعف احتياطات إيران. بكلمات أخرى، نحن أمام ثروة طاقوية ضخمة قادرة على إعادة تشكيل السوق العالمية للغاز.

سباق التنقيب والتحالفات المتضادة

مع تزايد المؤشرات على وجود الغاز، سارعت الدول الساحلية إلى اتخاذ خطوات عملية لضمان حصتها. بدأت تركيا بالتنقيب قبالة سواحلها في تحدٍّ واضح لكل من اليونان وقبرص الأوروبية، اللتين اعتبرتا أن أنقرة تتجاوز الحدود البحرية المتنازع عليها. بدورها، كثّفت إسرائيل من عمليات الحفر والاستخراج، كما فتحت مصر آبارًا جديدة، ووقّعت تركيا اتفاقًا مع حكومة الوفاق الليبية في طرابلس لتوسيع نفوذها البحري.

في المقابل، غابت فلسطين ولبنان وسوريا بدرجة كبيرة عن هذا المشهد، نتيجة انشغالها بصراعات داخلية حالت دون استثمارها في ثرواتها البحرية. وقد ملأ هذا الفراغ أطراف دولية، أبرزها روسيا التي تموضعت على الساحل السوري، وإسرائيل التي بدأت التنقيب قبالة شواطئ غزة، وهو ما يُمثّل اعتداءً إضافيًا على الحقوق الفلسطينية.

أطلقت تركيا على مناطقها البحرية اسم "الوطن الأزرق"، في إشارة رمزية إلى أن أي مساس بها يُعدّ اعتداءً على السيادة الوطنية. وردّت اليونان وقبرص بتكثيف مناوراتهما البحرية العسكرية[1]، واقترب التوتر من حافة الحرب، قبل أن تهدأ الأمور لاحقًا في تسوية مؤقتة تبدو غير قابلة للاستمرار طويلًا.

مناورة يونانية في ليبيا

في 6 يونيو/ حزيران 2025، زار وزير الخارجية اليوناني جورجوس جيراكيتيس ليبيا، حيث التقى اللواء خليفة حفتر من دون أن يجتمع بالحكومة المعترف بها دوليًا. هدفت الزيارة إلى مناقشة مسألتين رئيسيتين:

  1. ترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها مع تركيا، والتي بدأ البرلمان الليبي فعليًا مناقشتها.

  2. تصاعد تدفقات الهجرة غير النظامية.

وتكتسب هذه الزيارة دلالة استراتيجية[2]، بالنظر إلى تزامنها مع قرب تصويت البرلمان الليبي على اتفاقية الترسيم مع أنقرة، في وقت يسيطر فيه حفتر على شرق البلاد حيث يتمركز البرلمان. وكانت حكومة الوحدة الوطنية قد وقّعت اتفاقًا مع تركيا عام 2019، ثم منحتها في 2022 حق التنقيب والاستكشاف في الأراضي والمياه الليبية. وقد أثار هذا الاتفاق اعتراضًا شديدًا من اليونان، التي وصفته بأنه باطل[3]، وسارعت إلى توقيع اتفاق مضاد مع مصر لتوحيد مناطق التنقيب كخط مواجهة صريح مع التحالف التركي-الليبي.

وعلى الرغم من التقارب المصري-التركي مؤخرًا، سعت القاهرة إلى التواصل مع واشنطن للضغط على حفتر من أجل وقف التصويت البرلماني، في مسعى لكبح أي تمدد تركي إضافي في شرق المتوسط، خاصة إذا اقترن ذلك بتفاهمات تركية-سورية محتملة.

فرقاطة تابعة للبحرية اليونانية خلال مناورات بحرية في شرق المتوسط، تجسّد نوعية التمارين اليونانية قبالة السواحل الليبية - غيتي
فرقاطة تابعة للبحرية اليونانية خلال مناورات بحرية في شرق المتوسط، تجسّد نوعية التمارين اليونانية قبالة السواحل الليبية - غيتي

حدود تُرسّم بهدوء: تركيا وسوريا

لم يعد خافيًا حجم التقارب الجاري بين أنقرة ودمشق، وسط مؤشرات متزايدة على احتمال التوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين البلدين[4]. في موازاة ذلك، أنهى لبنان مفاوضاته مع إسرائيل حول ترسيم حدودهما البحرية، ما يخلق واقعًا قانونيًا وجغرافيًا جديدًا في المنطقة.

محرّكان جديدان للصراع

وسط هذه التفاعلات المتسارعة، تبرز مشكلتان تُعيدان إشعال الصراع على الطاقة في شرق المتوسط:

  1. تصديق البرلمان الليبي على الاتفاق التركي-الليبي، ما يمنحه غطاءً قانونيًا ويثير اعتراض الدول الأوروبية المشاطئة، وعلى رأسها اليونان وقبرص.

  2. احتمال ترسيم الحدود البحرية بين سوريا وتركيا، ما سيُعزّز موقفي البلدين في مواجهة التحالفات المنافسة، وخصوصًا اليونان وقبرص وإسرائيل.

هاتان الخطوتان كفيلتان بإعادة توتير المشهد، وربما إطلاق سباق جديد لترسيم النفوذ البحري.

خريطة الاصطفافات: منتدى الغاز والتحالف التركي

يمكن رسم معالم الصراع في شرق المتوسط من خلال طرفين رئيسيين:

1. منتدى غاز شرق المتوسط

تأسس عام 2019 ويضم مصر، واليونان، وقبرص، وإيطاليا، والأردن، وإسرائيل، وانضمت إليه لاحقًا الإمارات. يهدف إلى:

  • تنشيط سوق الغاز الإقليمية.

  • تعزيز التعاون في الاستكشاف والاستثمار.

  • تطوير البنية التحتية لتصدير الغاز إلى أوروبا.

وزراء ومسؤولون خلال مؤتمر منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF) - غيتي
وزراء ومسؤولون خلال مؤتمر منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF) - غيتي

2. التحالف التركي-الليبي ومحيطه

يقف في المقابل كل من تركيا، وليبيا، وقبرص التركية، وسوريا، ولبنان. وتُعدّ تركيا القوة المحورية في هذا المعسكر، وتسعى إلى:

  • توسيع نفوذها البحري باتفاقات ثنائية.

  • تطوير مشاريع الغاز الجديدة.

  • بناء شراكات استراتيجية مع دول الخليج.

عقد النزاع ومشاريع التعاون في شرق المتوسط

1. النزاع التركي-القبرصي: المياه المقسومة

يُعد النزاع بين تركيا وقبرص الأوروبية حول المناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ) من أكثر النقاط اشتعالًا في شرق المتوسط. ترفض تركيا ما تعتبره قبرص حقًا حصريًا لها في مياه قريبة من سواحل أنقرة، وتُصر على أن جمهورية شمال قبرص التركية (غير المعترف بها دوليًا) تملك حقوقًا موازية يجب احترامها.

وتقول تركيا إن قبرص الأوروبية لا يمكنها التمتع بمنطقة اقتصادية خالصة تبلغ 200 ميل بحري كاملة، خاصة إذا تجاهلت حقوق القبارصة الأتراك. وقد أدى هذا الخلاف إلى تصعيد التوترات، بما في ذلك:

  • تنفيذ البحرية التركية دوريات في المناطق المتنازع عليها.

  • قيام شركة النفط التركية (TPAO) بعمليات حفر استكشافية.

  • منع السفن الأجنبية من التنقيب، كالسفينة التابعة لشركة "إيني".

تؤكد تركيا أن القبارصة الأتراك لهم "حقوق لا يمكن إنكارها"، بينما ترد الحكومة القبرصية بأن أي مكاسب اقتصادية مستقبلية يجب أن تُقسم بين جميع سكان الجزيرة، ولكن فقط بعد التوصل إلى حل سياسي شامل. وقد عطّل هذا التوتر مشاريع تطوير حقول مثل "أفروديت" و"غلوكوس"، نظرًا لتردد المستثمرين الأجانب في دخول مناطق النزاع.

2. الاتفاق البحري بين إسرائيل ولبنان: هشاشة التفاهمات

في عام 2022، توسطت الولايات المتحدة لإبرام اتفاق بحري بين إسرائيل ولبنان، أتاح للبنان البدء باستكشاف الغاز في حقل قانا، مقابل احتفاظ إسرائيل بحقل كاريش. غير أن هذه الاتفاقية باتت مهددة بفعل التصعيد الإسرائيلي الأخير ضد حزب الله.

ففي ديسمبر/ كانون الأول 2024، دعا وزير الطاقة الإسرائيلي إلى إعادة التفاوض على الاتفاق، بذريعة أن هجمات حزب الله على الشمال الإسرائيلي تُبرر إعادة تقييم حقوق لبنان في البحر. وترافق ذلك مع:

  • تراجع الشركات الدولية، مثل "توتال إنرجيز"، عن التوسع في الحقول اللبنانية.

  • تعرض البنية التحتية البحرية الإسرائيلية لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ.

  • تعليق الإنتاج من حين لآخر في حقل كاريش.

هذا التدهور الأمني رفع الكلفة التشغيلية، وقلّص من فرص الاستثمار طويل الأمد في هذه الجغرافيا المتوترة.

منصة حفر بحرية لحقل لفياثان الإسرائيلي في البحر المتوسط، قرب الحدود المتنازع عليها مع لبنان - غيتي
منصة حفر بحرية لحقل لفياثان الإسرائيلي في البحر المتوسط، قرب الحدود المتنازع عليها مع لبنان - غيتي

3. حقل غزة مارين: كنز مؤجل

تم اكتشاف حقل غزة مارين في عام 2000 قبالة سواحل قطاع غزة، ويُقدَّر احتياطيه بـ1.1 تريليون قدم مكعب من الغاز، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات غزة والضفة الغربية لعقود. لكن الحقل ظل معطَّلًا لعدة أسباب:

  • السوق الفلسطينية صغيرة وغير جاذبة للاستثمار.

  • كلفة التطوير لا تقل عن 800 مليون دولار.

  • القيود الإسرائيلية على وصول الفلسطينيين إلى البحر.

  • اكتشاف إسرائيل لحقول أكبر جعلها غير مهتمة بالشراء من غزة.

  • اندلاع حرب غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ما جمد أي خطط للتنمية.

4. مشروع "إيست ميد": ثلاثي الطاقة

في مارس/ آذار 2019، وقّعت اليونان وقبرص وإسرائيل اتفاقًا حكوميًا في تل أبيب لإنشاء خط أنابيب "إيست ميد"، بحضور وزير الخارجية الأميركي آنذاك مايك بومبيو. يهدف الخط إلى:

  • نقل الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا.

  • تقليل اعتماد القارة العجوز على الغاز الروسي.

ورغم الدعم السياسي، تراجع الزخم بعد انسحاب واشنطن من المشروع عام 2022، لأسباب تتعلق بالجدوى الاقتصادية والبيئية والدبلوماسية.

5. إسرائيل ومصر: من التصدير إلى التسييل

في عام 2021، وقّعت إسرائيل ومصر اتفاقًا يقضي بعكس تدفق خطّي أنابيب كانا مخصصين لتصدير الغاز المصري شرقًا، ليُستخدمَا في نقل الغاز الإسرائيلي من حقلي "تمار" و"ليفياثان" إلى مصر، حيث يُسيّل في منشأتي إدكو ودمياط ويُصدّر إلى أوروبا. ويعمل الاتفاق منذ فبراير/ شباط 2022، وساهم في تأمين الإمدادات الشتوية للقارة الأوروبية.

6. اتفاقية مصر-قبرص: التسييل عبر دمياط

في فبراير/ شباط 2025، وقّعت مصر وقبرص اتفاقًا يتيح نقل الغاز القبرصي لمعالجته وتسييله في مصر، وتصديره لاحقًا إلى أوروبا، في مشروع يعزّز مكانة مصر كمركز إقليمي لتسييل الغاز.

7. الدور الأميركي: شراكة انتقائية

رغم تراجع واشنطن عن دعم مشروع "إيست ميد"، فإنها حافظت على شراكات طاقوية مع دول المنطقة، وقدّمت دعمًا تقنيًا ولوجستيًا لمشاريع بديلة. غير أن انسحابها من "إيست ميد" حمل رسائل واضحة: المشروع غير مجدٍ اقتصاديًا، ويفتقر للمقبولية البيئية، وقد يفاقم التوترات الدبلوماسية.

8. الطموح الروسي: بين أنابيب المتوسط وغازبروم

أبدت موسكو، عبر شركة "غازبروم"، اهتمامًا بأسواق شرق المتوسط، لكنها نظرت إلى تركيا شريكًا رئيسيًا في عبور الطاقة، خصوصًا عبر خط أنابيب "ترك ستريم". في المقابل، سعت روسيا إلى عرقلة مشاريع تمرير الغاز إلى أوروبا من المتوسط، خشية أن يشكّل ذلك تهديدًا لصادراتها.

غير أن تموضعها على السواحل السورية لم يُثمر كما توقعت، وتراجعت آمالها بالهيمنة على جزء من غاز المنطقة مع تفاقم الصراعات وتشظّي اللاعبين.

9. قطر: لاعب استراتيجي صاعد

عززت قطر موقعها في شرق المتوسط عبر استثماراتها في التنقيب البحري، لا سيما في لبنان. كما تسعى لتعميق شراكاتها مع مصر وتركيا، سعيًا للحفاظ على موقعها كمصدر رئيسي للغاز الطبيعي المسال عالميًا.

10. الإمارات: حضور بلا شواطئ

رغم عدم امتلاكها شواطئ على المتوسط، انضمت الإمارات إلى منتدى غاز شرق المتوسط، وتسعى عبره إلى:

  • تنويع مصادر الغاز بعيدًا عن الاعتماد على الغاز القطري.

  • مواجهة النفوذ التركي المتصاعد.

  • تعزيز تحالفها مع إسرائيل.

سيناريوهات الصراع المقبل: من ليبيا إلى سوريا

إذا صادق البرلمان الليبي على الاتفاقية مع تركيا

في حال أقدم البرلمان الليبي على تصديق اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة مع تركيا في أواخر عام 2024، فإن ذلك سيشكّل تحولًا استراتيجيًا في موازين النفوذ الإقليمي في شرق المتوسط، إذ يمنح التصديق أنقرة مظلة قانونية تُوسّع من نطاق نفوذها، من السواحل الليبية الغربية حتى الجرف القاري السوري.

من الناحية الاقتصادية، يفتح هذا التطور الباب أمام استثمارات ضخمة في عمليات التنقيب عن الغاز، خصوصًا في المناطق التي تُظهر مؤشرات جيولوجية واعدة. ورغم الرفض المتوقع من مصر واليونان وقبرص، فإن الشرعية القانونية ستُقلّل من احتمالات الطعن الدولي، وتُشجّع شركات الطاقة والتمويل على الانخراط في مشاريع التنقيب والاستثمار.

خريطة تُظهر المنطقة الاقتصادية الخالصة المشتركة المتوقعة بين تركيا وليبيا بموجب اتفاق الترسيم البحري، مع الإشارة إلى القواعد البحرية الإقليمية للدول الأخرى.
خريطة تُظهر المنطقة الاقتصادية الخالصة المشتركة المتوقعة بين تركيا وليبيا بموجب اتفاق الترسيم البحري، مع الإشارة إلى القواعد البحرية الإقليمية للدول الأخرى

ومن زاوية التمويل، قد يشهد المشهد دخول مستثمرين خليجيين، يسعون إلى تعزيز موطئ قدم لهم في سوق الغاز الأوروبية، في ظل تراجع الثقة بأسواق النفط التقليدية. كما قد تظهر فرص لبناء بنية تحتية مشتركة ـ بحرية وبرية ـ تشمل محطات تسييل، وموانئ لوجستية، ومنصات خدمات مساندة، ما يخلق فرص عمل جديدة في ليبيا وتركيا والدول المجاورة.

لكن هذا السيناريو لا يخلو من المخاطر. فمصادقة البرلمان الليبي قد تدفع اليونان وقبرص إلى استنفار تحالفاتهما الدفاعية، وشن مناورات عسكرية مشتركة، أو حتى اعتراض السفن التركية العاملة في مناطق النزاع. ومع أن احتمال اندلاع حرب شاملة يبدو مستبعدًا بسبب كلفته الاقتصادية الباهظة على الجميع، فإن سيناريو التصعيد العسكري يظل مطروحًا.

إذا تزامنت المصادقة مع اتفاق تركي-سوري

أما في حال ترافق تصديق البرلمان الليبي مع توقيع اتفاقية ترسيم حدود بحرية بين تركيا وسوريا، فسنكون أمام ولادة مشهد جيو-قانوني جديد كليًا. إذ ستتمكن تركيا من مواءمة مطالبها البحرية على امتداد الساحل من طرابلس إلى اللاذقية، ما يُعزّز موقفها التفاوضي ويجذب الاستثمارات الأوروبية والخليجية إلى مشاريع الغاز في هذه المناطق.

قد يشمل ذلك إنشاء خطوط أنابيب تربط الحقول الليبية والسورية بشبكات الغاز الأوروبية، وتطوير منشآت تسييل على الشواطئ، ضمن مظلة قانونية مزدوجة. لكن هذا التطور سيفاقم المخاوف لدى المعسكر المقابل (أثينا، نيقوسيا، القاهرة)، وربما يدفعه إلى التصعيد العسكري أو التهديدات البحرية.

في المقابل، قد يفضّل الاتحاد الأوروبي، ومعه الأمم المتحدة، إطلاق مبادرة شاملة لجمع كافة الأطراف على طاولة تفاوض. وإن نجحت الوساطة، قد يتحوّل شرق المتوسط إلى محور تنافسي لتصدير الغاز، لكن ذلك يظل رهن التوازنات الدقيقة والمعقدة.

إسرائيل في أضعف حالاتها

في هذا المشهد الجديد، قد تجد إسرائيل نفسها في موقع المتفرج العاجز، فالأزمة المفتوحة في غزة، التي ادّعت في بدايتها أنها "عملية خاطفة"، لا تزال مستمرة منذ قرابة عامين، وقد استنزفت قدراتها العسكرية والسياسية. كما أن تل أبيب تخوض في الوقت نفسه صراعًا محتدمًا مع إيران والقوى المحسوبة عليها، ما يحدّ من قدرتها على التصدي للتحركات التركية في البحر، أو عرقلة اتفاقياتها مع سوريا أو ليبيا.

سفينة دورية من البحرية الإسرائيلية في البحر الأبيض المتوسط - غيتي
سفينة دورية من البحرية الإسرائيلية في البحر الأبيض المتوسط - غيتي

ومع أن إسرائيل قد تحاول دعم قبرص واليونان في مواجهة المحور التركي، إلا أن أدواتها تبدو محدودة في المرحلة الراهنة.

ويأتي هذا التراجع الإسرائيلي في لحظة يتصاعد فيها تأثير المحور التركي إقليميًا، ما قد يعيد رسم توازنات الطاقة في المتوسط لعقود مقبلة

الغاز... عنوان الصراع الجديد

المشهد في شرق المتوسط ليس منفصلًا عن قلب الشرق الأوسط. بل هو امتداد طبيعي لصراع النفوذ في الإقليم، مع تغير عنوانه الرئيسي: من الجغرافيا إلى الغاز.

  • تركيا تريد خفض فاتورة طاقتها الباهظة (نحو 70 مليار دولار سنويًا) وتخفيف التضخم.

  • إسرائيل تسعى لتثبيت اتفاقاتها مع مصر والأردن، وتعزيز موقعها كمورّد إقليمي.

  • دول أوروبا تبحث عن استقلال طاقوي عن روسيا وتأمين الشتاء.

  • روسيا تحاول منع ولادة منافس جديد لها في سوق الغاز.

وسط هذه الحسابات المتشابكة، يظل شرق المتوسط ساحة مفتوحة لاحتمالات شتى، من التهدئة المشروطة إلى التوتر المزمن، وربما الاشتباك المؤجل.


المراجع

 

[1] "تاريخ طويل من الصراعات"، الجزيرة نت، 2020، الرابط.
[2] "للمزيد حول الزيارة"، يورونيوز، 6 يوليو/ تموز 2025، الرابط
[3] Greek Foreign Minister in Libya to Challenge Turkish Maritime Deal"، Tovima.com، 6 July 2025,link.
[4] "قد يغيّر خارطة الطاقة... تركيا تسعى وراء اتفاق بحري تاريخي مع سوريا"، ترك برس، يناير/ كانون الثاني 2025، الرابط.
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من