تزداد التحديات الصحية المرتبطة بالتغيّر المناخي في المنطقة العربية، من الإجهاد الحراري وأمراض القلب والكلى إلى حمى الضنك والكوليرا وسوء التغذية، فيما تضاعف النزاعات وندرة المياه وضعف الخدمات مخاطر تعرض الفئات الأكثر هشاشة للأمراض.
قد يصل عامل بناء إلى المستشفى مصابًا بالجفاف بعد ساعات تحت الشمس، فيما تتكاثر البعوضة الناقلة لحمى الضنك في خزان مياه مكشوف بمدينة أخرى. وبعد هطول أمطار غزيرة، يمكن أن تختلط مياه الشرب بالصرف الصحي، فترتفع احتمالات الإصابة بأمراض معوية.
وتبدو هذه الوقائع متباعدة، لكن ما يجمع بينها أن المناخ صار يؤثر في الظروف التي يظهر فيها المرض وينتشر ويصبح أكثر خطرًا. فالحرارة المرتفعة والجفاف والفيضانات لا تعمل بمعزل عن الفقر والنزاعات والتوسع العمراني وضعف البنية التحتية، وإنما تتفاعل معها لتزيد الأعباء الصحية على مجتمعات تواجه ضغوطًا متراكمة.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في المنطقة العربية، التي ترتفع فيها درجات الحرارة بوتيرة تعادل ضعف المتوسط العالمي، وفق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
وتؤكد المنظمة أن عام 2024 كان الأكثر حرارة في السجلات المناخية للمنطقة العربية، بمتوسط تجاوز المعدل المسجل بين عامي 1991 و2020 بنحو 1.08 درجة مئوية، فيما تضم المنطقة 15 من أكثر بلدان العالم معاناة من شح المياه.
عندما تتحول الحرارة إلى خطر صحي
يبدأ أثر الحرارة المرتفعة عندما يحاول الجسم المحافظة على درجة حرارته الطبيعية عبر التعرق وزيادة تدفق الدم إلى الجلد. ومع استمرار التعرض، يفقد سوائل وأملاحًا، ويزداد الضغط على القلب والدورة الدموية.
إذا تجاوزت الحرارة قدرة الجسم على التكيف، قد تظهر أعراض الإنهاك الحراري، مثل الدوخة والضعف والغثيان والصداع، وقد تتطور الحالة إلى جفاف شديد أو ضربة حر تهدد الحياة.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الإجهاد الحراري قد يفاقم أمراض القلب والسكري والربو، ويزيد الضغط على الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، فضلًا عن تأثيره في الصحة النفسية والقدرة على العمل.
كما قد يؤثر الجفاف الشديد أو المتكرر في وظائف الكلى، خصوصًا لدى من يعملون ساعات طويلة في الهواء الطلق من دون استراحات كافية أو مياه مناسبة.
ويتعرض لهذا الخطر بصورة أكبر عمال البناء والزراعة والنقل والتوصيل، إلى جانب كبار السن والأطفال والحوامل والأشخاص الذين يعانون مشكلات صحية سابقة.
ولا تحدد درجة الحرارة وحدها حجم الخطر؛ فالرطوبة المرتفعة تعيق تبخر العرق، وتقلل قدرة الجسم على تبريد نفسه. لذلك قد يكون العمل في مدينة ساحلية شديدة الرطوبة أكثر إنهاكًا مما توحي به قراءة ميزان الحرارة.
وتزداد المشكلة داخل الأحياء المكتظة التي تفتقر إلى الظل والمساحات الخضراء، إذ تمتص الأبنية والإسفلت الحرارة نهارًا وتحتفظ بها ليلًا، ما يضعف قدرة الجسم على التعافي، خصوصًا عند انقطاع الكهرباء أو تعذر استخدام وسائل التبريد.
كيف ترفع ندرة المياه احتمالات العدوى؟
في منطقة تعاني أصلًا شح الموارد المائية، يصبح نقص المياه خطرًا صحيًا قبل أن يكون مشكلة خدمية.
عندما تتراجع إمدادات المياه المأمونة، قد تلجأ الأسر إلى مصادر غير آمنة، أو تخزن المياه في أوعية مكشوفة، أو تقلل استخدامها للنظافة الشخصية وتنظيف الطعام والأدوات المنزلية.
تفتح هذه الظروف المجال أمام أمراض مرتبطة بتلوث المياه والغذاء، مثل الإسهال والكوليرا والتيفوئيد، وتزيد المخاطر على الأطفال والمرضى وسكان المناطق التي تعاني ضعف شبكات الصرف الصحي.
وتشير اليونيسف إلى أن 9 من كل 10 أطفال في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يعيشون في بلدان تعاني مستويات مرتفعة أو مرتفعة جدًا من الإجهاد المائي.
ولا يأتي الخطر من الجفاف وحده. فالفيضانات والأمطار الغزيرة قد تتلف شبكات المياه والصرف الصحي، وتؤدي إلى تلوث مصادر الشرب، لا سيما في المخيمات والأحياء الفقيرة والمناطق الخارجة من نزاعات.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الظواهر المناخية المتطرفة، ومنها الفيضانات والجفاف، تقلل الوصول إلى المياه النظيفة وتساعد على تهيئة الظروف الملائمة لتفشي الكوليرا.
لكن المناخ لا يفسر هذه التفشيات وحده. فالحروب والنزوح وتدهور البنية التحتية وضعف خدمات الصحة العامة تؤدي دورًا محوريًا، بينما يعمل الجفاف أو الفيضان على زيادة هشاشة الأوضاع القائمة.
لماذا تتغير خريطة حمى الضنك؟
تتأثر الأمراض التي تنقلها الحشرات بدرجات الحرارة والرطوبة والأمطار، لأن هذه العوامل تؤثر في تكاثر النواقل ومدى انتشارها وطول الفترة التي تنشط خلالها.
تمثل حمى الضنك أحد أبرز الأمثلة. ينقل الفيروس أساسًا بعوض الزاعجة، الذي قد يتكاثر في المياه الراكدة والأوعية والخزانات المنزلية غير المغطاة، خصوصًا في البيئات الحضرية.
عندما تتغير أنماط الأمطار أو ترتفع الحرارة ضمن نطاق مناسب لنشاط البعوض، قد تتوسع المساحات الملائمة لوجوده أو تطول مواسم تكاثره. وتزيد حركة السكان والتوسع العمراني وضعف مكافحة النواقل احتمالات انتقال العدوى.
وفي تقييم منشور عام 2023، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى تفشيات لحمى الضنك في بلدان من إقليم شرق المتوسط، بينها السودان والصومال واليمن، إضافة إلى تسجيل تفشيات في مصر وسلطنة عُمان والسعودية.
وربطت المنظمة الوضع بعوامل متداخلة، منها الأمطار غير المعتادة والنزوح وضعف البنية التحتية للمياه والصرف الصحي وتعطل الخدمات الصحية في بعض البلدان.
غير أن وجود البعوض لا يعني تلقائيًا وقوع تفش واسع؛ فانتقال المرض يتطلب تداخل عوامل عدة، تشمل وجود الفيروس وكثافة النواقل وظروف البيئة المحلية وسرعة الرصد والاستجابة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن بعض نواقل الأمراض وسعت نطاقها الجغرافي، وأن مواسم نشاطها أصبحت أطول في مناطق مختلفة من العالم.
ويشمل الاهتمام الصحي أيضًا أمراضًا أخرى تنقلها الحشرات، مثل الملاريا والليشمانيا. لكن أثر تغير المناخ يختلف من مرض إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى؛ إذ تتأثر النتائج كذلك بنوع الناقل وخصائص البيئة ومستوى الوقاية والخدمات الصحية.
الغبار والهواء الملوث يثقلان على الرئتين
وفي المدن العربية، قد يتداخل الغبار مع عوادم المركبات والانبعاثات الصناعية ودخان الحرائق، لتصبح نوعية الهواء نتيجة تراكم بين عوامل مناخية ومصادر تلوث بشرية.
ولا يتحمل السكان هذا التلوث بالتساوي. فالأطفال والمسنون ومرضى الجهاز التنفسي، إضافة إلى العاملين في الشوارع أو المواقع المكشوفة، أكثر عرضة لتأثيراته. كما أن البقاء داخل المنزل لا يوفر حماية كافية دائمًا، خصوصًا في الأبنية ضعيفة التهوية أو المساكن التي تعتمد على مصادر طاقة ملوثة أو تفتقر إلى وسائل تبريد مناسبة.
كيف يدخل الغذاء في المعادلة الصحية؟
حين تضرب موجات الحر والجفاف الأراضي الزراعية، أو تتبدل أنماط الأمطار، قد تتراجع إنتاجية بعض المحاصيل وتتأثر موارد الأسر التي تعتمد على الزراعة.
وتنتقل الآثار بعد ذلك إلى الأسواق والمنازل، عبر ارتفاع أسعار الغذاء أو انخفاض القدرة على الحصول على وجبات متنوعة، ما يزيد احتمالات سوء التغذية ونقص العناصر الأساسية، خصوصًا لدى الأطفال والحوامل.
وتشير اليونيسف في تقريرها الإقليمي إلى تقاطع الإجهاد المائي وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية في المنطقة، مع ارتفاع مستويات الهشاشة لدى أطفال في السودان واليمن وسوريا وفلسطين وجيبوتي.
وتصبح المشكلة أشد عندما يجتمع نقص الغذاء مع تكرار الإصابة بالإسهال أو محدودية الرعاية الصحية؛ إذ يضعف سوء التغذية قدرة الجسم على مقاومة العدوى، بينما تزيد العدوى تدهور الحالة الغذائية.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال انعدام الأمن الغذائي في تغير المناخ. فالنزاعات والحصار والفقر وارتفاع الأسعار وتعطل سلاسل الإمداد والسياسات الزراعية تؤثر جميعها في قدرة الأسر على الحصول على الغذاء.
غير أن الضغوط المناخية تزيد هشاشة المجتمعات المعرضة أصلًا لهذه الأزمات، وتعمق التفاوت في فرص الحفاظ على صحة جيدة.
لماذا تختلف المخاطر بين البلدان العربية؟
لا تتوزع آثار تغير المناخ بصورة متساوية بين دول الخليج وشمال إفريقيا والمشرق والقرن الإفريقي، ولا بين الأحياء المختلفة داخل البلد نفسه.
فالبلدان التي تملك شبكات كهرباء أكثر استقرارًا وخدمات صحية أفضل وأنظمة إنذار مبكر قد تكون أقدر على تقليل بعض الأضرار، لكن ذلك لا يعني اختفاء المخاطر عن العمال أو السكان الذين يعيشون في مساكن مكتظة.
في المقابل، تتضاعف الصعوبات في الدول التي تعاني نزاعات أو أزمات اقتصادية، حيث قد تتزامن موجات الحر مع انقطاع الكهرباء ونقص الأدوية وضعف إمدادات المياه وتراجع قدرة المستشفيات.
وتزداد المخاطر في المخيمات ومواقع النزوح، حيث يجتمع الاكتظاظ مع محدودية المياه والصرف الصحي وضعف التهوية، ما يجعل الحر والأمراض المعدية أكثر تهديدًا.
وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن الظواهر المناخية المتطرفة أثرت في نحو 3.8 ملايين شخص بالمنطقة العربية خلال عام 2024، وتسببت في أكثر من 300 وفاة، معظمها نتيجة موجات الحر والفيضانات.
وتحذر المنظمة من أن الكلفة البشرية والاقتصادية الفعلية قد تكون أكبر من الأرقام الموثقة، بسبب محدودية البيانات وصعوبة رصد جميع الآثار غير المباشرة.
هل تستطيع الأنظمة الصحية التكيف؟
تبدأ الاستجابة بالتعامل مع تغير المناخ باعتباره جزءًا من التخطيط الصحي، وليس قضية تخص وزارات البيئة وحدها. ويشمل ذلك تطوير أنظمة إنذار مبكر لموجات الحر، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتوفير مياه الشرب ومساحات الظل والتبريد، وتنظيم ساعات العمل في الأجواء شديدة الحرارة.
وتحتاج الدول أيضًا إلى تعزيز مراقبة الأمراض المنقولة بالنواقل، وتتبع انتشار البعوض، وتحسين سرعة الفحص والتبليغ، وربط البيانات الصحية بالمعلومات المناخية.
وفي ملف المياه، تمثل حماية شبكات الشرب والصرف الصحي، ومراقبة جودة المياه، وتغطية خزانات التخزين، والتدخل السريع بعد الفيضانات، إجراءات وقائية مباشرة.
كما يساعد التخطيط الحضري على تخفيف أثر الحرارة عبر زيادة المساحات الخضراء، وتحسين تهوية الأبنية، وتوفير الظل، واستخدام مواد تقلل احتفاظ الشوارع والمباني بالحرارة.
تقدّر منظمة الصحة العالمية أن تغير المناخ قد يسبب عالميًا نحو 250 ألف وفاة إضافية سنويًا بين عامي 2030 و2050، نتيجة سوء التغذية والملاريا والإسهال والإجهاد الحراري.
بالنسبة إلى العالم العربي، تتضح ملامح هذه المعادلة في المستشفيات والمخيمات والحقول وأماكن العمل. فخريطة المرض تتشكل عند تقاطع الحرارة مع المياه والغذاء والسكن والرعاية الصحية، وتكشف أن حماية الصحة العامة تمر أيضًا عبر الاستعداد لمناخ أكثر قسوة.