من الخجل إلى "دور العمر".. كيف صنعت ريهام عبد الغفور نجوميتها على مهل؟
في حوار مع الزميلة سلمى الدالي ضمن بودكاست "ميكروفون" على العربي بلس، عادت الممثلة المصرية إلى محطات من هذه الرحلة، من بدايات مرتبكة لم تكن تشعر خلالها بأنها حققت ما تريد، إلى أدوار غيّرت صورتها أمام الجمهور وجعلتها واحدة من أبرز وجوه الدراما المصرية المعاصرة، وصولًا إلى شخصية "نرجس" التي لا تتردد في وصفها بأنها "دور العمر".
وبين المحطتين، تتحدث عبد الغفور عن والدها أشرف عبد الغفور، وعن الفقد والعلاج النفسي، والنجاح المتأخر، والسوشيال ميديا، والتقدم في العمر، والعبء الذي يحمله اسم فني كبير.
من "زيزينيا" و"الملك لير" إلى "لا تطفئ الشمس" و"الرحلة" و"زي الشمس"، ثم "ظلم المصطبة" و"حكاية نرجس"، لا تستعيد عبد الغفور أعمالها باعتبارها قائمة نجاحات بقدر ما تنظر إليها كمراحل في اكتشاف نفسها. فالمرأة التي تقول اليوم إنها أصبحت أكثر ثقة هي نفسها التي دخلت المهنة وهي، بحسب وصفها، "مهزوزة جدًا"، ولا تعرف ما الشيء الذي تتميز فيه.
شاهد حلقة "ميكروفون" كاملة
من هي ريهام عبد الغفور؟
ريهام عبد الغفور ممثلة مصرية وابنة الفنان الراحل أشرف عبد الغفور. درست في كلية التجارة، قسم اللغة الإنجليزية، قبل أن تبدأ مسيرتها التمثيلية مطلع الألفية.
ظهرت في بداياتها في أعمال تلفزيونية من بينها "العائلة والناس" و"حديث الصباح والمساء" والجزء الثاني من "زيزينيا"، ثم انتقلت بين التلفزيون والسينما والمسرح، ومن أبرز تجاربها المسرحية "الملك لير" مع يحيى الفخراني.
لم تسلك مسيرتها طريقًا واحدًا. فعلى امتداد السنوات، تحركت بين أنواع شديدة الاختلاف من الشخصيات.
ظهرت في السينما في أفلام مثل "صاحب صاحبه" و"ملاكي إسكندرية" و"الخلية"، فيما أصبحت الدراما التلفزيونية لاحقًا المساحة الأوضح لتحولاتها كممثلة، خصوصًا عندما ابتعدت تدريجيًا عن صورة الفتاة الهادئة أو الرقيقة واتجهت إلى شخصيات أكثر تركيبًا وتناقضًا.
جاء عام 2026 ليحمل أكثر من علامة على المكان الذي وصلت إليه مسيرتها؛ فقد كُرمت في الدورة الخامسة عشرة لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، كما أعلن مهرجان هوليوود للفيلم العربي تكريمها بجائزة "عزيزة أمير"، بالتزامن مع الصدى الذي حققته شخصية "نرجس".
لكن هذه المسيرة، وفق روايتها الشخصية، لم تبدأ بإحساس مبكر بالنجاح.
"أنا بستخبى في الشخصيات"
تصف عبد الغفور نفسها قبل التمثيل بأنها كانت شديدة الخجل، حتى إنها كانت تخفي وجهها أحيانًا عندما يريد أحد تصويرها. لم تكن تحب أن تكون في مركز الاهتمام، ولم تكن ترى في نفسها هواية أو قدرة واضحة تستطيع القول إنها تميزها عن الآخرين.
ثم جاء التمثيل بالصدفة، بحسب روايتها، إذ تصفه بالعلاج النفسي، وتقول إنها اكتشفت عبره الشيء الذي تحبه فعلًا بعدما كانت تشعر بأن الآخرين يملكون هوايات أو قدرات واضحة بينما لا تجد لنفسها شيئًا مشابهًا.
"التمثيل في حد ذاته كان زي علاج نفسي بالنسبة لي".
المفارقة أن الكاميرا التي كان يفترض أن تزيد خجلها أصبحت الوسيلة التي تتخلص بها منه. وتختصر ذلك بعبارة ربما تفسر جانبًا كبيرًا من تجربتها: "أنا بستخبى في الشخصيات".
داخل موقع التصوير تستطيع أن تفعل ما لا تستطيع فعله بشخصيتها الحقيقية؛ فالشخصية تمنحها غطاءً يسمح لها بإظهار انفعالات وطاقات لا تجد طريقها إلى الخارج بسهولة في حياتها اليومية.
عشر سنوات قبل أن تشعر بالنجاح
لم يتحوّل اكتشاف ما تحبه سريعًا إلى شعور بالنجاح. تروي عبد الغفور أنها أمضت نحو عشر سنوات تعمل وتحاول من دون أن تشعر بأنها حققت ما تبحث عنه.
"أنا قعدت 10 سنين مش ناجحة.. وأحاول وأحاول، بس أنا مش بحب أستسلم".
لا تستخدم عبد الغفور كلمة الفشل هنا بمعناها الحرفي بقدر ما تتحدث عن إحساس بـ"عدم التميز".
فقد كانت تظهر بالفعل في مسلسلات وأفلام معروفة، لكن ذلك لم يكن كافيًا كي تتصالح مع صورتها عن نفسها.
باختصار، لم تكن تشعر بأنها مميزة في شيء.
بدأ ذلك يتغير عندما راحت تحصل على اعتراف أكبر بأدوار معينة، وعندما بدأت ترى أنها قادرة على الوصول إلى مناطق لم تكن تتصورها في نفسها.
لهذا لا تحمل مرارة تجاه النجاح الذي جاء على مهل. على العكس، ترى أن التأخر أجبرها على العمل أكثر: لو جاء الاعتراف مبكرًا، تقول، لربما لم تكن ستشتغل على نفسها بالقدر نفسه، وربما لم تكن قادرة لاحقًا على تقديم الشخصيات التي تفخر بها بالطريقة نفسها.
يحيى الفخراني.. "المدرسة التي تعلمت فيها"
لم تدرس ريهام عبد الغفور التمثيل أكاديميًا، لذلك حين طُلب منها أن تختصر يحيى الفخراني في كلمة واحدة، لم تختر "النجم" أو "الأستاذ". قالت: "المدرسة اللي أنا اتعلمت فيها".
عملت معه في أكثر من تجربة، لكن المسرح كان الأكثر أثرًا.
في "الملك لير" كانت تشاهده يستحضر الإحساس نفسه أمام الجمهور ليلة بعد أخرى، من دون أن يتحول التكرار إلى أداء آلي.
"لو درست، فأنا ما درستش، بس دخلت مدرسة دكتور يحيى الفخراني".
أما "زيزينيا"، فترتبط في ذاكرتها بلحظة مختلفة: هناك بدأت تستمتع بالتمثيل. كانت تؤدي دورًا سبق أن لعبته منى زكي في الجزء الأول، والممثلة الشابة التي كانت تعتبر زكي نموذجًا لها دخلت التجربة وهي تشعر بمسؤولية كبيرة.
تروي أيضًا أن الكاتب أسامة أنور عكاشة لم يكن راغبًا في اختيارها في البداية، ثم أخبرها خلال العمل بأنه كان مخطئًا.
نرجس.. الشخصية التي تسميها "دور العمر"
تقول: "هو دور عمري".
لا تصف الشخصية باعتبارها بريئة. نرجس ارتكبت جريمة، وعبد الغفور واضحة في إدانة ما فعلته.
الذي أثار اهتمامها هو المنطقة الواقعة بين الجاني والضحية؛ كيف يمكن لإنسان تعرض طويلًا للقهر والإهانة والعنف أن يتحول بدوره إلى مصدر أذى؟
تنظر إلى الشخصية من الداخل بدل إصدار حكم عليها من الخارج. بالنسبة إليها، لا يستطيع الممثل أن يؤدي شخصية مركبة إذا بدأ من كراهيتها. عليه أن يفهم كيف وصلت إلى قراراتها، وأين ظل الجانب الإنساني موجودًا فيها رغم أفعالها.
استخدمت عبد الغفور مقاربة مشابهة سابقًا في "زي الشمس"، حين أدت شخصية ارتكبت أخطاء كبيرة من دون أن تقدمها كشريرة مسطحة.
ما تبحث عنه هو أن يخرج المشاهد بمشاعر متناقضة: قد يدين الشخصية، لكنه يفهم شيئًا من الطريق الذي أوصلها إلى هناك.
الصدى الذي حققته "نرجس" رافقه تكريم رسمي في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية في مارس/ آذار 2026، حيث تسلمت عبد الغفور درعًا تقديرًا لأدائها وأهدته إلى والدها الراحل.
وفاة أشرف عبد الغفور.. حين دخل الفقد إلى التمثيل
في ديسمبر/ كانون الأول 2023، توفي أشرف عبد الغفور عن 81 عامًا إثر حادث سير. كان والدها بالنسبة إليها أكثر من فنان سبقها إلى المهنة، وهو ما يظهر في الطريقة التي تتحدث بها عن المرحلة التي أعقبت وفاته.
وفي "ميكروفون"، تتحدث عن مرحلة الفقد بدرجة كبيرة من الصراحة.
لا تكتفي بوصف الحزن، فقد كان هناك غضب أيضًا، وتقول إنها تدرك الآن أنها ربما أخرجت جانبًا من ذلك الغضب على زوجها وأولادها، وحمّلتهم توقعات تفوق قدرتهم على التعامل مع حالتها.
خرجت من التجربة باستنتاج عن التوقعات نفسها: ليس كل إنسان قادرًا على إعطاء ما نعطيه نحن، وما يبدو قليلًا بالنسبة إلى شخص قد يكون أقصى ما يستطيع الشخص الآخر تقديمه.
تكشف أيضًا أنها طلبت مساعدة نفسية خلال هذه المرحلة، وتقول:
"عدّى عليا دكاترة نفسيين، وعدّى عليا أدوية، وعدّى عليا حاجات كتير".
لم تناسبها الأدوية بحسب روايتها، فلجأت لاحقًا إلى تجارب أخرى شعرت بأنها ساعدتها أكثر.
الغريب أن وفاة والدها هزت حتى ثقتها المهنية. لم يكن أشرف عبد الغفور من يلقنها أدوارها أو يدير عملها، لكنها شعرت بعد رحيله بأنها قد لا تعرف كيف تمثل من جديد.
لهذا أصبح "ظلم المصطبة" أكثر من مجرد دور بالنسبة إليها. كان أول عمل يُعرض لها بعد وفاة والدها، وقد دخلته وهي تشعر بأنها فقدت جزءًا من الثبات الذي كانت تعرفه عن نفسها. كما أنّ اختيار العمل مع المخرج هاني خليفة منحها، كما تقول، نوعًا من الأمان؛ لأنها كانت تعرف أنه لن يمرر مشهدًا لا يقتنع به.
نجاح المسلسل وتفاعل الجمهور مع دورها ساهما لاحقًا في إعادة شيء من ثقتها المهنية. ثم جاء الاعتراف بجائزة أفضل ممثلة دراما من مهرجان المركز الكاثوليكي المصري للسينما عن الدور نفسه في 2026.
مهرجان الدراما في 2023 كان من آخر المناسبات العامة التي ظهر فيها ريهام وأشرف عبد الغفور معًا - اليوم السابع
اسم الأب.. أمان ومسؤولية
لا تتعامل عبد الغفور مع كونها ابنة فنان معروف باعتباره تفصيلًا محايدًا في مسيرتها. كان اسم أشرف عبد الغفور، كما تقول، حماية وأمانًا، لكنه كان في الوقت نفسه مسؤولية.
تستعيد سنوات كان فيها وصف "أبناء العاملين" يُطرح في الوسط الفني كأنه اتهام جاهز، وتقول إنها شعرت منذ البداية بأنها مطالبة بالدفاع عن حقها في الوجود، وألا تمنح أحدًا فرصة القول إنها استمرت بسبب والدها لا بسبب ما تقدمه.
بقي معها أيضًا شعور آخر: المحافظة على تاريخ الأب وسمعته. لذلك لا تنكر ما منحه الاسم لها، لكنها تضع إلى جواره عبء إثبات الذات.
ترفض في الوقت نفسه مسابقات المقارنة بين أبناء الفنانين: من يستحق ومن لا يستحق؟ ومن الأفضل؟ فحتى عندما تكون المقارنة لمصلحتها، ترى أنها تنتج توترات لا ضرورة لها بين زملاء قد يكونون جميعًا موهوبين، ويبقى لكل متفرج تفضيله.
تختصر رأيها ببساطة: "المقارنات دمها تقيل".
"الشهرة باكدج".. لكن العائلة لم تخترها
تعترف بأن السوشيال ميديا أتاحت للفنان معرفة آراء الناس والتفاعل معهم بصورة لم تكن ممكنة سابقًا، لكنها فتحت في المقابل مساحة واسعة للتطاول والإيذاء. والمشكلة بالنسبة إلى شخصيتها، كما تقول، أنها شديدة التأثر بمشاعر المحيطين بها، حتى إنها تصف نفسها بأنها "زي الإسفنجة".
كانت في البداية تميل إلى الرد، ثم اكتشفت أن الرد لا يغلق النقاش دائمًا، وقد يزيده أحيانًا. لذلك تعلمت أن "مش كل حاجة تستاهل الرد".
تختلف المسألة حين ينتقل الهجوم من عملها أو شكلها إلى أولادها أو عائلتها. تقول إنها اختارت بنفسها مهنة تأتي معها الشهرة والنقد، ولذلك تقبل ثمنها:
"التمثيل والشهرة والحاجات دي باكدج.. فأنا باخد حاجات كويسة منها، فأوكي هستحمل الحاجات اللي مش كويسة منها".
لكن أبناءها، في نظرها، لم يختاروا تلك "الباكدج"، وبالتالي لا ترى سببًا لأن يدفعوا ثمن شهرة أمهم.
التجاعيد التي لم ترها حتى أشار الآخرون إليها
لا يتوقف ضغط الجمهور عند تقييم الأداء، إذ يصل إلى شكل الممثلة وعمرها. تقول عبد الغفور إنها لم تكن منشغلة بتجاعيد وجهها أصلًا إلى أن بدأت تقرأ تعليقات تسأل لماذا تغير شكلها أو لماذا بدت أكبر سنًا.
"أنا ما كنتش بشوف حاجة خالص لغاية لما الناس كتبت لي".
تقول إنها لا تربط قيمتها الإنسانية بشكلها، وإنها تفضل أن يظهر عليها العمر بصورة حقيقية على أن يصبح وجهها غير قادر على التعبير.
جرّبت البوتوكس والفيلر أكثر من مرة، بحسب حديثها، لكنها لم ترتح إلى الإحساس بالجمود في الوجه، خصوصًا لأن القدرة على تحريك ملامحها جزء من أداتها كممثلة.
من "نرجس" إلى "برشامة".. لماذا صارت المهمة التالية أصعب؟
العمل الذي ظهر بعد "حكاية نرجس" أخذ ريهام عبد الغفور إلى مكان مختلف تمامًا. في "برشامة" انتقلت من عالم نفسي قاتم إلى الكوميديا، وسط مجموعة تضم هشام ماجد وباسم سمرة وحاتم صلاح ومصطفى غريب وعارفة عبد الرسول، ومن إخراج خالد دياب.
تقول إنها دخلت التجربة وهي قلقة؛ فالكوميديا في نظرها أصعب من الدراما، وكانت تعمل مع ممثلين يملكون خبرة واضحة في هذا اللون. سرعان ما تحول التصوير، بحسب وصفها، إلى واحدة من أكثر تجاربها خفة ومتعة.
حقق الفيلم بدوره نجاحًا تجاريًا كبيرًا؛ إذ أنهى عرضه السينمائي بعد نحو 80 يومًا بإيرادات بلغت نحو 204 ملايين جنيه مصري، محتلاً المركز الثاني في قائمة الأفلام الأعلى إيرادًا في تاريخ شباك التذاكر المصري وفق الأرقام المنشورة آنذاك.
لاحقًا انتقل الجدل حول الفيلم إلى البرلمان بعد بيان من حزب النور انتقد محتواه.
عبد الغفور لم تبد في الحوار استعدادًا لتغيير خياراتها استجابة لكل اعتراض. موقفها أن العمل الفني لا يمكن أن يرضي جميع الأذواق، وأنها لا تقبل الدور أصلًا إلا بعدما تكون مقتنعة به.
تصف ريهام عبد الغفور تصوير فيلم "برشامة" بأنه من أكثر التجارب الممتعة والخالية من الضغط التي مرت بها
أما الشخصية المقبلة، فهنا تصبح الإجابة أصعب.
تقول إن "نرجس" رفعت سقف ما تبحث عنه؛ كانت شخصية مليئة بالطبقات والمشاعر المتناقضة، ولذلك لم يعد النص الجيد وحده كافيًا.
تريد شيئًا "مختلفًا"، لكنها لا تعرف مسبقًا ما هو.
لا تحلم بشخصية تاريخية بعينها، ولا ترغب أصلًا في تجسيد الشخصيات الحقيقية المعروفة. كما أنها لا تملك قائمة بأنواع الأدوار التي لم تقدمها بعد.
ما تنتظره هو الشخصية التي تستفز الممثلة داخلها كي تقول: هذه لم أفعلها من قبل.
بين المرحلتين، لم يتحول الخجل تمامًا إلى جرأة، ولم تختفِ المخاوف أو الحساسية تجاه الآخرين.
ما تغير هو أن ريهام عبد الغفور وجدت مكانًا تستطيع أن تستخدم فيه كل ذلك.
إنها، كما تقول، ما زالت "تستخبى في الشخصيات".
لكن هذا الاختباء نفسه هو الذي جعل الجمهور يراها.