انطلق البرنامج النووي الإيراني بدعمٍ مباشر من الولايات المتحدة، في مفارقة تاريخية تعود اليوم إلى الواجهة، بينما تترقّب المنطقة نتائج المحادثات بين طهران وواشنطن، وسط إصرار إيراني على حصر أي تفاوض بالملف النووي دون سواه.
لكن كيف تطوّر الطموح النووي الإيراني؟ ولماذا يبدو العالم اليوم أمام لحظة فاصلة: إما اتفاق جديد… أو الحرب.
جذور البرنامج النووي الإيراني
البرنامج النووي الإيراني هو في الأصل مشروع لامتلاك الطاقة النووية السلمية، تعود فكرته إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
عام 1957، انضمت إيران إلى المبادرة الأميركية المعروفة باسم "الذرة من أجل السلام"، في إطار نقل التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية. وعند هذه النقطة تحديدًا، بدأ الارتباط الأميركي المباشر بالبرنامج النووي الإيراني.
وفي عام 1968، وقّعت إيران على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بصفتها دولة غير نووية، متعهدة بعدم السعي لامتلاك السلاح النووي، مع الاحتفاظ بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
مرحلة الشاه وبناء الطموح النووي
خلال سبعينيات القرن الماضي، وتحديدًا في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، دخل البرنامج النووي مرحلة أكثر طموحًا. فقد دشن الشاه مشروع الطاقة النووية ضمن رؤيته لما كان يسميه "الحضارة الإيرانية الكبرى".
في سياق الحرب الباردة، عرضت الولايات المتحدة بناء عدة مفاعلات نووية في إيران، إلا أن الكلفة المرتفعة دفعت الشاه إلى تفضيل العروض الأوروبية.
وفي عام 1974، بدأ بناء مفاعل بوشهر بالتعاون مع شركة ألمانية، لكن هذا المسار تعرّض لانتكاسة كبرى بعد الثورة الإسلامية عام 1979، إذ انسحبت الشركات الغربية وتباطأ العمل في المشروع.
في تسعينيات القرن الماضي، أعادت إيران إحياء برنامجها النووي، لكن بعقلية مختلفة، فقد دخلت في شراكة مع روسيا لإعادة بناء وتشغيل مفاعل بوشهر، بالتوازي مع تطوير مسارات حساسة شملت تخصيب اليورانيوم وتنقية الماء الثقيل.
وعام 2002، كشفت المعارضة الإيرانية عن منشأتي نطنز لتخصيب اليورانيوم وأراك لإنتاج الماء الثقيل، ما أدخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الخط.
وطالبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتعليق التخصيب والسماح بتفتيش موسّع، وهو ما قاد إلى أول تفاهم بين إيران والترويكا الأوروبية عام 2003، المعروف بـاتفاق "سعد آباد"، الذي نص على تعليق طوعي للتخصيب مقابل عدم إحالة الملف إلى مجلس الأمن.
غير أن الاتفاق لم يصمد طويلًا، ففي 2005 استأنفت إيران عمليات التخصيب، ومع تصاعد الضغوط الدولية، أعادت هندسة برنامجها النووي، وكان أبرز خطواتها بناء منشأة فوردو داخل جبل، والتي كُشف عنها رسميًا عام 2009.
وعام 2010 شهد تصعيدًا غير مسبوق، مع الهجوم السيبراني "ستاكس نت" الذي عطّل أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز، بالتوازي مع سلسلة اغتيالات استهدفت علماء نوويين، وتشديد العقوبات الاقتصادية.
وفي 2015، توصلت إيران إلى الاتفاق النووي مع مجموعة 5+1، الذي قيّد مستويات التخصيب ووسّع نطاق الرقابة الدولية، مقابل رفع العقوبات.
الانسحاب الأميركي والعودة إلى نقطة الصفر
عام 2018، انسحبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق النووي، بالتزامن مع إعلان الموساد الإسرائيلي سرقة الأرشيف النووي الإيراني.
تدريجيًا، بدأت طهران التخلي عن التزاماتها، وصولًا إلى عام 2020، حين أعلنت أنها لم تعد ملتزمة بأي سقف للاتفاق.
ثم جاء عام 2025، حيث اندلعت حرب الاثني عشر يومًا، تلتها ضربات أميركية استهدفت منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، في خضم مفاوضات غير مباشرة، لتعيد الملف النووي إلى ذروة الغموض بشأن حجم الأضرار ومستقبل البرنامج.
اليوم، تدخل إيران أي مسار تفاوضي من بوابة الملف النووي حصرًا، متمسكة بحقها في التخصيب، في حين تتجاوز شروط إدارة ترمب الخطوط الحمراء الإيرانية بمراحل.