اختار رشيد طه لفرقته اسم وثيقة يحملها المهاجر في جيبه: "بطاقة إقامة". ثم غنّى "فرنسا الحلوة" بصوت جزائري، وأعاد إلى المسارح أغنية تخاطب المسافر وتحذّره من تعب الرحيل. بين هذه الاختيارات، تتضح ملامح مشروع جعل الهجرة حاضرة في الكلمات والألحان، وفي الطريقة التي تقف بها الموسيقى الجزائرية إلى جانب الروك والبانك.
في 12 سبتمبر/ أيلول 2026، تمرّ ثماني سنوات على رحيل الفنان الذي توفي عن 59 عامًا، إثر أزمة قلبية في منزله بضاحية لي ليلا قرب باريس، خلال ليلة 11 إلى 12 سبتمبر 2018، قبل أيام من عيد ميلاده الستين.
اشتهر عربيًا بأغنية "يا رايح"، غير أن هذه الشهرة تختصر جانبًا من تجربة أوسع: فنان نشأ بين ثقافتين، وحوّل ما سمعه في البيت والشارع وأماكن العمل إلى لغة موسيقية خاصة.
كيف فعل ذلك، وما الذي أضافه إلى الأغاني التي أعاد تقديمها؟
من سيق إلى فرنسا.. ذاكرة البيت وصخب المدينة
وُلد رشيد طه في 18 سبتمبر/ أيلول 1958 في سيق غربي الجزائر، وانتقل مع عائلته إلى فرنسا وهو طفل. هناك عرف مبكرًا حياة الأسر العاملة، وعمل بنفسه في المصانع قبل أن تصبح الموسيقى مهنته الأساسية.
حمل معه الأغاني الجزائرية التي سمعها في طفولته، ثم اكتشف في فرنسا ألوانًا أخرى، من الروك والبانك إلى السول والفانك. تداخلت هذه المؤثرات في تجربته، بالتوازي مع أسئلة يومية عن العمل والعنصرية والمكان الذي يستطيع المهاجر أن يعدّه بيته.
من هنا يصعب حصره في صفة "مطرب راي". فقد كان الراي الجزائري أحد منابع صوته، إلى جانب الشعبي الجزائري والموسيقى العربية والغيتارات الكهربائية والإيقاعات الإلكترونية. ولعلّ هذا التعدد هو ما أعطى أغانيه شخصيتها، وجعل الانتقال بين الأنواع جزءًا من عمله.
"بطاقة إقامة".. حين يصبح اسم الفرقة موقفًا
في مطلع الثمانينيات، شارك طه في تأسيس فرقة "كارت دو سيجور"، أو "بطاقة إقامة"، في منطقة ليون. جمع الاسم بين حياة أصحاب الفرقة اليومية والسؤال السياسي المحيط بهم: من يُعامل بوصفه ابنًا للبلد، ومن يبقى مطالبًا بإثبات حقه في البقاء؟
قدّمت الفرقة موسيقى تمزج الروك بإيقاعات وتأثيرات مغاربية، في زمن كان أبناء المهاجرين يطالبون فيه بمكان أوسع داخل المجتمع الفرنسي. صار حضور طه على المسرح، وغناؤه بالعربية والفرنسية، جزءًا من هذا النقاش، من دون أن تُختزل أغانيه في شعاراته.
تساعد هذه البداية على فهم ما سيأتي لاحقًا. كان يختبر قدرته على الجمع بين موسيقى نشأ عليها وأخرى اختارها بنفسه، وعلى مخاطبة جمهور يتجاوز حدود الجالية التي جاء منها.
فرقة "بطاقة إقامة" في باريس عام 1987؛ اسم حمل سؤال المهاجر عن مكانه - غيتي
"فرنسا الحلوة".. الكلمات نفسها والمعنى يتغيّر
بلغ هذا المسار إحدى أبرز محطاته حين أعادت الفرقة تقديم أغنية شارل ترينيه "Douce France"، أو "فرنسا الحلوة"، التي اشتهرت نسختها الجديدة عام 1986.
تغنّي الأغنية الأصلية للوطن وذكريات الطفولة. لكن أداءها بصوت طه، وبالمعالجة الموسيقية لفرقة اسمها "بطاقة إقامة"، منحها معنى إضافيًا: هل تشمل هذه الذاكرة الفرنسية أبناء المهاجرين أيضًا؟ وهل يتسع الحنين إلى البلد للاعتراض على العنصرية فيه؟
حملت النسخة الجديدة إمكانات متعددة للقراءة؛ أمكن سماعها تعبيرًا عن الانتماء، أو مفارقة تكشف المسافة بين صورة فرنسا وتجربة بعض سكانها. وقد تناولت دراسة عن الفرقة وعلاقتها بالحركات المناهضة للعنصرية هذا التوتر، وكيف استُخدمت موسيقاها في الخطاب السياسي الفرنسي.
وصلت الأغنية إلى البرلمان، حيث وزّع جاك لانغ نسخًا منها على النواب في سياق الجدل حول الجنسية، فأصبحت إعادة أداء أغنية مألوفة تدخلًا في سؤال عام: من يملك الحق في قول "بلدي"؟
المسيرة الفردية.. توسيع التجربة
مع انتقاله إلى العمل الفردي، أصدر طه ألبوم "باربيس" في مطلع التسعينيات، حاملًا اسم الحي الباريسي المرتبط بحضور المهاجرين، ولا سيما القادمين من شمال إفريقيا. ثم توالت أعماله، ومنها ألبومه الذي حمل اسمه عام 1993 و"أولي أولي" عام 1995.
أصبح المنتج وعازف الغيتار البريطاني ستيف هيلاج شريكًا بارزًا في تطوير هذه التجربة، التي اتسعت فيها مساحة الإيقاعات الإلكترونية والرقص، مع بقاء الغناء العربي والآلات والتأثيرات الجزائرية في صلبها.
تُسمع خصوصية طه في هذا الاحتكاك بين العناصر: صوت خشن، وإيقاع يدعو إلى الحركة، وأغانٍ تحمل الغربة أو الغضب أو السخرية. لذلك استطاعت موسيقاه أن تكون راقصة، حتى حين تناولت تجارب صعبة.
"يا رايح".. الغربة التي وجدت جمهورًا جديدًا
كانت "يا رايح" أشهر مثال على قدرته على منح الأغنية حياة أخرى. الأغنية من التراث الشعبي الجزائري، كتبها ولحّنها وغنّاها دحمان الحراشي، وتحمل تأملًا في الرحيل وتعب الغربة والعودة وخيبات الأمل.
قدّم طه نسخته من "يا رايح" في ألبومه الصادر عام 1993، ثم اتسع نجاحها مع إصدارها منفردة عام 1997 ضمن مجموعة "كارت بلانش"، قبل إدراجها في "ديوان" عام 1998.
احتفظت الأغنية بمعناها الحزين، فيما منحها توزيع طه حيوية جعلتها قادرة على الوصول إلى جمهور جديد. نشأت هنا مفارقتها اللافتة: أغنية عن مشقة السفر يرقص عليها الناس، ويستعيد فيها المهاجرون شيئًا من ذاكرتهم، فيما يلتقط مستمعون آخرون قوتها من اللحن والصوت.
في 26 سبتمبر/ أيلول 1998، اجتمع طه مع الشاب خالد وفضيل في قاعة بيرسي بباريس، في حفل "1، 2، 3 سولاي". ضمّ البرنامج أغاني من مسيرات الفنانين الثلاثة وأعمالًا جزائرية معروفة، بينها "عبد القادر" و"يا رايح".
جمع الحفل أصواتًا وتجارب متمايزة على مسرح واحد، وأظهر حجم الجمهور الذي باتت الموسيقى الجزائرية قادرة على الوصول إليه. كما ثبّت ارتباط طه لدى جمهور عربي واسع بخالد وفضيل، مع احتفاظه بمسار أقرب إلى تجارب الروك ومزج الأنواع.
"روك القصبة".. أغنية بريطانية تعود بالعربية
في عام 2004، أصدر طه "Rock El Casbah" ضمن ألبوم "تيكيتوا"، مقدّمًا معالجة عربية لأغنية فرقة "ذا كلاش" البريطانية الشهيرة.
تُظهر هذه المحطة اتجاهًا آخر في عمله. فبعد إعادة تقديم أغنيات جزائرية بتوزيعات معاصرة، تناول أغنية من تراث الروك، وأدخلها إلى عالمه الصوتي واللغوي. صارت العربية لغة تؤدي الروك وتعيد تشكيله.
ينبغي هنا التمييز بين إصدار الأغنية عام 2004 وبين تعاوناته اللاحقة مع ميك جونز، أحد مؤسسي "ذا كلاش". ففي ألبوم "زووم" الصادر عام 2013، شارك جونز وبراين إينو ضمن ضيوف العمل، الذي تولّى إنتاجه جاستن آدامز.
تكشف هذه اللقاءات عن طبيعة مشروعه: كان يستدعي الموسيقى التي يحبها إلى أغانيه، ويترك لكل تعاون أن يفتح احتمالًا جديدًا، من دون الالتزام بحدود نوع واحد.
"أنا إفريقي".. انتماء يتسع للمزيد
استمرت الحكاية بعد رحيله. ففي عام 2019 صدر ألبومه "Je suis Africain"، أو "أنا إفريقي"، الذي أنجزه بالتعاون مع توما فيترمان. أعاد العمل جمع عدد من ملامح تجربته: الغناء بلغات متعددة، والإيقاع الراقص، والتأثيرات العربية والإفريقية والروك.
يمكن قراءة عنوانه امتدادًا لذلك المسار. فبعد اسم "بطاقة إقامة"، الذي يستحضر وثيقة تحدّد وضع صاحبها، يأتي "أنا إفريقي" ليفتح مساحة انتماء أوسع من العلاقة الثنائية بين الجزائر وفرنسا.
-
في "فرنسا الحلوة" أعاد طرح سؤال من ينتمي إلى البلد.
-
في "يا رايح" منح الغربة جمهورًا جديدًا.
-
وفي "روك القصبة" جعل العربية جزءًا من ذاكرة الروك.
تلك هي خصوصية تجربته: جذور واضحة، وموسيقى تتحرك باستمرار.