يُقال إن إضحاك الجمهور أصعب من دفعه إلى البكاء. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن كثيرين يستطيعون أداء دور البطل الحزين، فيما يظل إضحاك الآخرين مهمة أكثر تعقيدًا.
والضحك في المجتمع المصري أصيل، لا سيما أن المصريين معروفون بخفة دمهم و"قفشاتهم" في العالم العربي.
لكن ماذا عن علاقة هذا الميل الشعبي بالكوميديا السينمائية؟ وكيف تغيّرت معايير الضحك لدى الجمهور العربي عمومًا، والمصري خصوصًا؟
من الريحاني والكسار إلى إسماعيل ياسين
يُعد الراحلان علي الكسار ونجيب الريحاني من أبرز نجوم الكوميديا في مصر، ولا سيما في مطلع القرن الماضي. وكان الريحاني قد تناول مشكلات مصر الاجتماعية من خلال شخصيات ساخرة، مثل "كشكش بيه"، التي حققت نجاحًا كبيرًا في زمانها.
وبفضل علي الكسار، استطاع الممثل الكوميدي الأشهر إسماعيل ياسين دخول عالم السينما، بعدما أُسند إليه دور في أحد أفلامه، أخرجه توجو مزراحي بعد عودته من دراسة السينما في أوروبا.
بعد تقديمه مجموعة كبيرة من الأفلام الكوميدية، بدأ حضور إسماعيل ياسين يتراجع في الستينيات، بالتزامن مع صعود فؤاد المهندس وعادل إمام، اللذين يصح وصفهما باثنين من أبرز عرّابي السينما الكوميدية المصرية.
في تلك المرحلة أيضًا، وبينما اعتمدت بعض الأفلام الكوميدية على نجم واحد، استندت أخرى إلى مجموعة من الممثلين. واستمر هذا المسار حتى ظهور "ثلاثي أضواء المسرح"، الذي جمع جورج سيدهم والضيف أحمد وسمير غانم.
وبعد وفاة الضيف أحمد، واصل سمير غانم تقديم الكوميديا في السينما والمسرح.
ولعب المسرح دور الانطلاقة الرئيسية للممثلين الكوميديين المصريين، لأنه يقيس مباشرة ردة فعل الجمهور على "الإيفيهات" والقفشات والموضوعات المطروحة. ولعل هذا ما يفسر بقاء أعمال كثير من الكوميديين القادمين من المسرح في ذاكرة الجمهور أكثر من أعمال أخرى حققت نجاحًا تجاريًا عابرًا.
إلى ذلك، حققت الأفلام التي مزجت الكوميديا بالدراما أو السياسة نجاحًا لافتًا، ولعل عادل إمام كان الأبرز في تحقيق هذه المعادلة، رغم الانتقادات التي طالت بعض أفلامه بدعوى "الإسفاف".
أما في ما يتعلق بحضور المرأة في الكوميديا المصرية، فقد حاولت ممثلات عديدات إثبات أنفسهن في هذا المجال، من بينهن سهير البابلي، وإسعاد يونس، وعبلة كامل، وياسمين عبد العزيز، ودنيا سمير غانم، وإيمي سمير غانم.
وبينما قطعت بعضهن شوطًا مهمًا، لم يتحول هذا الحضور إلى مدرسة فنية نسائية مستقلة بالمعنى الكامل.
شعب ساخر و"غلبان"
تمهيد مبكر ثم تنوع في الأذواق
يمكن، عند تتبع البدايات، الحديث عن أسماء لم تحظَ بشهرة واسعة مثل أمين عطا الله، وعن الإنتاج المبكر للكوميديا على يد محمود بيومي، من خلال فيلمه قليل الشهرة "الباشكاتب"، ومن قبله "برسوم يبحث عن وظيفة".
ورغم أن هذين الفيلمين القصيرين لا يملكان حضورًا واسعًا في الذاكرة العامة، فإنهما أسهما مبكرًا في تغذية هذا المسار.
وشهدت الثلاثينيات والأربعينيات حضور نجيب الريحاني وعلي الكسار، اللذين يمكن اعتبارهـما نموذجين أصليين للشخصيات الكوميدية في مصر.
كما شهدت تلك المرحلة تنوعًا في الأذواق، إذ اختلف جمهور علي الكسار عن جمهور نجيب الريحاني، كما اختلف عن جمهور يوسف وهبي.
ومع الوقت، بدأ تلامذة الريحاني يظهرون في الستينيات، ومن بينهم فؤاد المهندس، الذي تحول لاحقًا إلى نجم كبير.
وفي هذا السياق، برز أيضًا توظيف الكوميديا السوداء في السينما المصرية، إذ صارت الكوميديا أداة لنقد المجتمع بلطف، في محاولة للإصلاح لا للسخرية المجانية.
فطين عبد الوهاب والكوميديا
يُعد المخرج المصري فطين عبد الوهاب من أبرز من قدموا أعمالًا كوميدية في السينما المصرية.
تنوعت أعماله بين التأليف والإخراج حتى بلغت 65 فيلمًا، من بينها 25 فيلمًا تعاون فيها مع الكوميديان الراحل إسماعيل ياسين.
وجسد فطين عبد الوهاب في هذه الأعمال رؤيته للواقع بسخرية، وأدرك أن المجتمع لا يمكن أن يحقق أهدافه إلا إذا حصل الجميع على حقوقهم، وفي مقدمتهم المرأة، التي حرص على منحها مساحة واضحة في أفلامه.
ويصف البعض حياة عبد الوهاب بأنها كانت تراجيدية، على عكس الأعمال التي قدمها، ولعلّه كان يبحث فيها عن استقرار لم يتحقق في حياته الشخصية، رغم زيجاته الأربع، ومن بينها زواجه من تحية كاريوكا وليلى مراد، التي أنجب منها ابنه الفنان زكي فطين عبد الوهاب.
كما بدت أفلام فطين عبد الوهاب مهمة من الناحية الثقافية والتاريخية، خصوصًا تلك التي ظهر فيها إسماعيل ياسين جنديًا وبحارًا وطيارًا في مختلف فروع المؤسسة العسكرية المصرية.
وقدّمت هذه الأعمال سخرية من المؤسسة، لكن بطريقة لا تحمل طابعًا ثوريًا أو معارضًا مباشرًا، إذ كانت تعتمد على قصة جندي بسيط يخوض معركة مع كبار ضباطه والإدارة الوسطى للجيش.
كان طريقة لفهم الواقع، والالتفاف على قسوته، وتحويل أزماته إلى حكايات قابلة للاحتمال.