الأربعاء 22 يوليو / يوليو 2026
Close

من الصيد إلى البلاستيك.. كيف تغيّرت علاقة المدن العربية بالبحر؟

من الصيد إلى البلاستيك.. كيف تغيّرت علاقة المدن العربية بالبحر؟

شارك القصة

Golden hour at the fishing harbor
في المرافئ الشعبية، ما زال البحر يحتفظ بملامح علاقته القديمة مع المدن العربية، رغم تغيّر الساحل وضغط العمران والنفايات.
في المرافئ الشعبية، ما زال البحر يحتفظ بملامح علاقته القديمة مع المدن العربية، رغم تغيّر الساحل وضغط العمران والنفايات.
الخط
من مرافئ الصيد إلى النفايات البلاستيكية، تغيّرت علاقة المدن العربية بالبحر وتحول الساحل إلى مرآة لأزمات العمران والاستهلاك.
لم يكن البحر في المدن العربية الساحلية مجرد منظر جميل. كان مصدر رزق، وطريق سفر، وسوقًا مفتوحًا، وذاكرة يومية لعائلات عاشت طويلًا على إيقاع الموج والمرافئ وقوارب الصيد.

لم يكن البحر في المدن العربية الساحلية مجرد منظر جميل. كان مصدر رزق، وطريق سفر، وسوقًا مفتوحًا، وذاكرة يومية لعائلات عاشت طويلًا على إيقاع الموج والمرافئ وقوارب الصيد.

من الإسكندرية إلى طنجة، ومن صور وصيدا وغزة إلى جدة وعدن ومسقط، تشكّلت علاقة قديمة بين المدينة والبحر. كان الصياد يعرف مواسم السمك، والسوق يعرف موعد عودة القوارب، والناس يعرفون أن البحر جزء من حياتهم لا من صورتهم فقط.

لكن هذه العلاقة تغيّرت.

فالمدينة التي كانت تأخذ من البحر رزقها، صارت ترمي فيه جزءًا من أزماتها. ومع الوقت، لم يعد الشاطئ يحمل قوارب الصيد وحدها، وإنما صار يحمل أيضًا أثر الاستهلاك السريع: أكياسًا، عبوات، نفايات، وبلاستيكًا يعود مع الموج.


حين كان البحر مهنة يومية


طويلًا، عاش الصيادون في قلب العلاقة بين المدن العربية والبحر.

لم تكن مهنة الصيد تفصيلًا هامشيًا، وإنما جزءًا من اقتصاد شعبي كامل.

حول القارب الواحد كان هناك من يصلح الشباك، ومن يبيع السمك، ومن ينقله إلى الأسواق، ومن ينتظر آخر النهار ليشتري ما تبقّى بسعر أقل.

في مدن كثيرة، كان المرفأ أكثر من مكان لرسو القوارب. كان مساحة لقاء، وذاكرة عمل، ونقطة تبدأ منها حركة النهار.

ومن هناك، دخل البحر إلى البيوت عبر الطعام والحكايات واللغة والعادات.


البحر في حياة المدينة.png

الساحل يتحول إلى واجهة

مع اتساع المدن، تغيّر معنى القرب من البحر. لم يعد الساحل مرتبطًا بالصيد والمرافئ الشعبية فقط، فقد صار أيضًا مساحة للاستثمار والسياحة والمقاهي والمطاعم والمشاريع العقارية.

هذا التحوّل أعاد البحر إلى الحياة اليومية لكثير من السكان. صار الكورنيش مكانًا للمشي، والواجهة البحرية مساحة للجلوس واللقاء، والشاطئ متنفسًا في مدن مزدحمة. لكنه في المقابل ضيّق أحيانًا على المهن القديمة، وجعل الوصول إلى البحر أكثر كلفة في بعض الأماكن.

هكذا تبدّل موقع البحر في المدينة. كان مصدر عيش مباشر، ثم صار واجهة تُسوّق بها المدينة نفسها. وبين الصورتين، تراجع حضور الصياد التقليدي، وصعد حضور المستهلك والزائر والمستثمر.

كيف تغيرت العلاقة

 


البلاستيك الذي يكشف أزمة المدينة


لا يبدأ البلاستيك قصته من البحر. يبدأ من المدينة: كيس يُستخدم لدقائق، علبة طعام، زجاجة ماء، سوق مزدحم، شارع بلا حاويات كافية، أو مجرى تصريف يحمل النفايات بعد المطر.

البحر هنا لا يصنع المشكلة، وإنما يكشفها. ما لا تجمعه المدينة ولا تفرزه ولا تعالجه، يجد طريقه في النهاية إلى الشاطئ. وحين تعود الأمواج بالنفايات، يبدو البحر كأنه يعيد للمدينة ما حاولت أن تنساه.

بالنسبة إلى الصيادين، يظهر هذا التحوّل بسرعة. الشباك التي كانت تحمل السمك، تحمل أحيانًا نفايات وبلاستيكًا. والوقت الذي كان يُصرف في الصيد، يُصرف جزء منه في تنظيف الشباك أو البحث عن مناطق أقل تلوثًا.

لا يمكن تحميل البلاستيك وحده كل مشكلات البحر. هناك الصيد الجائر، والتلوث، والردميات، والتوسع العمراني، وتغير حرارة المياه. لكن البلاستيك يبقى العلامة الأوضح، لأنه مرئي ومباشر ويصل إلى الناس من دون شرح طويل.


أين يبدأ الحل؟

ليست المشكلة في الشاطئ وحده.
تنظيف الرمل مفيد، لكنه لا يكفي إذا بقيت النفايات تصل من الشوارع والأسواق والمجاري والمطاعم والمكبات. الحل يبدأ قبل أن يصل البلاستيك إلى الماء.
تحتاج المدن الساحلية إلى إدارة مختلفة لعلاقتها بالبحر: تقليل البلاستيك أحادي الاستخدام، تحسين جمع النفايات، حماية الشواطئ العامة، دعم الصيادين، مراقبة المصارف، والتعامل مع البحر كجزء من المدينة لا كحافة بعيدة عنها.

 
البحر في حياة المدينة.png

علاقة تحتاج إلى ترميم


تغيّرت علاقة المدن العربية بالبحر، لكنها لم تنقطع. ما زال البحر حاضرًا في الذاكرة والمشي والأسواق والصيد والصور اليومية.

غير أن حضوره لم يعد بريئًا كما كان. صار يكشف ما تفعله المدينة بنفسها: كيف تستهلك، كيف ترمي، كيف تبني، وكيف تنسى أن ما يُلقى بعيدًا لا يختفي.

من الصيد إلى البلاستيك، لا يروي البحر قصة بيئية فقط. يروي قصة مدينة تغيّرت علاقتها بمصدر حياتها الأول. والسؤال اليوم لم يعد كيف نستفيد من البحر، وإنما كيف نعيد إليه شيئًا من الاحترام الذي كان يملكه في حياة الناس.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي