احتاج ليونيل ميسي إلى 47 ثانية فقط حتى تنتهي مباراته الأولى مع منتخب الأرجنتين.
في 17 أغسطس/ آب 2005، دخل الفتى البالغ 18 عامًا بديلًا أمام المجر في بودابست، تسلّم الكرة وحاول الإفلات من فيلموش فانتساك الذي أمسك بقميصه، قبل أن يرفع ميسي ذراعه في الاحتكاك بينهما. أشهر الحكم البطاقة الحمراء، وغادر اللاعب الذي كانت الأرجنتين تنتظر رؤيته الملعب بعد أقل من دقيقة على دخوله.
بعد 21 عامًا، انتهت الرحلة بصورة معاكسة تمامًا.
لم يعد ميسي الفتى الذي خرج مطرودًا قبل أن يبدأ تقريبًا، بل اللاعب الأكثر مشاركة والأكثر تسجيلًا في تاريخ منتخب بلاده:
وفي 31 أغسطس/ آب 2026، أعلن صاحب الـ39 عامًا أن رحلته الدولية وصلت إلى نهايتها.
بين هاتين الصورتين، لم تكن قصة ميسي مع الأرجنتين خطًا مستقيمًا من الموهبة إلى المجد. بل احتاج أفضل لاعب في جيله إلى سنوات طويلة حتى يصبح في بلاده ما كانه مبكرًا في برشلونة. خسر النهائيات، وتحمّل المقارنة بدييغو مارادونا، ووصل مرة إلى حد إعلان الاعتزال، ثم عاد ليقود المنتخب إلى الفترة الأكثر نجاحًا في مسيرته.
فكيف تحولت بداية استمرت ثواني إلى واحدة من أطول وأعقد العلاقات بين لاعب ومنتخب بلاده؟
47 ثانية.. بداية ميسي لم تشبه ما سيأتي
كانت المفارقة أكبر لأن ميسي وصل إلى المنتخب الأول بعدما بدأ بالفعل بصناعة اسمه مع الأرجنتين.
فقبل نحو شهر ونصف من مباراة المجر، قاد منتخب بلاده للفوز بكأس العالم للشباب تحت 20 عامًا في هولندا، وسجل ستة أهداف، بينها هدفا الفوز على نيجيريا في النهائي، وحصل على جائزتي أفضل لاعب وهداف البطولة.
لذلك لم تكن مشاركته الأولى مع المنتخب الأول تجربة للاعب مجهول.
انتهت مباراة ميسي الأولى مع الأرجنتين بعد 47 ثانية - غيتي
لم تكن البطاقة الحمراء نذيرًا بما سيحدث في مسيرته، لكنها تبدو بعد عقدين افتتاحية غريبة لقصة ستصل إلى 207 مباريات.
فاللاعب الذي لم يستطع إكمال دقيقة في ظهوره الأول أصبح الآن أكثر من ارتدى قميص المنتخب الأرجنتيني.
موهبة برشلونة.. وسؤال الأرجنتين
سرعان ما أصبح موقع ميسي في كرة القدم العالمية أكبر من أن يكون محل نقاش. المشكلة كانت في المسافة بين نجاحه مع ناديه وما ينتظره منه بلده.
مع برشلونة، كان يفوز بالألقاب ويحطم الأرقام ويجمع الكرات الذهبية. أما مع الأرجنتين، فكانت البطولات الكبرى تترك وراءها سؤالًا يتكرر:
لماذا لا يستطيع ميسي أن يفعل مع المنتخب ما يفعله مع ناديه؟
زاد وجود دييغو مارادونا ثقل السؤال. ففي بلد بقي فيه مونديال 1986 النموذج الأعلى للبطولة التي يحمل فيها الرقم 10 منتخبًا بأكمله إلى اللقب، لم تكن المقارنة قابلة للتجنب.
ولم يكن المطلوب من ميسي أن يكون لاعبًا عظيمًا فقط، بل أن يمنح الأرجنتين كأس العالم التي غابت منذ زمن مارادونا.
وجاءت بطولات كأس العالم واحدة تلو الأخرى من دون أن يتحقق ذلك. فخرجت الأرجنتين من ربع النهائي في 2006 و2010، ثم اقترب ميسي أكثر من أي وقت مضى في البرازيل عام 2014.
أمتار قليلة عن الكأس
في 13 يوليو/ تموز 2014، لعبت الأرجنتين أمام ألمانيا في نهائي كأس العالم على ملعب ماراكانا. بقيت المباراة بلا أهداف حتى الوقت الإضافي، قبل أن يسجل ماريو غوتزه هدف ألمانيا الوحيد.
ولم تتوقف الخسارات عند المونديال. ففي العام التالي، وصلت الأرجنتين إلى نهائي كوبا أميركا وخسرت أمام تشيلي بركلات الترجيح. ثم تكرر المشهد في 2016، وفي النهائي نفسه تقريبًا: تشيلي مجددًا، ركلات ترجيح مجددًا، وهزيمة أرجنتينية جديدة.
هذه المرة، حدث شيء لم يكن متوقعًا.
ميسي: "انتهى الأمر بالنسبة إلي"
بعد خسارة نهائي كوبا أميركا المئوية في 2016، أعلن ميسي اعتزاله الدولي.
كان في التاسعة والعشرين، أي في العمر الذي يُفترض أن يكون فيه في قلب سنواته الدولية، لكنه خرج من نهائي رابع كبير خسره مع المنتخب الأول.
جاء قرار اعتزال ميسي في 2016 بعد خسارة أربعة نهائيات كبرى مع منتخب الأرجنتين - غيتي
ففي مونديال روسيا 2018، خرجت الأرجنتين من دور الـ16 أمام فرنسا، وبدا أن السنوات المتاحة أمامه للفوز بلقب كبير بدأت تنفد.
لكن العودة التي بدت آنذاك محاولة أخرى انتهت إلى تغيير القصة كلها.
ماراكانا مرة أخرى.. ولكن بصورة مختلفة
في 2021، عاد ميسي إلى المكان نفسه الذي خسر فيه نهائي كأس العالم قبل سبع سنوات: ملعب ماراكانا. هذه المرة كانت البرازيل هي الخصم في نهائي كوبا أميركا.
سجل أنخيل دي ماريا هدف المباراة الوحيد، وفازت الأرجنتين 1-0. وبعد سنوات من النهائيات الخاسرة، رفع ميسي أول لقب كبير له مع المنتخب الأول.
كان أثر البطولة أكبر من إضافة كأس إلى سجله.
فللمرة الأولى، فقد السؤال الذي طارده سنوات كثيرًا من معناه: هل يستطيع ميسي الفوز مع الأرجنتين؟
ثم جاءت "فيناليسيما" أمام إيطاليا في 2022، لكن الامتحان الذي ظل يحدد علاقته بالمنتخب كان ينتظره في قطر.
الكأس التي غيّرت القصة
بدأ مونديال 2022 بأسوأ طريقة ممكنة تقريبًا، بهزيمة الأرجنتين أمام السعودية 1-2. لكن المنتخب لم يخسر بعد ذلك.
سجل ميسي أمام المكسيك وأستراليا وهولندا وكرواتيا، ثم سجل مرتين في النهائي أمام فرنسا. وبعد مباراة انتهت 3-3 وحُسمت بركلات الترجيح، رفع كأس العالم في لوسيل.
وبعدها بعامين، أضاف المنتخب كوبا أميركا 2024، ليصبح ما تأخر طويلًا سلسلة من الألقاب: كوبا أميركا 2021، و"فيناليسيما" 2022، وكأس العالم 2022، وكوبا أميركا 2024.
النهاية تعيد صورة 2014
حتى الوداع حمل مفارقة أخرى.
كانت آخر بطولة لميسي مع الأرجنتين كأس العالم 2026، ووصل المنتخب مرة أخرى إلى النهائي. وبعد 12 عامًا من خسارة نهائي 2014 أمام ألمانيا، انتهت آخر مباراة دولية في مسيرته بخسارة نهائي آخر، هذه المرة أمام إسبانيا 0-1 بعد التمديد.
لكنه خرج من النهائي الثاني بطريقة مختلفة تمامًا عن الأول.
في 2014، كانت الهزيمة تعني أن السؤال عن كأس العالم سيطارده أربع سنوات أخرى. أما في مونديال 2026، فكانت الكأس موجودة أصلًا في سيرته، إلى جانب حقبة من الألقاب لم تعرف الأرجنتين مثلها منذ عقود.
الفاصل بين كتابة الرسالة ونشرها أضاف تفصيلًا أخيرًا إلى علاقة لم تكن قراراتها سهلة يومًا.
فبعد عشرة أعوام من اعتزال أول تراجع عنه سريعًا، احتفظ ميسي هذه المرة برسالة الوداع لأسابيع قبل أن يجعل قراره رسميًا.
من 47 ثانية إلى 207 مباريات
-
207 مباريات و125 هدفًا، ليغادر ميسي بوصفه صاحب الرقم القياسي الأرجنتيني في المشاركات والأهداف.
-
لعب ست نسخ متتالية من كأس العالم، ووصل إلى النهائي ثلاث مرات، وفاز بالبطولة مرة واحدة، إلى جانب لقبي كوبا أميركا و"فيناليسيما".
لكن الرحلة لا تختصرها الأرقام وحدها. عندما دخل ميسي الملعب للمرة الأولى مع المنتخب الأول، كان لاعبًا في الثامنة عشرة يريد إثبات أنه يستحق القميص، ولم يبق فيه سوى 47 ثانية.
وبين بطاقة حمراء في بودابست ورسالة وداع بعد 21 عامًا، تغير ميسي، وتغير المنتخب، والأهم أن العلاقة بين الأرجنتينيين وصاحب الرقم 10 تغيرت معها.