Skip to main content

من القطيعة إلى إعادة التموضع: لماذا غيّرت باماكو لهجتها تجاه الجزائر؟

الثلاثاء 11 أغسطس 2026
مالي والجزائر.. عودة العلاقات بعد توتر سياسي - غيتي
من القطيعة إلى إعادة التموضع.. لماذا غيّرت باماكو لهجتها تجاه الجزائر؟
دوافع التحول والملفات الاستراتيجية وموقع مالي في العقيدة الأمنية الجزائرية

خلال أشهر قليلة، انتقلت العلاقة بين مالي والجزائر من واحدة من أكثر مراحلها توترًا إلى مؤشرات متسارعة على استعادة قنوات التواصل. فبعد عودة السفراء وإعادة فتح المجال الجوي، جاء خطاب رئيس الحكومة المالية اللواء عبد الله مايغا في أغسطس/ آب الجاري بلغة مختلفة تمامًا، تستعيد الجوار والتاريخ المشترك والتقارب السياسي مع الجزائر.

لكن هذا التحول لا يعني أن باماكو تراجعت عن خياراتها التي كرستها خلال السنوات الأخيرة. فمالي لا تزال متمسكة بتحالف دول الساحل، وتحافظ على شراكتها الأمنية مع روسيا، ولم تعد إلى اتفاق الجزائر لعام 2015 الذي أنهت العمل به مطلع 2024.

ما تغير، على ما يبدو، هو حساب كلفة القطيعة مع الجزائر. فالجغرافيا والأمن الحدودي وتعقيدات الحرب في الساحل أعادت دولة الجوار الشمالية إلى حسابات باماكو، من دون أن يعني ذلك عودة العلاقة إلى ما كانت عليه. ومن هنا يبرز السؤال:

لماذا غيّرت مالي لهجتها الآن، وما حدود التقارب الممكن بين بلدين لا تزال بينهما ملفات خلافية شديدة الحساسية؟

بعد أكثر من عام من التوتر، أعادت مالي والجزائر فتح قنواتهما الدبلوماسية، في تحول يعكس إعادة حساب كلفة القطيعة من دون أن يعني انتهاء الخلافات بين البلدين.

لماذا تعيد مالي حساباتها تجاه الجزائر؟


في غضون أشهر قليلة، انتقلت اللهجة الرسمية المالية تجاه الجزائر من ذروة التصعيد إلى خطاب يقوم على استعادة الجوار والتاريخ المشترك والتوافق السياسي.

ففي 8 أغسطس/ آب الجاري، وخلال خطاب ألقاه في باماكو بمناسبة اختتام لقاءات الحوار المخصصة لتقييم السنوات الخمس للمرحلة الانتقالية، أعلن رئيس الحكومة المالية اللواء عبد الله مايغا طي صفحة الخلاف مع الجزائر، ونفى وجود قطيعة دبلوماسية بين البلدين، متحدثًا عن تقارب في الرؤى بين قيادة المرحلة الانتقالية والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.

وتجاوز الخطاب حدود اللغة الدبلوماسية المعتادة عندما استحضر مايغا رموزًا جزائرية ذات حمولة تاريخية، وردد مقطعًا من النشيد الوطني الجزائري قبل أن يترجم معانيه إلى الفرنسية أمام الحاضرين.

كما استند إلى عناصر أخرى لتأكيد خصوصية العلاقة، من بينها الجوار الجغرافي وطول الحدود المشتركة والروابط الأكاديمية التي تجمع عددًا من المسؤولين في البلدين. وهكذا بدا الخطاب محاولة لإعادة صياغة الصورة السياسية للعلاقة بعد مرحلة اتسمت بالاتهامات والتوتر.


وفي 9 أغسطس/ آب، أجرى الوزير الأول الجزائري سيفي غريب اتصالًا هاتفيًا بنظيره المالي بتكليف من الرئيس عبد المجيد تبون. وجدد الجانبان خلال الاتصال تمسكهما بروابط الأخوة ومبادئ حسن الجوار، وأكدا إرادة قيادتي البلدين إضفاء ديناميكية جديدة على العلاقات الثنائية.

كما وجه الوزير الأول الجزائري دعوة رسمية إلى مايغا لزيارة الجزائر، في خطوة تعكس توجه البلدين إلى إعادة تنشيط قنوات الحوار.

وسبقت ذلك خطوات عملية أكثر وضوحًا. ففي 10 يوليو/ تموز، قررت مالي إعادة سفيرها إلى الجزائر وفتح مجالها الجوي أمام الرحلات المدنية والعسكرية القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها. وفي اليوم نفسه، أعادت الجزائر فتح مجالها الجوي أمام الحركة الجوية المالية، وأمر الرئيس عبد المجيد تبون بعودة السفير الجزائري كامل ريطيب إلى باماكو.

ولم تتوقف مؤشرات التهدئة عند هذه القرارات. ففي 20 يوليو/ تموز، استقبل وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب السفير الجزائري بعد عودته إلى باماكو، في لقاء وضعته الحكومة المالية ضمن مسار إعادة تنشيط علاقات التعاون والصداقة بين البلدين. وبذلك، سبق التحرك الدبلوماسي خطاب مايغا في أغسطس، ما يعزز قراءة تغير اللهجة باعتباره جزءًا من مسار بدأ عمليًا قبل أسابيع، لا مبادرة خطابية منفردة.


وهكذا لم يبق التحول محصورًا في الخطاب، وإنما انتقل إلى مستوى الإجراءات الدبلوماسية والإدارية.

مع ذلك، تبدو قراءة ما يجري باعتباره "مصالحة" مكتملة سابقة لأوانها. فالأسباب التي فجرت الأزمة لم تختف، ولم تعلن باماكو العودة إلى اتفاق الجزائر لعام 2015، كما لم تتراجع عن منظومتها الإقليمية والأمنية القائمة على تحالف دول الساحل والشراكة مع روسيا.

السؤال الأدق إذًا ليس ما إذا كانت مالي قد عادت إلى الجزائر، وإنما ما الذي تغير في حسابات باماكو حتى أصبحت إعادة ضبط العلاقة أكثر فائدة من استمرار القطيعة؟

هذا السؤال مهم لأن العلاقات الجزائرية - المالية لم تتدهور نتيجة حادث منفرد، وإنما نتيجة اختلاف أعمق حول طبيعة إدارة الأزمة المالية ومستقبل شمال البلاد. فقد بدأت الهوة السياسية في الاتساع مع تحول السلطة المالية، بعد انقلاب 2020، إلى تبني مقاربة أكثر تشددًا تجاه التدخلات الخارجية.

ثم جاء قرار باماكو إنهاء العمل باتفاق الجزائر في يناير/ كانون الثاني 2024 ليكشف عمق التباين مع الرؤية الجزائرية للحل السياسي. وفي أبريل/ نيسان 2025، انتقل الخلاف إلى مستوى أكثر حساسية بعد حادث إسقاط طائرة مسيّرة مالية قرب الحدود الجزائرية، وما أعقبه من تبادل للاتهامات وإجراءات دبلوماسية وإغلاق المجال الجوي.

وبذلك، انتقلت العلاقة خلال فترة قصيرة من خلاف سياسي حول الوساطة والحركات المسلحة إلى أزمة مرتبطة مباشرة بالسيادة والمجال الجوي والأمن الحدودي. غير أن التحول الذي ظهر في 2026 يشير إلى أن باماكو بدأت، على الأقل، في إعادة تقييم كلفة استمرار هذه المواجهة.



من اتفاق الجزائر إلى إعادة فتح الأجواء

لا يعني ذلك أن مالي أعادت النظر في خياراتها الاستراتيجية الكبرى. فما تغير أساسًا هو طريقة ترتيب الأولويات، من اعتبار الخلاف مع الجزائر جزءًا من معركة السيادة إلى التعامل معه بوصفه خلافًا يمكن إدارته من دون تحويله إلى قطيعة دائمة.

وهنا تظهر الجغرافيا بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لفهم التحول.

فمالي تستطيع تغيير شركائها الدوليين وإعادة تعريف تحالفاتها، لكنها لا تستطيع تغيير موقعها الجغرافي. والجزائر ليست شريكًا خارجيًا بعيدًا يمكن تعويضه، وإنما دولة تتشارك معها حدودًا صحراوية طويلة وفضاءً أمنيًا تتقاطع فيه حركة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود.

وفي المقابل، لا تستطيع الجزائر التعامل مع مالي باعتبارها ملفًا خارجيًا منفصلًا عن أمنها القومي، إذ يمكن لاضطراب شمال مالي أن ينعكس مباشرة على البيئة الأمنية الجزائرية.



 لا تستطيع الجزائر التعامل مع مالي باعتبارها ملفًا خارجيًا منفصلًا عن أمنها القومي - غيتي

ومن هنا تبدو إعادة العلاقة محكومة بمنطق مختلف عن منطق التحالفات التقليدية. فالمصلحة الجزائرية لا تقتضي بالضرورة استعادة نفوذها السابق في باماكو، كما أن المصلحة المالية لا تقتضي العودة إلى السياسة التي كانت قائمة قبل الأزمة.

ما يحتاج إليه الطرفان هو إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة وقنوات الاتصال التي تسمح بإدارة الخلافات دون تحويلها إلى أزمات أمنية مفتوحة.

وهذا يفسر أهمية عودة السفراء وإعادة فتح المجال الجوي. فهذه الخطوات لا تحل الملفات السياسية العالقة، لكنها تزيل بعض أدوات القطيعة التي تجعل أي حادث جديد قابلًا للتحول سريعًا إلى أزمة ثنائية.

وعليه، يمثل التحول المالي الحالي، في مرحلته الأولى، إعادة تموضع براغماتية أكثر منه مراجعة استراتيجية مكتملة.


الأزمة لم تبدأ بالطائرة المسيّرة


اختزال الأزمة الجزائرية - المالية في حادث الطائرة المسيّرة يؤدي إلى قراءة ناقصة. فالحادث كان نقطة انفجار، لكنه جاء بعد تراكم سياسي وأمني طويل.

منذ وصول السلطة العسكرية إلى الحكم، بدأت مالي في إعادة تعريف مفهوم السيادة وعلاقاتها الخارجية، وأصبح رفض التدخل الخارجي أحد المرتكزات الأساسية للخطاب الرسمي، بالتزامن مع إنهاء الوجود العسكري الفرنسي، وتعزيز التعاون مع روسيا، وإعادة بناء إطار إقليمي جديد مع بوركينا فاسو والنيجر.

في هذه البيئة، أصبح الدور الجزائري أكثر حساسية من السابق. فالجزائر لم تكن مجرد دولة مجاورة، بل كانت صاحبة الدور الأبرز في الوساطة التي أفضت إلى اتفاق السلام والمصالحة لعام 2015. ولذلك، فإن موقفها من مستقبل شمال مالي لم يكن منفصلًا عن تصورها للأمن الإقليمي.

أما باماكو الجديدة، فكانت تنظر إلى الاتفاق بصورة مختلفة. فقد أصبحت ترى أن استمرار ترتيبات سياسية مرتبطة بالمرحلة السابقة يمكن أن يقيد قدرة الدولة على استعادة سيادتها الكاملة، خصوصًا في ظل التحولات العسكرية التي شهدتها البلاد.

وعندما أعلنت مالي في يناير/ كانون الثاني 2024 إنهاء الاتفاق، لم يكن القرار مجرد خطوة إجرائية، بل مثل رفضًا لإطار سياسي كانت الجزائر تعتبره أحد أهم أدوات الحفاظ على وحدة الدولة المالية. ومن هنا أصبحت العلاقة محكومة بسؤال أكبر من اتفاق تم إلغاؤه:

من يملك حق تحديد شكل الاستقرار في شمال مالي؟

بالنسبة إلى باماكو، يجب أن تكون الإجابة: الدولة المالية وحدها. أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن استقرار شمال مالي يرتبط مباشرة بأمنها القومي، ما يجعلها غير قادرة على تجاهل ما يحدث هناك.

هذه المسافة بين مفهومَي السيادة والأمن شكلت الخلفية الحقيقية للأزمة.


أزمة الطائرة المسيّرة ونقل الخلاف إلى مستوى السيادة


جاء حادث الطائرة المسيّرة في أبريل/ نيسان 2025 ليحول هذا التباين السياسي إلى مواجهة أمنية مباشرة.

أعلنت الجزائر أن طائرة مسيّرة مالية دخلت مجالها الجوي، وأن القوات الجزائرية أسقطتها بعد اعتبارها تهديدًا، بينما رفضت مالي الرواية الجزائرية واعتبرت الحادث انتهاكًا لسيادتها.

وتطور الخلاف سريعًا إلى إجراءات دبلوماسية وإغلاق المجال الجوي، كما انضمت بوركينا فاسو والنيجر إلى الموقف المالي. وكانت خطورة الحادث في أنه ألغى المسافة التي كانت تفصل بين الخلاف السياسي والأمن المباشر.

في السابق، كان بإمكان الطرفين الاختلاف حول اتفاق الجزائر أو حول الحركات المسلحة مع استمرار العلاقات الرسمية. أما بعد حادث المسيّرة، فقد أصبحت أي حركة عسكرية قرب الحدود قابلة لأن تُقرأ باعتبارها تهديدًا للسيادة.

وهذا النوع من الأزمات أكثر صعوبة في الاحتواء، لأنه يدخل المؤسسات العسكرية مباشرة في إدارة العلاقة.

لذلك، فإن إعادة فتح المجال الجوي في يوليو/ تموز 2026 تكتسب أهمية تتجاوز حركة الطيران، فهي تعني عمليًا أن الطرفين قررا إزالة أحد أبرز آثار الأزمة والعودة إلى الحد الأدنى من قواعد الاتصال الرسمي.


ماذا تغير في 2026؟


التغير الأساسي ليس أن الخلافات اختفت، وإنما أن كلفة استمرارها أصبحت أكثر وضوحًا من ذي قبل.

بالنسبة إلى مالي، لم تعد القطيعة مع الجزائر تحقق المكاسب السياسية نفسها التي كانت تحققها في ذروة الأزمة. فقد أعادت باماكو بالفعل ترتيب علاقاتها مع فرنسا وبعض القوى الغربية، وأقامت إطارًا إقليميًا جديدًا عبر تحالف دول الساحل، وعززت شراكتها مع روسيا.

وبالتالي، فإن استمرار أزمة منفصلة مع الجزائر لم يعد ضروريًا لإثبات استقلالية القرار المالي.

وفي الوقت نفسه، تواجه مالي بيئة أمنية لا تسمح بتعدد الجبهات غير الضرورية. فاستعادة الدولة السيطرة على عدد من المواقع في الشمال لم تؤد إلى إنهاء التهديد المسلح، كما أن تفكيك الأطر السياسية السابقة التي كانت تنظم العلاقة مع الحركات المسلحة لم ينتج تلقائيًا بيئة مستقرة.



يظل شمال مالي أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة مع الجزائر، إذ تتقاطع فيه مساعي باماكو لفرض سيطرة الدولة مع المخاوف الجزائرية من انتقال الاضطراب والجماعات المسلحة عبر الحدود - غيتي  

 في مثل هذه البيئة، يصبح أمن الحدود مع دول الجوار جزءًا من الأمن الداخلي نفسه.

وهنا تكتسب الجزائر أهمية تختلف عن الشركاء العسكريين الخارجيين. فروسيا تستطيع توفير دعم عسكري أو تقني، ويمكن لدول أخرى تقديم مساعدات اقتصادية أو دبلوماسية، لكن لا يستطيع أي طرف خارجي أن يحل محل الجزائر في وظيفة الجوار المباشر.

كما أن حدود القوة العسكرية نفسها تجعل التعاون الحدودي أكثر أهمية. فالسيطرة على المدن والمواقع العسكرية لا تعني السيطرة المستدامة على المجال الصحراوي، والجماعات المسلحة لا تتحرك وفق الحدود السياسية للدول.

ومن ثم، لا يمثل التقارب مع الجزائر تناقضًا مع الخيار العسكري المالي. تستطيع باماكو أن تستمر في بناء قوتها العسكرية، وفي الوقت نفسه تعيد فتح قنوات التعاون مع الجزائر.

كذلك لا يعني تنويع الشركاء استبدال الجوار. فروسيا ليست دولة حدودية، وتحالف دول الساحل لا يعالج وحده التحديات المرتبطة بالحدود الشمالية لمالي. أما الجزائر فتجمع بين الجوار المباشر والوزن الأمني والعسكري والقدرة الدبلوماسية.

لهذا فإن إعادة الاتصال لا تعني أن مالي بدأت الابتعاد عن روسيا. الأدق أن باماكو بدأت تدرك حدود منطق الاستبدال: يمكنها استبدال بعض الشركاء، لكنها لا تستطيع استبدال الجغرافيا.


أما العامل الاقتصادي، فلا يبدو محركًا وحيدًا للتحول، لكنه يعزز جاذبية التهدئة. فمالي دولة غير ساحلية تعتمد على شبكات نقل إقليمية معقدة للوصول إلى الأسواق ومصادر الطاقة والموانئ، وكل توتر إضافي مع دولة مجاورة يزيد كلفة الحركة والتجارة والاتصال.

كما يمكن للمناطق الحدودية في شمال مالي وجنوب الجزائر أن تشكل مستقبلًا مجالًا للتعاون في التجارة والطاقة والنقل والخدمات وربط المناطق النائية.

ويضاف إلى ذلك العامل الداخلي. فبعد سنوات من الخطاب القائم على السيادة ورفض التدخل الخارجي، أصبحت الحكومة المالية مطالبة بإظهار أن هذه السياسة تستطيع إنتاج نتائج ملموسة لا مجرد مواجهات دبلوماسية.

ويمكن لباماكو تقديم عودة العلاقة باعتبارها تكريسًا لمبدأ الندية. فهي لم تعد إلى اتفاق الجزائر، ولم تتخل عن خياراتها الأمنية، لكنها استطاعت في الوقت نفسه إنهاء التوتر مع جار مهم من دون تقديم ذلك باعتباره تنازلًا.

ومن هنا تكتسب رمزية خطاب مايغا أهميتها. فترديد النشيد الجزائري ليس دليلًا على تحالف استراتيجي، وإنما مؤشر على محاولة سياسية لإعادة بناء الثقة وإعادة تعريف الجزائر من طرف متهم بالتدخل إلى جار يمكن التعاون معه.

لكن الدليل الحقيقي سيظهر في القرارات اللاحقة. هل ستنشأ قنوات أمنية منتظمة؟ هل ستتوسع الزيارات؟ هل تستأنف مشاريع اقتصادية؟ وهل تظهر آلية لمعالجة الحوادث الحدودية قبل تحولها إلى أزمات؟

هذه المؤشرات أهم بكثير من الرمزية وحدها.

ماذا تمثل مالي في العقيدة الأمنية الجزائرية؟


يصعب فهم العلاقة الجزائرية - المالية من دون وضع مالي داخل التصور الجزائري للأمن الإقليمي. فباماكو ليست مجرد عاصمة لدولة مجاورة، وإنما تقع في منطقة تتقاطع فيها ثلاثة مستويات من الأمن الجزائري، هي أمن الحدود وأمن الصحراء واستقرار المجال الساحلي.

ولهذا تعاملت الجزائر تاريخيًا مع مالي بطريقة تختلف عن تعاملها مع عدد من ملفات السياسة الخارجية الأخرى.

فالأولوية الجزائرية لم تكن إقامة نفوذ سياسي مباشر داخل مالي، وإنما منع تحول الأراضي المالية إلى مصدر دائم لتهديد الأمن الجزائري، والحفاظ على وحدة الدولة، وتشجيع تسويات سياسية تقلل احتمالات تحول النزاعات المحلية إلى صراعات عابرة للحدود.


مالي بوصفها عمقًا أمنيًا للحدود الجنوبية

تمثل الحدود الجزائرية - المالية أكثر من مجرد خط جغرافي يفصل دولتين. فهي جزء من فضاء صحراوي واسع يصعب ضبطه بالكامل، وتتحرك عبره شبكات التهريب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والجماعات المسلحة.

وهنا تختلف طبيعة التهديد عن التهديد التقليدي القادم من دولة معادية. فالخطر الأساسي بالنسبة إلى الجزائر يتمثل في انتقال عدم الاستقرار من الأراضي المالية إلى المجال الجزائري.

وهذا يفسر اعتماد الجزائر تاريخيًا على مقاربة تجمع بين مراقبة الحدود والتعاون الأمني والدبلوماسية ومحاولة معالجة جذور النزاعات السياسية في شمال مالي.

فبالنسبة إلى الأمن الجزائري، لا يكفي منع جماعة مسلحة من عبور الحدود. المطلوب أيضًا منع تحول المنطقة الحدودية نفسها إلى مجال دائم خارج السيطرة الحكومية.

ومن هذه الزاوية، يصبح استقرار مالي مصلحة جزائرية مباشرة، حتى عندما تختلف الجزائر مع الحكومة المالية حول الوسائل المناسبة لتحقيقه.


وحدة مالي جزء من مفهوم الأمن الجزائري

ترتبط المقاربة الجزائرية للساحل بمبدأ أوسع يتمثل في الحفاظ على وحدة الدول ورفض تحول النزاعات الداخلية إلى مشاريع انفصال دائمة.

ويرتبط هذا المبدأ بتصور الجزائر لأمنها الإقليمي. فإذا تحولت منطقة من دولة مجاورة إلى كيان غير مستقر أو إلى منطقة نفوذ لجماعات مسلحة، فإن الحدود السياسية تفقد جزءًا من قيمتها الأمنية.

ولهذا كانت الجزائر تاريخيًا أكثر ميلًا إلى الوساطة والتسوية السياسية في مالي من الانخراط العسكري المباشر. فالوساطة بالنسبة إليها إحدى أدوات تحقيق الأمن.


هنا تكمن خصوصية الدور الجزائري: محاولة معالجة مصدر التهديد السياسي قبل أن يتحول إلى تهديد أمني عابر للحدود.

اتفاق الجزائر 2015: الأداة السياسية للعقيدة الأمنية

كان اتفاق السلام والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر عام 2015 التعبير الأوضح عن هذه المقاربة. فالجزائر لم تنظر إليه باعتباره مجرد تسوية بين الحكومة المالية والحركات المسلحة، وإنما إطارًا للحفاظ على وحدة مالي من خلال معالجة أسباب الصراع في الشمال. 



 شكّل مسار الجزائر إطارًا رئيسيًا للتسوية السياسية في شمال مالي، قبل أن تنهي باماكو العمل باتفاق 2015 وتدخل العلاقة مع الجزائر مرحلة مختلفة - غيتي

ولهذا شكل قرار باماكو إنهاء الاتفاق في يناير/ كانون الثاني 2024 نقطة تحول كبيرة في الحسابات الجزائرية. فالمشكلة لم تكن في إلغاء اتفاق دبلوماسي فحسب، وإنما في انهيار إحدى الأدوات التي كانت الجزائر تستخدمها لتقليل المخاطر على حدودها الجنوبية.

لكن المعادلة تغيرت. فالسلطة المالية الحالية لا تريد العودة إلى ترتيبات تعتبرها جزءًا من مرحلة سابقة، كما أن البيئة العسكرية والسياسية في شمال مالي تغيرت بصورة كبيرة.

وبالتالي، فإن التحدي الجزائري في المرحلة الجديدة ليس بالضرورة إحياء اتفاق الجزائر كما كان، وإنما البحث عن صيغة تحقق بعض الوظائف الأمنية التي كان يؤديها، من دون أن تصطدم مباشرة بتصور باماكو الحالي للسيادة.


لماذا لا تستطيع الجزائر تجاهل ما يحدث في شمال مالي؟

تتمثل إحدى الخصائص الأساسية للمقاربة الجزائرية في أن مصالحها لا تعتمد على تغير الحكومات في باماكو. فالجزائر تستطيع الاختلاف مع حكومة مالية عسكرية أو حكومة مدنية مستقبلية أو مع الحركات المسلحة، لكن العامل الجغرافي يبقى ثابتًا.

وهذا يجعل مالي بالنسبة إلى الجزائر مسألة أمنية طويلة الأمد، لا ملفًا سياسيًا ظرفيًا. فحتى إذا تحسنت العلاقات السياسية، سيظل الجيش الجزائري مضطرًا إلى مراقبة الحدود، وحتى إذا عاد التوتر، ستظل الجزائر بحاجة إلى التواصل مع السلطات المالية.

وبهذا تحمل العلاقة عنصرًا من الاعتماد المتبادل الذي لا يستطيع أي من الطرفين إلغاءه من حساباته.


ما الأوراق التي تملكها الجزائر فعلًا في مالي؟


من الخطأ التعامل مع أدوات الجزائر باعتبارها أدوات نفوذ بالمعنى التقليدي. فهي لا تملك القدرة المالية التي تملكها بعض القوى الخليجية، ولا الانتشار العسكري الروسي، ولا الشبكات الاقتصادية الصينية، ولا النفوذ السياسي الذي كانت تملكه فرنسا في مراحل سابقة.

ومع ذلك، تملك الجزائر أوراقًا تقوم أساسًا على الجغرافيا والقدرة الأمنية والخبرة الدبلوماسية والروابط التاريخية.

  • الجغرافيا

هذه الورقة هي الأكثر ثباتًا. فالحدود المشتركة تجعل الجزائر جزءًا من المعادلة الأمنية المالية مهما تغيرت التحالفات. ولا يمكن لباماكو أن تتعامل مع حدودها الشمالية كما تتعامل مع علاقاتها مع موسكو أو بكين أو أنقرة.

وليست هذه ورقة ضغط بالمعنى المباشر، لكنها تمنح الجزائر قدرة على التأثير لا يمكن إلغاؤها. 


  • الأمن

تستطيع الجزائر تقديم قيمة عملية في تبادل المعلومات المتعلقة بالتهديدات الحدودية، ومراقبة التحركات عبر الحدود، والتنسيق بشأن الجماعات المسلحة، ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، وإدارة الحوادث الحدودية قبل تحولها إلى أزمات سياسية.

لكن هذه الورقة لها حدود واضحة. فباماكو لن تقبل تعاونًا أمنيًا يُفهم باعتباره وصاية جزائرية، كما أن الجزائر لا تريد الانخراط في العمليات العسكرية داخل الأراضي المالية. لذلك تبدو الصيغة الأكثر قابلية للحياة هي التنسيق لا التدخل.


  • الدبلوماسية

تملك الجزائر خبرة طويلة في التعامل مع أزمات الساحل، إضافة إلى حضورها في المؤسسات القارية والدولية.

لكن بعد تجربة اتفاق 2015، أصبحت باماكو أكثر حساسية تجاه أي دور خارجي في الملف الداخلي. لذلك قد يكون الاستخدام الأكثر واقعية للقدرة الدبلوماسية الجزائرية في المرحلة الحالية هو توفير قنوات اتصال وتسهيل الحوار ومنع سوء الفهم، بدل محاولة فرض إطار سياسي جاهز.


  • الروابط التاريخية والإنسانية

توفر العلاقات التاريخية والتواصل بين النخب والدراسة والتكوين في المؤسسات الجزائرية أرضية يمكن استخدامها لإعادة بناء الثقة.

وهنا يكتسب استحضار مايغا دراسته في الجزائر أهمية إضافية. فهو قدم تاريخ العلاقة بوصفه جزءًا من تجربة شخصية ومشتركة للنخب.

لكن هذه الروابط لا تستطيع وحدها حل خلافات تتعلق بالسيادة والأمن. وهي تساعد على تحسين البيئة السياسية للتفاوض أكثر مما تنتج اتفاقًا بذاتها.


  • الاقتصاد

يمكن للجزائر استخدام الاقتصاد لدعم العلاقة، لكن من غير الواقعي اعتبارها البديل الاقتصادي الرئيسي لمالي.

وتكمن القيمة المحتملة في القرب الجغرافي وإمكان تطوير التجارة الحدودية والنقل والطاقة والربط الكهربائي والخدمات ومشاريع التنمية في المناطق الحدودية.

وكلما توسعت المصالح اليومية المشتركة، ارتفعت كلفة العودة إلى القطيعة.


ما الذي تريده الجزائر من باماكو؟


قد يبدو السؤال بديهيًا، لكنه أساسي لفهم المرحلة الجديدة. فالجزائر لا تحتاج إلى أن تصبح مالي حليفًا تابعًا لها، وإنما تحتاج بصورة أكبر إلى بيئة أمنية يمكن التنبؤ بها على حدودها الجنوبية. ويمكن اختصار المصلحة الجزائرية في أربعة أهداف رئيسية:

أولًا: منع تحول شمال مالي إلى منطقة تهديد دائم 
كلما أصبحت الدولة المالية أكثر قدرة على إدارة أراضيها، انخفضت المخاطر التي تواجه الجزائر.
ثانيًا: الحفاظ على قنوات الاتصال 
حتى في فترات الخلاف، تحتاج الجزائر إلى قناة اتصال مباشرة مع باماكو.
ثالثًا: منع تدويل الأزمة بطريقة تضر بالأمن الجزائري 
كلما دخل عدد أكبر من القوى العسكرية والاستخباراتية إلى منطقة الساحل، أصبحت البيئة الأمنية أكثر تعقيدًا.
رابعًا: الحفاظ على إمكانية الحل السياسي 
ولا يعني ذلك بالضرورة العودة إلى اتفاق 2015، بل الحفاظ على مبدأ أن النزاعات الداخلية في مالي يمكن معالجتها سياسيًا بدل تحولها إلى صراع مفتوح طويل الأمد.
أين تتقاطع مصالح الجزائر ومالي وأين تتعارض؟

تتقاطع المصالح الجزائرية والمالية بدرجة كبيرة في أمن الحدود ومكافحة الإرهاب ومنع التهريب والجريمة العابرة للحدود، كما توجد مساحة واسعة للتعاون الاقتصادي وتسهيل الحركة. 
أما نقاط الخلاف الأساسية، فتتركز في مستقبل شمال مالي وطريقة التعامل مع الحركات المسلحة وحدود الدور السياسي الذي يمكن أن تؤديه الجزائر في الملف الداخلي المالي. كما تختلف المقاربتان في النظرة إلى الحضور الروسي. فباماكو تعتبر روسيا شريكًا استراتيجيًا، بينما تتحفظ الجزائر على زيادة عسكرة منطقة الساحل وتعدد القوى العسكرية والاستخباراتية العاملة فيها. 

ولا تحتاج العلاقة إلى توافق شامل كي تستقر. فالسيناريو الأكثر واقعية يقوم على فصل مجالات التعاون عن مجالات الخلاف. 
فقد تتعاون الجزائر ومالي في مكافحة الإرهاب من دون الاتفاق حول مستقبل الحركات المسلحة، وتتعاونان في الحدود والتجارة من دون الاتفاق على الدور الروسي، وتعيدان بناء العلاقات الدبلوماسية من دون العودة إلى صيغة اتفاق الجزائر

الملفات التي ستختبر جدية التقارب


سيكون أمن الحدود أول اختبار عملي، لأنه الملف الأسرع قابلية للتعاون والأكثر ارتباطًا بتجربة أزمة 2025. ولا يتطلب الأمر تحالفًا عسكريًا، وإنما آليات اتصال تمنع الحوادث الحدودية أو الجوية من التحول إلى أزمات سيادية.

ويأتي بعد ذلك ملف مكافحة الإرهاب، حيث يمكن للطرفين تطوير تبادل المعلومات والتنسيق بشأن التهديدات المشتركة من دون أن يعني ذلك تدخل الجزائر داخل الأراضي المالية.

أما مستقبل شمال مالي فيظل الملف الأصعب. فإذا بقيت باماكو ترى أن أي دور جزائري في الملف السياسي يمثل تدخلًا، في حين ترى الجزائر أن تجاهل البعد السياسي يفاقم التهديد الأمني، فسيظل الخلاف قائمًا.

ويرتبط بذلك مصير الحركات المسلحة. فالجزائر تحتاج إلى منع تحول هذه الحركات إلى مصدر تهديد على حدودها، بينما تعتبرها باماكو جزءًا من ملف سيادي داخلي. وقد تكون الأولوية في المرحلة المقبلة إدارة هذا الملف بدل محاولة حسمه دفعة واحدة.

في المقابل، يمكن للتعاون الاقتصادي أن يشكل المساحة الأقل حساسية والأكثر قدرة على إنتاج مصالح مشتركة تثبت التهدئة.

كما سيكون على الجزائر التكيف مع حقيقة أن تحالف دول الساحل وعلاقة مالي بروسيا أصبحا جزءًا من البيئة الإقليمية الجديدة. وأي محاولة لدفع باماكو إلى الاختيار بين الجزائر وشركائها الآخرين ستكون غير واقعية.



إلى أين تتجه العلاقات الجزائرية - المالية؟


لا تسمح المعطيات الحالية بالقول إن العلاقات الجزائرية - المالية دخلت مرحلة تحالف استراتيجي جديد. لكنها تشير إلى انتقال الطرفين من التصعيد المفتوح إلى اختبار إمكان التعايش السياسي والأمني.

وتوفر إعادة السفراء وفتح المجال الجوي وتغير الخطاب السياسي الحد الأدنى الضروري لإعادة بناء العلاقة، من دون أن تحسم القضايا التي أنتجت الأزمة.

وتبرز ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة.


  • تطبيع براغماتي وإدارة للخلاف

هو المسار الأكثر ترجيحًا في الظروف الحالية. تحافظ مالي فيه على علاقتها بروسيا وتحالف دول الساحل، وتعيد في الوقت نفسه بناء علاقتها الثنائية مع الجزائر في الملفات التي لا تتطلب تنازلات سياسية كبيرة.

وتكون الأولوية لانتظام الاتصالات السياسية، واستمرار عمل السفارات، والتعاون في أمن الحدود، وتبادل المعلومات، وتسهيل حركة الأشخاص والطيران والتجارة، وإطلاق مشاريع اقتصادية محدودة.

ميزة هذا السيناريو أنه لا يطلب من أي طرف التخلي عن خياراته الأساسية. ويعتمد نجاحه على عدم تحويل الاختلاف حول شمال مالي إلى اختبار شامل للعلاقة الثنائية.


  • تقارب أمني تدريجي

قد ينتقل الطرفان من التطبيع الدبلوماسي إلى تعاون أمني أكثر انتظامًا إذا اتسعت العمليات المسلحة أو اقتربت التهديدات أكثر من المناطق الحدودية.

وقد يشمل ذلك قنوات اتصال عسكرية مباشرة وآليات لإدارة الحوادث الحدودية وتبادلًا أكثر انتظامًا للمعلومات وتنسيقًا في مراقبة المناطق الصحراوية ومكافحة التهريب.

ولا يعني ذلك قيام تحالف عسكري. فالجزائر ستظل حذرة من الانخراط العسكري المباشر في النزاعات الخارجية، فيما ستظل مالي حريصة على عدم إظهار نفسها كدولة تعتمد أمنيًا على جارها.

لذلك سيكون التقارب، إذا تطور، وظيفيًا أكثر منه استراتيجيًا.


الانتكاسة وعودة التصعيد

يبقى هذا الاحتمال قائمًا لأن جذور الأزمة لم تُحل بالكامل.

فإذا وقع حادث أمني جديد على الحدود، أو دخلت طائرات أو مسيّرات المجال الجوي لأحد الطرفين من دون تنسيق، أو تصاعد الخلاف حول الحركات المسلحة، فقد تعود الأزمة بسرعة.

ويزداد هذا الخطر إذا أصبح التقارب مع الجزائر مكلفًا سياسيًا بالنسبة إلى السلطة المالية، أو قُدم داخليًا باعتباره تنازلًا عن الخطاب السيادي الذي شكل جزءًا من شرعية المرحلة الانتقالية.

لذلك فإن أهم ضمانة للاستقرار ليست غياب الخلاف، وإنما وجود آليات مؤسسية تمنع الخلافات المحدودة من التحول إلى أزمات سيادية.



هل نحن أمام مراجعة استراتيجية مالية؟


المعطيات المتاحة لا تسمح بالقول إن مالي أجرت مراجعة استراتيجية شاملة.

فالسياسة المالية الأساسية لم تتغير في عناصرها الكبرى. المرحلة الانتقالية مستمرة، وتحالف دول الساحل قائم، والعلاقات الاستراتيجية مع روسيا مستمرة، كما لا يزال الخطاب الرسمي يركز على السيادة ويرفض التدخل الخارجي.

لكن التغير المهم وقع في مستوى آخر، هو طريقة إدارة العلاقة مع الجزائر.

وهذا يعني أن باماكو انتقلت على الأرجح من سياسة المواجهة مع الجزائر إلى سياسة إدارة العلاقة معها. وفي الحالة الأولى تصبح الجزائر جزءًا من المشكلة، أما في الثانية فتصبح دولة لا يمكن تجاهلها حتى مع استمرار الخلاف معها.


ماذا يعني التحول بالنسبة إلى الجزائر؟


يمثل التحول المالي فرصة للجزائر، لكنه يحمل أيضًا مخاطر.

فالفرصة تتمثل في استعادة قناة اتصال مباشرة مع باماكو بعد فترة من التوتر، وإعادة بناء دور دبلوماسي وأمني أكثر واقعية في الساحل.

أما الخطر فيكمن في تفسير الانفراج باعتباره عودة إلى الوضع السابق. فالجزائر لن تستطيع ببساطة إعادة إنتاج الدور الذي لعبته قبل 2024.

لقد تغيرت البيئة السياسية في مالي، وأصبح الجيش أكثر مركزية في صناعة القرار، وتحول تحالف دول الساحل إلى واقع إقليمي، فيما أعاد الوجود الروسي تشكيل حسابات الأمن في المنطقة.

لذلك تحتاج الجزائر إلى سياسة تجاه مالي تنطلق من واقعها الحالي، لا من الصورة التي كانت قائمة قبل خمس سنوات. وهذا يعني قبول احتفاظ باماكو بعلاقاتها مع روسيا وتحالف دول الساحل، مقابل التركيز على المصالح التي تتقاطع فيها مع الجزائر.


تكشف عودة اللهجة المالية الإيجابية تجاه الجزائر عن تحول مهم في إدارة العلاقة بين البلدين، لكنها لا تعني أن الخلافات الاستراتيجية التي أنتجت الأزمة قد اختفت. ما تغير أساسًا هو الحساب السياسي لكلفة القطيعة.

فمالي، بعد سنوات من إعادة بناء تحالفاتها الخارجية، باتت تواجه حقيقة أن بعض المشكلات لا يمكن حلها عبر تغيير الشركاء، وفي مقدمتها أمن الحدود والعلاقة مع الجوار المباشر.

والجزائر، من جهتها، تواجه حقيقة مقابلة مفادها أن مالي الجديدة ليست مالي التي كانت قبل 2020، وأن أي علاقة مستقرة معها يجب أن تراعي خياراتها الجديدة، بما فيها تحالف دول الساحل وشراكتها مع روسيا.

ومن ثم، فإن العلاقة المقبلة لن تكون عودة إلى الماضي، ولا تبدو في الوقت نفسه مقدمة لتحالف استراتيجي جديد.

النموذج الأكثر واقعية هو علاقة براغماتية تقوم على التعاون الانتقائي وإدارة الخلاف.


باماكو لم تعد إلى الجزائر، لكنها قررت ألا تجعل الجزائر خصمًا دائمًا.

 ويحمل هذا التحول أهمية أمنية كبيرة بالنسبة إلى الجزائر، لأن استقرار العلاقة مع مالي يعني استعادة قناة اتصال ضرورية على الحدود الجنوبية وتقليل احتمالات سوء الفهم بين المؤسستين العسكريتين وفتح المجال أمام تعاون يحد من انتقال التهديدات عبر الصحراء.

لكن تحويل الانفراج إلى مسار مستدام يحتاج إلى أكثر من الخطابات والرموز. فالاختبار الحقيقي سيكون في بناء آليات لإدارة الحدود وتطوير التعاون الأمني وتوسيع المصالح الاقتصادية ووضع قواعد واضحة للتعامل مع الملفات الحساسة، خصوصًا شمال مالي والحركات المسلحة.

وعليه، لا تكمن أهمية التحول الحالي في أنه أنهى الخلاف الجزائري - المالي، وإنما في أنه أتاح للطرفين إعادة تعريف الطريقة التي يمكنهما بها إدارة هذا الخلاف.

وهذه قد تكون الخطوة الأكثر واقعية نحو علاقة أكثر استقرارًا في الساحل.

 


قائمة المراجع


أولًا: الوثائق الرسمية والدولية

  • African Union. *Communiqué de Presse de la 1342ème réunion du Conseil de paix et de sécurité de l’Union africaine tenue le 28 avril 2026, afin de faire le point sur la situation au Mali*. Addis Ababa: African Union, April 28, 2026.
  • African Union. “Statement by the Chairperson of the African Union Commission on the Coordinated Attacks in Mali.” July 5, 2026.
  • African Union. “Communiqué du Président de la Commission de l’Union africaine sur les attaques terroristes perpétrées au Niger et au Mali.” July 20, 2026.
  • United Nations Security Council. *Letter Dated 25 January 2024 from the Permanent Representative of Mali to the United Nations Addressed to the President of the Security Council*. S/2024/98. New York: United Nations, January 25, 2024.
  • United Nations Security Council. *Final Report of the Panel of Experts Established Pursuant to Resolution 2374 (2017) on Mali and Renewed by Resolution 2690 (2023)*. New York: United Nations Security Council.
  • United Nations Security Council. *Reports of the Panel of Experts on Mali Established Pursuant to Resolution 2374 (2017)*. New York: United Nations Security Council.

ثانيًا: المصادر الجزائرية والمالية الرسمية


  • Algérie Presse Service. “Le Mali décide le retour de son ambassadeur à Alger et la réouverture de son espace aérien aux aéronefs en provenance ou à destination de l’Algérie.” July 10, 2026.
  • Présidence de la République algérienne démocratique et populaire. Communiqués et déclarations relatifs aux relations algéro-maliennes. Alger: Présidence de la République.
  • Ministère des Affaires étrangères et de la Communauté nationale à l’étranger. Déclarations et communiqués relatifs à la situation au Mali et au Sahel. Alger: République algérienne démocratique et populaire.
  • République du Mali, Ministère des Affaires étrangères et de la Coopération internationale. Communiqués officiels relatifs aux relations entre le Mali et l’Algérie. Bamako: Gouvernement du Mali.

ثالثًا: الدراسات الأكاديمية


  • Tandoğan, Muhammed, and Omar Bouacha. “The Algerian Security Approach towards the Sahel Region: Case of Mali.” *Journal of Turkology* 27, no. 1 (2017).
  • Walther, Olivier J., Christian Leuprecht, and David Skillicorn. “Wars Without Beginning or End: Violent Political Organizations and Irregular Warfare in the Sahel-Sahara.” 2016.
  • Walther, Olivier J., and Denis Retaille. “Mapping the Sahelian Space.” 2019.

رابعًا: مراكز الدراسات والأبحاث


  • International Crisis Group. *Mali: Fanning the Flames of Conflict*. Africa Report No. 324. Brussels/Dakar: International Crisis Group, 2024.
  • International Crisis Group. *Mali: Enforcing the Peace Agreement*. Africa Report. Brussels/Dakar: International Crisis Group.
  • Africa Center for Strategic Studies. *Mali’s Security Crisis and the Transformation of the Sahel*. Washington, DC: National Defense University.
  • Institute for Security Studies. *Mali and the Changing Security Architecture of the Sahel*. Pretoria: Institute for Security Studies.
  • European Council on Foreign Relations. *Mali, the Sahel and the Reconfiguration of Regional Alliances*. London: ECFR.

خامسًا: المصادر الصحفية الدولية


  • Associated Press. “Algeria Says It Downed a Drone near Its Border with Mali as Tensions Simmer between the Two Countries.” April 2025.
  • Reuters. “Mali Ends 2015 Peace Accord with Tuareg Rebels after Years of Tensions.” 2024.
  • Reuters. “West Africa Bloc Offers Junta-led States Six Months to Rethink Exit.” December 15, 2024.
  • Le Monde. “The Fading of Algeria’s Star in the Sahel Region.” January 14, 2025.
  • Le Monde. “Au Sahel, l’étoile pâlie de l’Algérie.” January 12, 2025.
المصادر:
خاص موقع التلفزيون العربي
شارك القصة