الأحد 17 مايو / مايو 2026
Close

من المتراس إلى الزعيم.. كيف بقي اقتصاد الحرب ومنطقها في لبنان؟

من المتراس إلى الزعيم.. كيف بقي اقتصاد الحرب ومنطقها في لبنان؟

شارك القصة

في لبنان إعادة الإعمار تحولت بكثير من الأحيان إلى ساحة نفوذ جديدة
في لبنان إعادة الإعمار تحولت بكثير من الأحيان إلى ساحة نفوذ جديدة - غيتي
في لبنان إعادة الإعمار تحولت بكثير من الأحيان إلى ساحة نفوذ جديدة - غيتي
الخط
بعد اتفاق الطائف، لم يخرج كثير من أصحاب النفوذ من المشهد، وإنما انتقلوا من المتراس إلى المؤسسات، أو دخلوا إليها عبر تحالفات وتسويات ورعاية إقليمية ومحلية.

حين توقفت المعارك الكبرى في لبنان مع نهاية الحرب الأهلية، بدا في الظاهر أن البلاد دخلت مرحلة جديدة عنوانها السلم وإعادة الإعمار واستعادة الدولة

غير أن الحرب لا تنتهي فعلًا بمجرد صمت البنادق. أحيانًا تتراجع أصواتها في الشوارع، فيما تبقى آلياتها حيّة في الاقتصاد والسياسة والإدارة والعلاقات بين الناس والدولة. وهذا ما حدث في لبنان إلى حد بعيد: انتهت الحرب كقتال مفتوح، لكن اقتصادها لم يُدفن كاملًا، كما لم يتلاشَ منطقها الذي أعاد إنتاج نفسه بأشكال أكثر هدوءًا وأشد رسوخًا.

في سنوات الحرب، لم تكن الجبهات مجرد خطوط تماس عسكرية. كانت أيضًا أسواقًا وممرات ومراكز جباية ونفوذ. نشأت شبكات كاملة حول المحروقات والطحين والدواء والتهريب والحماية والعبور بين المناطق. ومع ضعف الدولة وتفكك مؤسساتها، صارت الميليشيات والجهات المسلحة تدير حياة الناس اليومية بدرجات متفاوتة: من الأمن إلى الخدمات، ومن توزيع الموارد إلى فرض الإتاوات، ومن التحكم بالمرافئ غير الرسمية إلى إدارة المعابر والطرقات.

هكذا وُلد اقتصاد كامل من الفوضى، اقتصاد لا يقوم على الإنتاج بقدر ما يقوم على السيطرة والوساطة والقدرة على التحكّم.

في الحروب، لا يربح فقط من يسيطر عسكريًا، وإنما أيضًا من يعرف كيف يحوّل الفوضى إلى مورد. خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ظهرت أنماط من الثراء السريع ارتبطت بالاحتكار والتهريب والتسلح والجباية. كانت السلع الأساسية تمر أحيانًا عبر قنوات غير شرعية، وكانت الحواجز تعني سلطة مالية إلى جانب معناها الأمني. وحتى المساعدات والمواد الضرورية تحولت في بعض الأحيان إلى أوراق نفوذ.

هذه البنية لم تكن طارئة تمامًا، لأن الحرب الطويلة منحتها وقتًا كافيًا كي تتجذّر. ومع مرور السنوات، لم يعد الأمر متعلقًا بتمويل القتال فقط، إذ نشأت مصالح اقتصادية حقيقية لمستفيدين من استمرار الانقسام وضعف المؤسسات. هكذا صار للحرب رجال أعمالها، وسماسرتها، ووسطاؤها، وشبكاتها التي تعرف كيف تستفيد من كل نقص وكل خوف وكل انقطاع.

من أمراء الميليشيات إلى أركان السلطة

بعد اتفاق الطائف، لم يخرج كثير من أصحاب النفوذ من المشهد، وإنما انتقلوا من المتراس إلى المؤسسات، أو دخلوا إليها عبر تحالفات وتسويات ورعاية إقليمية ومحلية.

وتغيّرت اللغة والبدلات والمواقع، لكن جزءًا من الشبكات بقي نفسه: شبكات الولاء، والزبائنية، وتقاسم الموارد، والتصرف بالدولة بوصفها مساحة توزيع لا إطارًا جامعًا للمواطنة.

في هذا الانتقال، لم تجرِ محاسبة فعلية على الاقتصاد الموازي الذي ازدهر في الحرب، ولم يحصل تفكيك عميق للأدوات التي صنعت النفوذ. على العكس، وُلدت في مرحلة ما بعد الحرب صيغة هجينة جمعت بين الدولة وبين مراكز قوى تعمل داخلها وخارجها في آن. صار الوزير أو النائب أو الزعيم المحلي قادرًا على وراثة بعض وظائف الحرب القديمة، لكن من خلال العقود العامة، والتوظيفات، والخدمات، والوساطات، والقدرة على فتح الأبواب أو إقفالها.

إعادة الإعمار بوصفها ساحة نفوذ

أراد لبنان أن يطوي صفحة الحرب بسرعة. لذلك، جاء العفو العام جزءًا من صيغة إنهاء النزاع. غير أن طيّ الصفحة سياسيًا لم يكن كافيًا لصناعة سلام عميق. فما لم يُناقَش بجدية هو أن الحرب لم تكن مجرد جرائم واشتباكات، بل كانت أيضًا منظومة مصالح. وعندما جرى تجاوز المساءلة، لم تُعفَ الأفراد وحدهم، إذ أُعفيت ضمنيًا البنية التي سمحت بتحويل السلاح والانقسام إلى ثروة ونفوذ.

من هنا، دخل لبنان مرحلة ما بعد الحرب من دون عدالة انتقالية فعلية، ومن دون كشف واسع لمسارات التهريب والتمويل والنهب، ومن دون نقاش جدي حول كيف استعادت شبكات الحرب مواقعها داخل الإدارة والاقتصاد. لذلك، لم يكن غريبًا أن يعود كثير من اللبنانيين بعد سنوات ليشعروا أن الدولة التي وُعدوا بها لم تصل حقًا، وأن ما نشأ بدلًا منها هو نظام محاصصة واسع تديره قوى تعرف من الحرب أكثر مما تعرف من الدولة.

بعد اتفاق الطائف لم يخرج كثير من أصحاب النفوذ من المشهد
بعد اتفاق الطائف لم يخرج كثير من أصحاب النفوذ من المشهد - غيتي

في مرحلة الإعمار، كان يفترض أن تنتقل البلاد إلى منطق المؤسسات والتخطيط والتنمية المتوازنة. غير أن إعادة الإعمار نفسها تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة نفوذ جديدة. دخل المال الكبير والسياسة العقارية والاستثمارات والعقود العامة في صلب المشهد، وصارت الدولة بالنسبة إلى كثير من القوى موردًا يُدار أكثر مما تُبنى. وفي بلد خرج من الحرب مثقلًا بالانقسامات، غابت الرؤية الوطنية المتماسكة، وتقدمت شبكات الحصص والسمسرات والتوازنات الطائفية.

هنا تحديدًا يظهر وجه آخر لاستمرار اقتصاد الحرب: لم يعد التربح مرتبطًا فقط بالمعابر والحواجز والسلع المهرّبة، وإنما أيضًا بالعقود، والمرافئ، والاتصالات، والأملاك العامة، والتوظيف السياسي، والقدرة على التحكم بموارد الدولة ومفاصلها. تغيرت الأدوات، لكن الروح بقيت قريبة: من يملك النفوذ يملك فرصة أكبر للربح، ومن يحتاج الخدمة يعود إلى الزعيم، لا إلى المؤسسة.

منطق الحرب الذي لم يغادر

المشكلة في لبنان لم تكن اقتصادية فقط. فالحرب تركت أيضًا منطقًا كاملًا في النظر إلى السلطة والمجتمع. هذا المنطق يقوم على الخوف، وعلى اعتبار الجماعة الطائفية ملاذًا أول، وعلى التعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة موزعة بين مراكز القوى.

في مثل هذا المناخ، يصبح الزعيم حاميًا أكثر من كونه ممثلًا سياسيًا، وتصبح الخدمة بديلًا من الحق، وتتحول الإدارة العامة إلى مساحة محاصصة بدل أن تكون مساحة قانون.

لهذا، يمكن فهم كثير من أزمات لبنان اللاحقة من داخل هذا الامتداد. فالفساد ليس منفصلًا عن إرث الحرب، والزبائنية ليست انحرافًا طارئًا، والعجز عن بناء مؤسسات مستقرة ليس مجرد فشل إداري. هناك طبقة أعمق من المشكلة تتصل بكون منطق الحرب لم يُهزَم نهائيًا، وإنما ارتدى ثياب السياسة والاقتصاد والإدارة.

ما بعد الحرب في لبنان لم يكن انتقالًا نظيفًا من العنف إلى الدولة، وإنما كان تسوية سمحت بوقف القتال من دون اقتلاع جذوره الاقتصادية والسياسية. لذلك بقيت آثار الحرب حاضرة في ذاكرة بلد ما زال يتعرف إلى ماضيه من خلال ما يسمعه، لا من خلال ما يراه فقط.

تابع القراءة

المصادر

التلفزيون العربي