من المسرح المصري إلى هوليوود.. كيف صنع خالد النبوي مساره بنفسه؟
لم يبدأ خالد النبوي رحلته بخطة توصله إلى هوليوود. دخل التمثيل من المسرح، وتعلّم أمام مخرجين ينتمون إلى مدارس مختلفة، وترك في مرحلة مبكرة أعمالًا كان قد اتفق عليها من أجل فرصة رآها أهم، ثم وجد نفسه بعد سنوات أمام ريدلي سكوت وفي أفلام أميركية، من دون أن يجعل العمل خارج مصر غاية في ذاته.
من مسرح المدرسة والمعهد، إلى صلاح أبو سيف و"المواطن مصري"، ثم عام كامل مع يوسف شاهين في "المهاجر"، وصولًا إلى "Kingdom of Heaven" وتجارب السينما الأميركية، يمكن قراءة رحلة النبوي بوصفها سلسلة من المنعطفات أكثر منها سيرة تصعد في خط مستقيم.
يقدّم لقاء خالد النبوي في بودكاست "سينما سينما" مدخلًا مناسبًا لقراءة هذه الرحلة، لكن مساره نفسه يتضح أكثر حين تُجمع محطاته واختياراته عبر سنوات العمل: من المسرح والتكوين الأكاديمي إلى يوسف شاهين، ثم التجارب الدولية والعودة المتكررة إلى أدوار مختلفة في السينما والتلفزيون والمسرح.
شاهد حلقة بودكاست سينما سينما
البداية لم تكن أمام الكاميرا
وُلد خالد النبوي في المنصورة عام 1966، وبدأ التمثيل كهواية في الفرق المسرحية المدرسية. ثم شارك في المسرح أثناء دراسته في المعهد العالي للتعاون الزراعي، وهناك أخذ ما كان هواية شكلًا أكثر جدية، قبل أن يلتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ويتخرج فيه عام 1989.
بهذا المعنى، سبقت الخشبةُ الكاميرا في تكوينه. لم تأت السينما إلى ممثل يبحث عن الشهرة قبل أن يعرف أدواته، وإنما إلى شاب اختار أولًا تغيير اتجاه دراسته والدخول إلى مؤسسة تضع التمثيل نفسه، لا النجومية، في مركز الطريق.
خلال سنوات التكوين جاء الاتصال الأول بيوسف شاهين. كان النبوي في سنته الأخيرة في المعهد عندما شاهده المخرج على المسرح، قبل أن يستعين به لاحقًا في "القاهرة منورة بأهلها".
ستستغرق العلاقة بينهما وقتًا قبل أن تصل إلى البطولة، لكن تلك البداية وضعت النبوي مبكرًا أمام أحد المخرجين الذين سيغيرون مساره.
"الفيلم الثاني أهم من الأول"
دخل النبوي السينما عبر "ليلة عسل"، ثم جاء صلاح أبو سيف، الذي كان أحد أساتذته، ليختاره في "المواطن مصري". لكن الأثر الذي تركه أبو سيف لم يتوقف عند الدور نفسه.
حين تسلم النبوي جائزة فاتن حمامة للتميز في مهرجان القاهرة السينمائي عام 2025، عاد بعد أكثر من ثلاثة عقود إلى درس مبكر من أستاذه: "الفيلم التاني أهم من الأول". فالفيلم التالي، وفق الفكرة التي نقلها عنه، هو ما يثبت أن الممثل استحق الفرصة السابقة ولم يحصل عليها بالمصادفة.
تحدث النبوي عن شاهين بوصفه مخرجًا شديد الاهتمام بتفاصيل الممثل
تحولت العبارة مع الزمن إلى مفتاح مناسب لقراءة جانب من اختياراته. الفرصة الأولى تفتح الباب، لكن ما يأتي بعدها هو الذي يرسم الطريق.
هذه الفكرة ستظهر بوضوح أكبر حين وجد نفسه بعد سنوات قليلة أمام قرار أصعب: هل يواصل عدة مشاريع أصبحت متاحة أمامه، أم يترك بعضها ويتفرغ عامًا كاملًا لفيلم واحد مع يوسف شاهين؟
"المهاجر".. حين يترك الممثل فرصة من أجل أخرى
جاء "المهاجر" في مرحلة أصبح فيها خالد النبوي حاضرًا في السينما والتلفزيون. كان قد وقّع عقد فيلم "ديسكو ديسكو" مع إيناس الدغيدي، فيما كان فيلم "ضحك ولعب وجد وحب" من الأعمال المعروضة عليه. ثم طلب منه يوسف شاهين أن يتفرغ عامًا كاملًا لـ"المهاجر".
ذهب النبوي إلى الدغيدي ليخبرها بالموقف. ويتذكر أنها قطعت العقد وشجعته على اختيار شاهين، قائلة له، بحسب روايته: "اجري على يوسف شاهين". لم تكن اللحظة مجرد تبديل فيلم بآخر؛ كان أمام ممثل في بداية الطريق عمل مضمون بعقد، وفي الجهة الأخرى عام كامل لمشروع واحد مع مخرج شديد المتطلبات.
اختار "المهاجر".
صدر الفيلم عام 1994، ووضع النبوي في موقع مختلف داخل السينما المصرية، قبل أن يعود إلى عالم شاهين لاحقًا في "المصير". ويتحدث النبوي عن تجربة العمل مع شاهين باعتبارها مدرسة في تفاصيل الأداء والانضباط والتعامل مع الشخصية، لا مجرد محطة رفعت اسمه على شباك التذاكر.
هوليوود جاءت إليه.. لكنها لم تصبح الغاية
بعد نحو عقد على "المهاجر"، وصل اتصال آخر يفتح مسارًا جديدًا. هذه المرة لم يكن من مخرج مصري، وإنما من فريق فيلم "Kingdom of Heaven" للمخرج ريدلي سكوت.
يقول النبوي عن دخوله السينما العالمية: "لم أسع إليه". كان في منزله حين تلقى طلبًا لإجراء اختبار كاميرا، ثم دُعي إلى لقاء ريدلي سكوت وأجرى اختبارًا أمامه قبل اختياره للفيلم الذي صدر عام 2005.
قد تبدو المشاركة في إنتاج هوليوودي ضخم ذروة طبيعية لمسار ممثل عربي، لكن السنوات التالية كشفت أن النبوي لم يتعامل معها كتذكرة ينبغي الحفاظ عليها بأي ثمن.
خالد النبوي وغسان مسعود خلال المؤتمر الصحافي لفيلم Kingdom of Heaven في القاهرة، 19 مايو 2005 - غيتي
بعد "Kingdom of Heaven" شارك في "Fair Game" عام 2010، ثم حمل بطولة "The Citizen" عام 2012، الذي يتابع قصة مهاجر عربي يصل إلى الولايات المتحدة قبل يوم من هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، ثم يجد نفسه في مناخ تبدلت فيه نظرة المجتمع إلى العرب والمسلمين.
بين هذه الأعمال يظهر معيار آخر في الاختيار. فقد تحدث النبوي مرارًا عن رفض أدوار رآها تعيد إنتاج الصورة النمطية للعربي، وعن رغبته في أن تكون الشخصية التي يقدمها خارج المنطقة إنسانًا كاملًا، لا وظيفة درامية جاهزة مرتبطة بالإرهاب أو التخلف. وفي إحدى مقابلاته قال إنه تُعرض عليه أعمال كثيرة لكنه يختار ما يلائمه كممثل وما يتوافق أيضًا مع موقعه كإنسان قادم من العالم العربي.
بذلك لم تعد "العالمية" مرتبطة فقط بحجم الإنتاج أو اسم المخرج، وإنما بالسؤال نفسه الذي بدأ مبكرًا مع الفيلم الثاني: ماذا سيضيف هذا الدور إلى ما سبقه؟
خالد النبوي في مهرجان كان 2010 خلال تقديم Fair Game - غيتي
من يوسف شاهين إلى ريدلي سكوت
لا تقتصر أهمية الانتقال من يوسف شاهين إلى ريدلي سكوت على أن الأول عربي والثاني من أبرز مخرجي هوليوود. بالنسبة إلى ممثل، كانت التجربتان مدرستين مختلفتين في إدارة الأداء.
تحدث النبوي عن شاهين بوصفه مخرجًا شديد الاهتمام بتفاصيل الممثل، يتعامل مع حركة الممثل وصوته وجسده باعتبارها أجزاء من الصورة التي يبنيها. وفي المقابل، تحدث عن مساحة مختلفة وجدها أمام ريدلي سكوت، حيث يحصل الممثل على مجال أكبر لتقديم ما لديه قبل تدخل المخرج في إعادة ضبط المشهد.
المهم هنا أن الوصول إلى الإنتاج الدولي لم يلغِ ما تعلمه قبل ذلك. ظل المسار تراكميًا: ما أخذه من المسرح لا يختفي حين يدخل السينما، وما تعلمه أمام شاهين لا يسقط حين يقف أمام ريدلي سكوت.
لهذا تبدو فكرة "من المسرح المصري إلى هوليوود" ناقصة إذا قُرئت باعتبارها رحلة انتقال جغرافي فقط. ما تغيّر بالفعل هو عدد المدارس والأدوات التي أصبح الممثل قادرًا على التحرك بينها.
حين أعادته أميركا إلى المسرح
بعد السينما الأميركية، عاد خالد النبوي إلى المكان الذي بدأت فيه الحكاية: المسرح.
عام 2014 جسّد الرئيس المصري أنور السادات في مسرحية "Camp David" للكاتب لورنس رايت، بإخراج مولي سميث، في عرض Arena Stage بواشنطن. أعيد تقديم المسرحية لاحقًا عام 2016 على مسرح Old Globe في سان دييغو، مع النبوي مجددًا في شخصية السادات.
لكن العودة لم تكن حنينًا إلى البدايات. أصبح الممثل المصري هذه المرة مسؤولًا عن أداء شخصية مصرية تاريخية داخل نص أميركي وأمام جمهور أميركي.
ظهرت هنا مرة أخرى مسألة الصورة التي يقدمها عن المنطقة. النبوي قال لاحقًا إنه اعترض على معلومات أو عبارات في العرض رآها مغلوطة، وطلب تعديلها، رابطًا ذلك بما وصفه بأمانته تجاه الشخصية والتاريخ الذي يقدمه.
من خشبة يتعلم فوقها التمثيل في القاهرة إلى خشبة يناقش فوقها كيفية كتابة شخصية مصرية في الولايات المتحدة، صار المسرح نفسه يحمل وظيفة أخرى داخل المسار.
خالد النبوي بدور أنور السادات في مسرحية "Camp David"
الاختيار بقي أهم من اتجاه الطريق
واصل خالد النبوي التنقل بين السينما والتلفزيون والمسرح، وبين الشخصيات المعاصرة والتاريخية. قدّم طومان باي في "ممالك النار"، ثم الإمام الشافعي في "رسالة الإمام"، الذي عرضه "العربي 2" في رمضان 2023.
في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، كُرّم في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بجائزة فاتن حمامة للتميز، وعاد خلال التكريم نفسه إلى الأسماء التي صنعت البدايات: محمد عبد العزيز، وصلاح أبو سيف، ويوسف شاهين.
خالد النبوي خلال تكريمه بجائزة فاتن حمامة للتميز في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2025 - غيتي
لكن الجائزة، بعد أكثر من ثلاثة عقود، تعيدنا إلى جملة أبكر بكثير: "الفيلم الثاني أهم من الأول".
ربما تختصر تلك النصيحة تجربة النبوي أكثر مما تفعل قائمة طويلة من الأعمال. المسرح دفعه إلى تغيير طريق دراسته، وصلاح أبو سيف علّمه أن الفرصة التالية امتحان للسابقة، ويوسف شاهين جعله يترك عقدًا قائمًا من أجل عام كامل مع فيلم واحد. ثم جاءت السينما العالمية ففتح لها الباب من دون أن يقبل كل ما يأتي منها، قبل أن يعيده المسرح الأميركي إلى الخشبة من موقع مختلف تمامًا.