في المطارات الأميركية، يستطيع معظم المسافرين اليوم إبقاء أحذيتهم في أقدامهم أثناء التفتيش. القرار الذي اتخذته وزارة الأمن الداخلي في يوليو/ تموز 2025 أنهى إجراءً ارتبط لنحو عقدين بصورة أمن السفر بعد 11 سبتمبر/ أيلول.
بقيت في المقابل قيود السوائل، وأجهزة الفحص، والتحقق من الهوية، وقوائم المراقبة، فيما أصبح الوجه نفسه أداة لعبور بعض نقاط الحدود والمطارات.
تختصر هذه المفارقة جانبًا مهمًا من إرث الهجمات بعد 25 عامًا. بعض الإجراءات المرئية يمكن تخفيفه أو استبداله مع تطور التكنولوجيا، أما التحول الأعمق فحدث في مكان آخر: انتقلت نقطة التفتيش من البحث عما يحمله الإنسان إلى محاولة معرفة من يكون، وأين تحرك، وما الذي تقوله عنه البيانات المتاحة قبل وصوله أصلًا إلى الحاجز الأمني.
مسافر يخلع حذاءه عند نقطة تفتيش في مطار دالاس عام 2007، في مشهد أصبح أحد رموز أمن الطيران بعد 11 سبتمبر - غيتي
المطار.. المكان الذي ظهر فيه التحول أولًا
في 11 سبتمبر 2001، كان نظام أمن الطيران الأميركي مختلفًا جذريًا. تولت شركات خاصة متعاقدة مع شركات الطيران جانبًا كبيرًا من التفتيش، وكان بإمكان غير المسافرين دخول المناطق الآمنة بعد المرور بالفحص، فيما سمحت القواعد آنذاك ببعض السكاكين الصغيرة ذات الشفرات الأقل من أربع بوصات.
خلصت لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر لاحقًا إلى أن نقطة التفتيش نفسها كانت طبقة الحماية الرئيسية، وأن النظام لم يكن مصممًا لمواجهة السيناريو الذي وقع ذلك الصباح.
بعد 69 يومًا فقط، وقّع الرئيس جورج بوش الابن قانون أمن الطيران والنقل في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2001، ومنه وُلدت إدارة أمن النقل الأميركية "TSA". انتقلت مسؤولية التفتيش إلى مستوى اتحادي، واتسع فحص الأمتعة والمسافرين، وأصبح الوصول إلى المناطق الآمنة محصورًا على نحو أكبر بالمسافرين والعاملين المصرح لهم.
مع ذلك، فالمطار الذي نعرفه اليوم لم يُصمَّم في الأسابيع التالية للهجمات دفعة واحدة. كل إجراء أضيف لاحقًا جاء ردًا على محاولة اعتداء محددة:
- خلع الأحذية عند التفتيش أصبح قاعدة عامة بعد محاولة تفجير حذاء في ديسمبر/ كانون الأول 2001.
- منع السوائل بكميات كبيرة فُرض بعد إحباط مؤامرة في لندن عام 2006.
- أجهزة المسح الكامل للجسم انتشرت بعد محاولة تفجير طائرة في 2009.
كل إجراء من هذه الإجراءات قُدّم بوصفه استجابة مؤقتة لثغرة بعينها، لكنها تراكمت جميعًا لتصبح معيارًا ثابتًا في مطارات العالم، بما فيها مطارات لم تكن يومًا هدفًا مباشرًا لأي من تلك المحاولات.
من الحقيبة إلى الاسم
كشفت التحقيقات بعد الهجمات أن المشكلة لم تكن في أدوات التفتيش وحدها. أسماء بعض الخاطفين ظهرت في قواعد أو معلومات استخباراتية مختلفة، لكن البيانات لم تنتقل بين المؤسسات بالطريقة التي تسمح باستخدامها في الوقت المناسب.
لهذا وضعت لجنة 11 سبتمبر السفر والهوية في قلب توصياتها. دعت إلى توحيد قوائم المراقبة، وربط أجهزة الحدود والاستخبارات، وتطوير نظام دخول وخروج يعتمد على البيانات البيومترية، معتبرة أن كل محطة يمر بها المسافر — من طلب التأشيرة إلى بوابة الطائرة — فرصة للتحقق من هويته ومقارنة معلوماته بما لدى الدولة.
بدأ هذا الاتجاه قبل صدور تقرير اللجنة أيضًا. ففي 2003 أنشئ مركز أميركي موحد لفحص التهديدات، بعدما كانت مؤسسات مختلفة تحتفظ بقوائم منفصلة. ويشير مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن المركز جمع تلك القوائم في قاعدة اتحادية واحدة تضم بيانات تعريفية مثل الاسم وتاريخ الميلاد والبصمات.
حدث التغيير المؤسسي الأكبر في الوقت نفسه تقريبًا. فقانون الأمن الداخلي لعام 2002 أنشأ وزارة الأمن الداخلي الأميركية، التي جمعت 22 وكالة وبرنامجًا اتحاديًا كان بعضها موزعًا بين وزارات مختلفة. هكذا تحولت الاستجابة لهجوم واحد إلى إعادة تنظيم واسعة لجهاز الدولة نفسه.
قانون "باتريوت": نقطة الانطلاق التي لم تُقفل
التحول لم يتوقف عند الحدود. في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2001، بعد 45 يومًا من الهجمات، وقّع بوش قانون باتريوت، مانحًا سلطات إنفاذ القانون والاستخبارات أدوات أوسع للتحقيق وجمع المعلومات، ومسهّلًا مشاركة البيانات التي كانت موزعة بين أجهزة مختلفة.
الفكرة التي حكمت تلك المرحلة كانت أن أجهزة الدولة امتلكت قبل 11 سبتمبر أجزاءً من الصورة، لكنها أخفقت في جمعها. لهذا أصبح ربط النقاط هدفًا أمنيًا بحد ذاته، ومعه اتسعت قدرة المؤسسات على الوصول إلى أنواع مختلفة من السجلات وملاحقة الاتصالات المرتبطة بالأهداف محل التحقيق.
كان جزء من هذه الصلاحيات مؤقتًا في الأصل. عند إعادة تفويض القانون عام 2006، جعل الكونغرس 14 من أصل 16 بندًا كان مقررًا انتهاء العمل بها دائمة، مع إبقاء بندين أساسيين خاضعين للتجديد الدوري.
سنودن يكشف الجانب غير المرئي
عندما وقعت الهجمات، لم يكن الهاتف الذكي موجودًا بالشكل الذي نعرفه اليوم. بعد اثني عشر عامًا، أصبح العالم يحمل في جيبه أجهزة تنتج باستمرار بيانات عن الاتصالات والحركة والعلاقات والاستخدام الرقمي.
عام 2013، كشفت تسريبات إدوارد سنودن تفاصيل برامج مراقبة أميركية واسعة، وأصبح أحد أكثر جوانب دولة ما بعد 11 سبتمبر خفاءً موضوعًا عامًا.
على سبيل المثال، كان أحد البرامج التي أثارت أكبر قدر من الجدل كان جمع سجلات المكالمات الهاتفية بموجب المادة 215 من قانون باتريوت. كانت البيانات تشمل أرقام الاتصال وتوقيته ومدته، لا مضمون المكالمات، وتُستخدم للبحث عن الروابط بين أرقام مرتبطة بتحقيقات الإرهاب وشبكات أخرى.
هذه نقطة تحتاج إلى التفريق بين الإرث والاستمرار الحرفي. برنامج الجمع الشامل بتلك الصيغة لم يبقَ إلى اليوم؛ فقد حظر قانون USA FREEDOM عام 2015 الجمع بالجملة بموجب المادة 215، وانتقلت البيانات إلى شركات الاتصالات مع آلية قانونية أكثر تقييدًا للوصول إليها.
من الهاتف إلى الوجه
لم تنتهِ قصة المراقبة مع تعديل المادة 215. جاءت أدوات أخرى بقواعد قانونية مختلفة، من أبرزها المادة 702 من قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، التي أُقرت عام 2008 وتسمح باستهداف أشخاص غير أميركيين يُعتقد أنهم موجودون خارج الولايات المتحدة لجمع معلومات استخباراتية أجنبية. قد تتضمن المواد المجموعة اتصالات مع أميركيين، وهو ما جعل طريقة البحث داخلها وضمانات الخصوصية موضع خلاف مستمر.
خضعت المادة لإصلاحات جديدة في 2024، ثم عادت إلى قلب الصراع السياسي عام 2026. انتهى تفويضها التشريعي في يونيو/ حزيران بعد تعثر محاولات التجديد في الكونغرس، فيما أمكن استمرار بعض أنشطة الجمع لفترة بموجب شهادات قضائية سابقة. حتى أواخر يوليو/ تموز، كان التجديد لا يزال متعثرًا.
في المطارات والحدود، كان الاتجاه الموازي أكثر وضوحًا: الوجه نفسه أصبح وثيقة. وبحلول سبتمبر/ أيلول 2025، قالت الجمارك وحماية الحدود الأميركية إنها استخدمت المقارنة البيومترية للوجه مع أكثر من 807 ملايين عملية معالجة للمسافرين، وطبقتها عند الدخول في جميع المطارات الدولية الأميركية وعند الخروج في عشرات المطارات.
بهذه النقلة، لم تعد نقطة الأمن هي الجهاز الذي يمر خلاله المسافر فحسب. قد تبدأ العملية عند شراء التذكرة، ومقارنة الاسم بقوائم المراقبة، والتحقق من وثائق السفر، ثم مطابقة الوجه بالهوية عند الحدود.
مسافر يعبر بوابة تستخدم تقنيات التعرف إلى الوجه وقزحية العين في مطار دبي الدولي عام 2021 - غيتي
كيف يصبح الاستثناء عاديًا؟
تختلف الحجج حول هذه المنظومة. ترى الأجهزة الأمنية أن تعدد الطبقات وتبادل المعلومات والتعرف المبكر إلى المخاطر يقلل الاعتماد على نقطة واحدة يمكن تجاوزها. في المقابل، يركز المدافعون عن الخصوصية والحريات المدنية على سؤال مختلف: ما حدود البيانات التي تستطيع الدولة جمعها أو البحث فيها، وما الضمانات التي تمنع استخدام الأدوات المخصصة لمواجهة تهديد استثنائي في أغراض أوسع؟
المفارقة أن لجنة 11 سبتمبر نفسها طرحت المسألتين معًا. فقد دعت بقوة إلى تطوير قوائم المراقبة والبيومتريات وتبادل المعلومات، لكنها أوصت أيضًا بوضع قواعد تحمي الخصوصية والحريات الأساسية كلما اتسع جمع البيانات ومشاركتها.
السبب أن إجراء الطوارئ لا يبقى إجراءً منفردًا طويلًا. تنشأ حوله مؤسسة وميزانية وتقنية وقاعدة بيانات وقواعد تشغيلية. بمرور الوقت، يمكن تغيير جزء منه أو إلغاؤه، فيما تبقى البنية التي أنشأها وتنتقل إلى أدوات أحدث.
ربع قرن بعد الهجوم.. كم بقي من "الاستثناء"؟
ربما يشرح قرار إبقاء الأحذية في الأقدام خلال التفتيش ما تغيّر أكثر مما يشرح ما انتهى. تستطيع التكنولوجيا أن تجعل إجراءً كان ضروريًا في مرحلة سابقة أقل أهمية، فتختفي طقوس أمنية اعتادها المسافرون لعقود. في المقابل، تتوسع أدوات لا يراها الإنسان أصلًا.
قبل 11 سبتمبر، تركز أمن المطار بدرجة كبيرة على السؤال: ماذا تحمل معك؟
خلال السنوات التي تلت، أضيفت أسئلة أخرى: من أنت؟ هل يظهر اسمك في قاعدة بيانات؟ أين سافرت؟ هل تطابق صورتك الوثيقة التي تحملها؟ وما الذي يمكن أن تكشفه البيانات المتاحة عن شبكة علاقاتك؟
لهذا لا يتمثل الإرث الأمني الأعمق لـ11 سبتمبر في عبوة السوائل أو جهاز المسح أو الحذاء الذي كان يجب خلعه. يتمثل في اتساع نقطة التفتيش نفسها.