بدأت مدن أميركية منذ سنوات الاستعانة بكاميرات ذكية في الشوارع باعتبارها أداة لمكافحة الجريمة، تساعد الشرطة في العثور على السيارات المسروقة وتعقب المركبات المرتبطة بجرائم.
لكن الجدل المحيط بشركة "فلوك سيفتي" الأميركية يكشف كيف يمكن لتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي أن يوسّع نطاق المراقبة.
الاعتماد على أوصاف مرئية
وبدأ الجدل بعدما أتاحت الشركة البحث باللغة الطبيعية في تسجيلات فيديو متصلة بأنظمتها استنادًا إلى أوصاف مرئية للأشخاص، مثل الملابس والإكسسوارات، من دون الاعتماد على تقنية التعرف على الوجه.
وتُعد "فلوك سيفتي" من أبرز الشركات التي توفر أنظمة قراءة لوحات السيارات لجهات إنفاذ القانون والمجتمعات المحلية في الولايات المتحدة.
وتقول الشركة إن كاميرات قراءة اللوحات التابعة لها تلتقط بيانات المركبات، مثل اللوحات وخصائص السيارة والموقع والتوقيت، ولا تستخدم تقنية التعرف على الوجه أو البيانات البيومترية.
لكن قدرات البحث التي توفرها الشركة لم تعد محصورة في بيانات المركبات، إذ تتيح أداة "فري فورم" للمحققين استخدام أوصاف مكتوبة بلغة طبيعية للبحث عن أدلة داخل أنظمة مفعلة لهذا الغرض، بما في ذلك الملابس والإكسسوارات الظاهرة واتجاه الحركة.
وأكدت "فلوك" أن عمليات البحث عن الأشخاص لا تستخدم التعرف على الوجه أو تقنيات التعرف البيومتري، وإنما تعتمد على الخصائص المرئية غير البيومترية التي تظهر في تسجيلات الفيديو، مثل الملابس والإكسسوارات.
مراقبة أوسع
وتثير هذه القدرة مخاوف مختلفة عن تلك المرتبطة بالتعرف على الوجه لأنها تمنح المحقق إمكانية إدخال وصف مرئي والبحث عن أشخاص قد تتطابق صورهم معه داخل التسجيلات المتاحة للنظام، بدلًا من الانطلاق من هوية شخص معروف والبحث عنه.
ويعني ذلك، وفق مخاوف أثارها مدافعون عن الخصوصية، أن الأشخاص الذين لا يخضعون لتحقيق قد يظهرون ضمن نتائج البحث لمجرد تشابه ملابسهم أو مظهرهم الخارجي مع وصف يبحث عنه المحقق.
وفي المقابل، تقول "فلوك" إن أداة "فري فورم" صُممت لمساعدة المحققين في التعامل مع كميات كبيرة من التسجيلات والعثور على أدلة استنادًا إلى أوصاف يقدمها الشهود، مؤكدة أن البحث عن الأشخاص يعتمد على خصائص مرئية غير بيومترية ولا يهدف إلى تحديد هوية شخص بعينه.
وتأتي المخاوف بشأن قدرات البحث الجديدة ضمن جدل أوسع يحيط بشبكة بيانات "فلوك" وكيفية الوصول إليها ومشاركتها بين جهات إنفاذ القانون، ولا سيما مع تصاعد الجدل بشأن استخدام بيانات قارئات لوحات السيارات في تحقيقات مرتبطة بإنفاذ قوانين الهجرة.
وقد دفعت هذه القضية بعض السلطات المحلية إلى إعادة النظر في استخدامها للتكنولوجيا، وسط تساؤلات عما إذا كانت أنظمة جرى شراؤها في الأساس لمكافحة سرقة السيارات والجريمة يمكن أن تُستخدم لأغراض أوسع لم تكن المجتمعات المحلية على علم بها عند التعاقد عليها.
أخطاء مكلفة
ولا تقتصر الانتقادات على الخصوصية، إذ أثارت أخطاء أنظمة قراءة لوحات السيارات تساؤلات بشأن مخاطر الاعتماد على نتائج آلية في قرارات أمنية قد تكون لها عواقب مباشرة على الأفراد.
وفي مارس/ آذار الماضي، كشف موقع "بيزنس إنسايدر" عن حالات أدت فيها قراءات خاطئة للوحات السيارات إلى توقيف أشخاص أبرياء.
وفي إحدى الحالات بمدينة توليدو في ولاية أوهايو، أخطأت كاميرا تابعة لـ"فلوك" في قراءة الرقم "7" في لوحة سيارة على أنه "2"، ما أدى إلى مطابقة خاطئة مع مركبة مسروقة وتوقيف قائد السيارة.
وتوضح الواقعة أحد أبرز المخاطر المرتبطة بهذه الأنظمة، إذ يمكن لخطأ تقني في قراءة رقم واحد أن يتحول إلى معلومة أمنية خاطئة، ما لم يتحقق عناصر الشرطة بصورة مستقلة من النتائج التي تولدها الأنظمة الآلية قبل اتخاذ إجراء ضد الأشخاص.
تراجع استخدام كاميرات "فلوك سيفتي"
وفي تطور يعكس حجم الجدل، قررت شرطة لوس أنجلوس في يوليو/ تموز الجاري عدم تجديد اتفاقها مع "فلوك سيفتي" بعد انتهاء مدته، وسط مخاوف تتعلق بالحريات المدنية والخصوصية وملكية البيانات وأمنها وكيفية مشاركتها.
وكانت الشرطة تستخدم 138 كاميرا تابعة للشركة في المدينة منذ 2023، بحسب موقع "تيك كرانش" المختص.
كما امتد التراجع عن استخدام كاميرات الشركة إلى مناطق أخرى. ففي ولاية كونيتيكت، قررت بلدة كيلينغوورث إزالة كاميرات قراءة اللوحات التابعة لـ"فلوك"، بعد خطوة مماثلة من بلدة ويندسور، وسط مخاوف مرتبطة بالخصوصية واستخدام بيانات هذه الأنظمة في إنفاذ قوانين الهجرة.
وبينما تتمسك "فلوك سيفتي" بأن أنظمة قراءة اللوحات التابعة لها لا تستخدم التعرف على الوجه وأن الوصول إلى البيانات يخضع لضوابط، فإن الجدل المتصاعد يكشف عن سؤال يتجاوز تقنية بعينها.
فمع قدرة الذكاء الاصطناعي على تحويل الصور ومقاطع الفيديو إلى قواعد بيانات قابلة للبحث باللغة الطبيعية، أين تنتهي أدوات التحقيق في الجرائم، وأين تبدأ المراقبة الواسعة لأشخاص لم يكونوا موضع اشتباه أصلًا؟