في تغطية الحروب إعلاميًا، تبقى هناك أسرار كثيرة لا يعرفها سوى الصحافيين، وتحديدًا أولئك الذين يعيشون الأحداث لحظة بلحظة، سواء داخل المؤسسات الإعلامية أو في الميدان.
لم يكن مشهد التغطيات الإعلامية خلال حرب لبنان عام 2026 عابرًا، إذ إن الخطر الإسرائيلي الذي طال الإعلاميين، وصولًا إلى استهدافهم وقتلهم، جعل العالم بأسره شاهدًا على جرائم تُرتكب بحق الصحافة والعاملين فيها.
كانت آمال خليل آخر شهداء الميدان، وهي الصحافية اللبنانية التي قتلتها إسرائيل في بلدة الطيري جنوبي لبنان، فيما سبقتها عمليات استهداف واغتيال طالت صحافيين آخرين، في إطار سياسة ممنهجة ومقصودة ضد الإعلاميين.
ماذا بقي في ذاكرة الصحافيين من حروب الماضي؟
بين الميدان وغرف الأخبار، تبقى المخاطر قائمة مهما اختلف الزمن وتعاقبت السنوات، خصوصًا أن المواجهة بين لبنان وإسرائيل قديمة ومتواصلة.
ومنذ عقود، لعب الصحافيون دورًا محوريًا في تسليط الضوء على الحروب الإسرائيلية ضد لبنان، ولا سيما أولئك الذين عاشوا لحظات صعبة تحت القصف والاحتلال.
ورغم كثرة الشهادات التي نُقلت عن تغطية الحرب في لبنان اليوم، فإن شهادات الصحافيين الذين واكبوا الحروب الإسرائيلية الأولى على لبنان، وخصوصًا في عامَي 1978 و1982، لا تزال قليلة الحضور، رغم ما تختزنه من تفاصيل وتجارب استثنائية.
تغيّرت الأدوات، وتطوّرت التقنيات، وفرضت التكنولوجيا الحديثة نفسها على المشهد الإعلامي. غير أن السؤال الذي بقي حاضرًا هو:
بلا خرائط ولا هواتف.. هكذا وصل المصورون إلى مناطق الخطر
جمال السعيدي، مصور لبناني عاصر الحروب الإسرائيلية على لبنان منذ عام 1978، وصولًا إلى اجتياح عام 1982 وما تبعه من أحداث مفصلية دخلت تاريخ لبنان المعاصر، إضافة إلى الحروب التي شنتها إسرائيل خلال تسعينيات القرن الماضي، ولا سيما في أعوام 1993 و1996 و2006.
ويُعدّ السعيدي من أبرز المصورين اللبنانيين الذين وثقوا أحداث الحروب ميدانيًا، إذ شهد على محطات مفصلية جعلت من تجربته الصحافية استثنائية، بما تختزنه من دروس وعِبر مهنية وإنسانية.
وفي حديث إلى موقع التلفزيون العربي، يستعيد السعيدي ذكريات الحروب وتجارب التغطية الميدانية، مستذكرًا محطات لا تزال راسخة في ذاكرته خلال عمله مصورًا صحافيًا آنذاك، ويقول:
"وثّقت الاجتياح الإسرائيلي الأول لجنوب لبنان عام 1978، وبعد ذلك غطّيت اجتياح عام 1982 والأحداث التي تلته. كان عملنا محفوفًا بالمخاطر، كما أن وسائل الاتصال لم تكن متوافرة كما هي اليوم، بل كانت نادرة جدًا في الميدان".
ويستذكر السعيدي تفاصيل مهنية عن التغطيات الحربية، موضحًا أن "المصورين كانوا يخرجون ضمن مجموعات لالتقاط الصور"، مشيرًا إلى أن التنقل كان يتم في مناطق خطرة، فيما كان البقاء في أماكن آمنة نسبيًا يساهم في الحفاظ على الحياة واستمرار العمل المهني.
ويضيف:
"كانت لدينا قاعدة أساسية في تغطية الحرب، وهي أنه عندما تصل إلى مكان ما، يجب أن تؤمّن طريقة خروجك منه. تعلمت هذا الأمر ممن سبقونا في المهنة، وكان صحيحًا لأن سلامتنا كانت دائمًا أولوية".
-
صبرا وشاتيلا.. حين تأخر دخول المصورين اللبنانيين
يلفت السعيدي في حديثه إلى موقع التلفزيون العربي إلى أنه وثّق مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، وهي من أبشع المجازر التي ارتُكبت بحق اللاجئين الفلسطينيين في بيروت في سبتمبر/ أيلول من ذلك العام.
ويقول:
"لم نتمكن، كمصورين لبنانيين، من دخول المخيم لتوثيق المجزرة إلا بعد يومين تقريبًا من انتهائها. في المقابل، استطاع المصورون الأجانب الدخول فور انتهائها تقريبًا، لأنهم كانوا يتمتعون بحصانة أكبر منا. هذا الأمر يكشف حجم الخطر الذي كان يحيط بالمصورين اللبنانيين، لأننا كنا نعرف طبيعة ما نوثقه داخل المخيم أكثر من غيرنا، وربما لم يكن ذلك يروق للجهات التي كانت تسيطر على المنطقة".
ويتابع السعيدي أنه تنقل خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 بين بيروت ومناطق أخرى، موضحًا أنه وثّق معركة خلدة الشهيرة بين مقاومين لبنانيين والجيش الإسرائيلي عقب الاجتياح. ويشير إلى أنه استطاع رصد مشاهد من المعارك من منطقة الشويفات المحاذية لخلدة، نظرًا إلى خطورة الاقتراب من نقاط الاشتباك المباشرة.
وخلال حديثه، يتطرق السعيدي إلى تفاصيل مهنية عن ظروف عمل المصورين آنذاك، ويقول: "لم تكن وسائل الاتصال متوافرة، وكنا نضطر إلى قطع مسافات طويلة لإجراء مكالمة هاتفية إن وجد هاتف أساسًا".
ويضيف:
"كنا نسأل المدنيين الفارين عمّا يجري في المناطق التي قدموا منها، كما كنا نتحدث مع المسلحين لمعرفة أماكن التوتر بهدف التوجه إليها وتصوير ما يحدث هناك".
"الناس كانوا يرشدوننا إلى الطرق الآمنة وينبهوننا إلى أماكن وجود القوات الإسرائيلية. بالفعل، كان المدنيون خير دليل للمصورين في تلك المرحلة، في ظل غياب أي وسائل اتصال تساعدنا على معرفة الأماكن الساخنة بسهولة، كما هو الحال اليوم مع الهواتف الذكية والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي التي سهّلت العمل الصحافي إلى حد كبير".
ويكشف السعيدي أنه حوصر في منطقة الشويفات أثناء تغطيته معركة خلدة، مشيرًا إلى أنه اضطر إلى الانتظار لبعض الوقت قبل أن يتمكن من الخروج من المنطقة مع تقدم القوات الإسرائيلية عام 1982.
"عام 1978، وخلال الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان، حين أقامت إسرائيل منطقة أمنية في الجنوب، وصلتُ إلى منطقة الليطاني وتحديدًا إلى محلة بئر السلاسل قرب بلدة شقرا، كما وصلت إلى البازورية وكفردونين. أحيانًا، كنا نتفاجأ بوجود مقاومين ومسلحين في بعض المناطق، وكانوا يرشدوننا إلى طرق الخروج الآمنة".
"ذات مرة، حوصرت في الجنوب، وساعدني مقاتلون فلسطينيون على الخروج بعدما أرشدونا إلى كيفية الوصول إلى مناطق آمنة. في الواقع، جاء لقاؤنا بهم صدفة، لكننا كنا نلتزم دائمًا بالإرشادات التي يقدمونها لنا، لأن المقاتل في الميدان يكون أكثر إدراكًا للواقع الأمني منّا".
-
حين وثّقت الكاميرا المعركة لحظة وقوعها
وعن تغطيات اليوم، يقول السعيدي إن التجارب التي عاشها علّمته الكثير من القواعد التي يجب أن يعرفها المصورون حاليًا، مضيفًا:
"كنا دائمًا نأخذ حذرنا، ولا نبقى طويلًا في مكان الحدث. كنا نلتقط الصورة ونغادر فورًا، لأن ذلك ضروري لسلامتنا، ومن لا يفعل ذلك فإنه يعرّض نفسه للخطر".
واليوم، أصبح التقاط الصورة أكثر سهولة، إذ بات بالإمكان توثيق الأحداث الكبرى عبر كاميرات الهواتف المحمولة. وخلال حرب عام 2026، سبقت الصور التي التقطها المواطنون بهواتفهم اللقطات التي وثقها المصورون الصحافيون. وبات المواطن، من دون أن يدري، يؤدي دور "المراسل"، عبر توثيق الحدث ونقله، فيما تأتي الصحافة لاحقًا لتدقيق المشهد وتوثيقه باحترافية أكبر.
وأمام هذا التحول، يقول السعيدي إن "آلية الحصول على الصورة في الماضي كانت معقدة، إذ تبدأ بتحميض الفيلم وصولًا إلى الطباعة، فيما كان إرسال صورة واحدة بالأبيض والأسود يحتاج إلى نحو ساعة كاملة عبر أجهزة إرسال واستقبال وخط هاتف".
ويختم السعيدي حديثه بالتأكيد أن توثيق الأحداث لا يكون دائمًا بعد وقوعها، بل قد يحدث في لحظتها أيضًا، كاشفًا أنه تمكن من توثيق عملية ضد الجيش الإسرائيلي في منطقة غاليري سمعان شرقي بيروت، ويقول:
"كنت أمر قرب كنيسة مار مخايل حين شاهدت مقاومين ينفذون عملية ضد آليات إسرائيلية. بعد انسحاب المجموعة المقاتلة، رأيت الجنود الإسرائيليين القتلى داخل الملالة العسكرية. كان الحدث مفاجئًا، لكنني تمكنت من توثيقه في لحظته، وهذا أمر نادر الحدوث".
من جسر الأولي.. شاهد على انسحاب الاحتلال
تُعدّ لحظة وقوف الصحافي اللبناني سمير منصور على جسر الأولي عام 1985 لتوثيق انسحاب الجيش الإسرائيلي من مدينة صيدا جنوبي لبنان، واحدة من أبرز اللحظات الصحافية التاريخية المرتبطة بالحرب اللبنانية. يومها، كان منصور مراسلًا لـ"تلفزيون لبنان"، ينقل وقائع الانسحاب الإسرائيلي ويوثق مشهدًا انتظره أبناء المدينة طويلًا بعد المقاومة والمعاناة تحت الاحتلال.
وفي حديث إلى موقع التلفزيون العربي، يستعيد منصور تفاصيل دقيقة من تغطيات يعود عمرها إلى أكثر من 40 عامًا، مشيرًا إلى أن تجربته في الصحافة والعمل السياسي جعلته يواكب محطات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث.
ويقول منصور إن "تلفزيون لبنان كان الشاشة الوحيدة في البلاد، والجميع كان يتابع ما تبثه"، مضيفًا:
"عبر تلك الشاشة وثّقنا أحداثًا كثيرة، كما كنا نحرر نشرات الأخبار بأنفسنا قبل بثها. لم يكن هناك ترف في العمل آنذاك، فالاستديوهات كانت متواضعة، والتقنيات محدودة، فيما كانت المخاطر تحيط بنا من كل جانب".
ويستذكر منصور حادثة نجا فيها من الموت خلال اشتباكات اندلعت بين ميليشيات في محيط مبنى تلفزيون لبنان، ويقول:
"لا أنسى تلك اللحظة حين سمعت شيئًا يمر بجانبي، ليتبين لاحقًا أنه رصاص حارق ومتفجر اخترق مبنى التلفزيون واستقر داخله".
"في ذروة الحرب، كانت التنقلات شديدة الصعوبة. ذات مرة اضطررنا إلى المرور فوق الإطارات المشتعلة في منطقة الأوزاعي جنوبي بيروت، فيما كانت الفوضى تعم البلاد".
القاسمية مجددًا.. حين تتكرر مشاهد الحرب
يشير منصور إلى أنه عايش أحداثًا كثيرة، بدءًا من الاجتياح الإسرائيلي عام 1978 وصولًا إلى اجتياح 1982 وما تلاه من تطورات، مؤكدًا أن وسائل الاتصال في تلك المرحلة لم تكن متوافرة أو سهلة كما هي اليوم. ويضيف:
"أذكر أننا، خلال وجودنا في صيدا للتغطية، كنا نتوجه إلى مستشفى غسان حمود لإجراء مكالمات هاتفية، لأن العثور على هاتف في المدينة كان أمرًا بالغ الصعوبة. كما جرى تجهيز غرف داخل المستشفى لإقامة الصحافيين، في ظل عدم وجود فنادق مناسبة آنذاك".
ويعود منصور بذاكرته إلى لحظة تغطيته الانسحاب الإسرائيلي من صيدا في فبراير/ شباط 1985، قائلًا:
"كانت لحظة تاريخية لا يمكن أن أنساها. تلقينا يومها معلومات من قوات الأمم المتحدة تفيد بأن إسرائيل ستنسحب من جسر الأولي الذي يربط جبل لبنان بالجنوب. توجهنا فورًا من وسط صيدا إلى المنطقة، وما إن وصلنا حتى شاهدنا الدبابات الإسرائيلية تتحرك وتنسحب. حينها، رأيت موشيه ليفي، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، يشرف شخصيًا على عملية الانسحاب من داخل دبابة".
وخلال حرب عام 2026، قصفت إسرائيل جسر القاسمية لقطع الطريق بين مدينتي صيدا وصور، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور الحروب السابقة. وقد بدا مشهد تدمير الجسر الرئيسي مروعًا، قبل أن تستهدف إسرائيل لاحقًا الجسر البحري أيضًا.
ويقول منصور إن مشهد انقطاع طريق القاسمية تكرر قبل أكثر من أربعة عقود، موضحًا أن مروحية تابعة لقوات "اليونيفيل" نقلت الصحافيين آنذاك إلى مدينة صور، لكن إسرائيل قصفت طريق القاسمية لاحقًا، ما جعل العودة إلى صيدا ثم بيروت شديدة الصعوبة.
"اضطررنا حينها إلى التوجه نحو النبطية قبل العودة إلى بيروت. بالفعل، المشهد نفسه يتكرر، وكأن ما حدث قبل عقود يُعاد اليوم بتفاصيله ذاتها".
وعن تغطيات اليوم، يشدد منصور على أهمية التمسك بالمصداقية والموضوعية في العمل الصحافي، ويقول:
"التغطية الميدانية تحتاج إلى مسؤولية، وإلى كلمة وطنية تنقل الحقيقة لا التزييف. مع مرور الزمن، تعلمنا الكثير من الدروس، فالحرب قاسية، ودور الصحافي لا يقتصر على نقل الحدث فقط، بل يشمل توثيق مرحلة كاملة، وإيصال صوت الناس، وتثبيت الحقيقة، ونقل المشهد بمهنية ومصداقية، وهذا ما يمنح الصحافي قيمته الحقيقية".
بلا حماية.. صحافيون في قلب اجتياح 1982
"من أقسى التجارب في حياتي ومسيرتي الصحافية رؤية الجنود الإسرائيليين في العاصمة بيروت"..
بهذه العبارة افتتح الصحافي اللبناني الدكتور راغب جابر حديثه لموقع التلفزيون العربي، مستعيدًا جانبًا من تجربته المهنية خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982.
في تلك المرحلة، كان جابر يعمل صحافيًا في جريدة "الشرق"، وقد واكب قبل الاجتياح نشاطات الثورة الفلسطينية في لبنان بقيادة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات "أبو عمار"، وصولًا إلى عام 1982 الذي شكّل محطة مفصلية مع احتلال إسرائيل للعاصمة اللبنانية.
ويتحدث جابر بعمق عن تجربته الصحافية خلال الاجتياح، مشيرًا إلى أن التغطيات الميدانية كانت تُنفذ من دون أي ضمانات أو وسائل حماية للصحافيين، خلافًا لما هو متوافر اليوم. ويقول:
"لم تكن لدينا دروع واقية ولا ضمانات ولا تأمينات صحية. كنا نذهب إلى التغطيات بملابسنا العادية، كما أن المؤسسات الإعلامية لم تكن تمنحنا بدلات إضافية مقابل العمل الميداني، لأنها كانت تعتبر ذلك جزءًا طبيعيًا من مهامنا الصحافية".
ويستذكر جابر حادثة خطيرة كادت تودي بحياته خلال إحدى التغطيات، موضحًا:
"عام 1982، توجهنا إلى منطقة خلدة لتغطية القصف الإسرائيلي الذي استهدف منتجع Young Beach. وأثناء وجودنا هناك، شنّ الطيران الإسرائيلي غارة جديدة على المكان نفسه. حينها، شاهدت الطائرة ترتفع عن سطح الأرض نحو 50 مترًا، وكان المشهد بالغ الخطورة. في لحظة القصف، بدت الطائرة وكأنها كتلة من النار، وفي النهاية نجونا من الموت".
ويؤكد جابر أن المخاطر التي كانت ترافق التغطيات الحربية آنذاك كانت كبيرة جدًا، خصوصًا في ظل صعوبة التنقل بين المناطق بسبب الحواجز المسلحة المنتشرة في كل مكان.
وفي المقابل، يكشف عن حادثة وثقها بنفسه ودخلت في سياق المواجهات ضد إسرائيل داخل بيروت، ويقول: "بالصدفة، كنت أمر في منطقة البطركية حين شاهدت مجموعة مسلحة تستهدف دبابة إسرائيلية بقذيفة مضادة للدروع. كانت تلك لحظة مفصلية، لأنني وثقت حدثًا وقع أمامي مباشرة وشكّل تحولًا في المواجهات ضد إسرائيل. الصحافي الحقيقي هو من ينقل المشهد بأمانة كما يراه".
كما يكشف جابر عن معلومات وأسرار كان يطلع عليها خلال عمله الصحافي في تلك المرحلة، ويقول:
"خلال الاجتياح، كنا نعلم أن ياسر عرفات لم يكن يبيت في المكان نفسه يومين متتاليين، إذ كان يختار منزلًا مختلفًا كل ليلة لأسباب أمنية. كذلك، كانت تصلنا معلومات تفيد بأن قيادات فلسطينية كانت تنام داخل سفارات دول صديقة بتغطية من بعض السفراء، فيما كان مسؤولون عسكريون وسياسيون آخرون يبيتون في العراء داخل أماكن مفتوحة".
ويلفت جابر إلى أن العمل الصحافي خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي لبيروت لم يكن سهلًا، في ظل احتلال العاصمة وصعوبة الحركة فيها، مضيفًا: "في تلك المرحلة، لم نكن نعرف حقوقنا كصحافيين. كنا نعيش المغامرة من أجل الوصول إلى الخبر، بينما كنا نقارن أوضاعنا بأوضاع الصحافيين الأجانب الذين كانوا يمتلكون كل وسائل الحماية والضمانات، في وقت كنا نحن نفتقر إلى أبسط مقومات الأمان".
ويختم جابر حديثه بالتأكيد أن جوهر التغطيات الحربية لم يتغير، لكن أدوات العمل الإعلامي تبدلت بشكل كبير، ويقول:
"اليوم، ما زلنا أمام حروب فعلية، لكن العمل الإعلامي أصبح أسهل مع تطور التقنيات ووسائل الاتصال. في الماضي، كانت الصحافة المكتوبة هي الأساس، أما اليوم فتعددت أشكال الصحافة، وأصبح وصول الخبر أسرع بكثير من أي وقت مضى".
حين تتحول غرفة الأخبار إلى خلية طوارئ
صحيح أن مصطلح "التغطيات" يرتبط غالبًا بالعمل الصحافي الميداني، إلا أنه يشمل أيضًا ما يجري داخل المؤسسات الإعلامية وغرف الأخبار، حيث تُخاض معركة مختلفة عنوانها السرعة والدقة ومواكبة التطورات المتلاحقة.
السعيدي ومنصور وجابر استعادوا وقائع تغطيات تعود إلى أكثر من 40 عامًا، مؤكدين أن جوهر العمل الصحافي لم يتغير كثيرًا، سواء لناحية رصد الشارع أو توثيق الدمار أو نقل شهادات الناس. لكن، في المقابل، هناك نوع آخر من "التغطية الحربية" يدور داخل الاستديوهات، يبدأ من المتابعة والرصد والتحرير، وصولًا إلى إعداد النشرات الإخبارية، وإدارة البث المباشر، ومواكبة الأحداث على مدار الساعة.
وفي هذا السياق، تحدث موقع التلفزيون العربي مع الإعلامية في "تلفزيون لبنان" نوال الأشقر، والإعلامية في قناة "الجديد" ريمان ضو، للوقوف عند تفاصيل التغطية الإعلامية خلال حرب عام 2026، وكشف طبيعة العمل داخل غرف الأخبار في ظل الحرب التي عاشها لبنان والمنطقة عقب اندلاع الحرب الإيرانية - الأميركية في 28 فبراير/ شباط 2026.
تقول الأشقر إن "النشرة الحربية" ليست تجربة جديدة، بل بدأت ملامحها منذ مرحلة إسناد حزب الله لغزة خلال عامَي 2023 و2024، مضيفة: "خلال تلك الفترة، والتي لا تزال مستمرة بوتيرة أخف، يتحول إعداد النشرة إلى سباق دائم مع الوقت، في ظل ضغوط يفرضها الميدان المشتعل لحظة بلحظة". "ترتيب النشرة وبنيتها قد يتغيران مرات عدة خلال النشرة الواحدة، تبعًا للتطورات المتسارعة. أحيانًا، يطرأ حدث قبل دقائق من البث فيتحول فورًا إلى الخبر الرئيسي، ما يفرض تعديل العناوين وإعادة صياغة سياق النشرة بالكامل، وهو واقع يستدعي استنفارًا دائمًا من جميع أفراد فريق العمل. كما أن النقص في عدد المراسلين والتقنيين يزيد من حجم الضغوط لإنجاز المادة الإخبارية بمختلف عناصرها".
ما تحدثت عنه الأشقر يتقاطع مع تجربة ريمان ضو، التي تؤكد أن الأحداث المفاجئة كثيرًا ما تجعل المواد الإخبارية المعدة مسبقًا غير صالحة للبث. وتقول ضو:
"هناك حادثتان تؤكدان ذلك بوضوح. الأولى كانت يوم 28 سبتمبر/ أيلول 2024، حين أُعلن اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله قرابة الساعة الثانية والنصف ظهرًا، بالتزامن مع موعد النشرة الإخبارية. حينها، أصبحت جميع المواد الإخبارية غير صالحة، وسادت حالة من الارتباك، ما فرض تحركًا استثنائيًا لفتح الهواء ومواكبة الحدث".
الحادثة الثانية كانت يوم الأربعاء 8 أبريل/ نيسان 2026، خلال ما عُرف بـ'الأربعاء الأسود'، عندما شنت إسرائيل غارات واسعة على بيروت ومناطق لبنانية أخرى بين الثانية والثانية والنصف ظهرًا، وهو توقيت النشرة الإخبارية. عندها، تغيرت الأولويات بالكامل، وأصبح واجبنا مواكبة التطورات الميدانية وسط مخاوف من تجدد القصف، فتم فتح الهواء مباشرة أمام المراسلين لنقل الوقائع لحظة بلحظة. بطبيعة الحال، مثل هذه الضغوط المفاجئة تتطلب حكمة ومسؤولية ومصداقية عالية".
بين الخوف والمهنية.. يوميات غرف الأخبار في الحرب
تتفق ضو والأشقر على أن المصداقية والموضوعية تمثلان أساس التغطية الإعلامية، كما تشددان على أن التحقق من المعلومات أولوية لا يمكن التهاون بها، حتى لو جاء ذلك على حساب السبق الصحافي.
وفي خضم هذه الظروف، تتحول غرف الأخبار في "الجديد" و"تلفزيون لبنان" وسواهما إلى خلايا عمل في حالة استنفار شبه دائم. وتوضح ضو أن البث يستمر على مدار 24 ساعة خلال الحرب لمواكبة كل التطورات، فيما تشير الأشقر إلى أن المسؤوليات داخل غرف الأخبار تتضاعف مع تسارع الأحداث.
وتقول الأشقر:
"في بعض الأحيان أكون منتجة الأخبار، ورئيسة التحرير، ومذيعة النشرة في الوقت نفسه. أذكر أنه خلال 'الأربعاء الأسود'، حين استُهدفت بيروت بسلسلة غارات متتالية، اضطررت للبقاء لساعات داخل غرفة التحكم لمواكبة المذيعة وتزويدها بالأخبار أولًا بأول، إلى جانب إجراء الاتصالات لتأمين ضيوف سياسيين ومحللين عسكريين، والتنسيق مع المراسلين"
"في ذلك اليوم، كان عليّ أيضًا استكمال التغطية الحوارية في الاستديو، إضافة إلى تقديم النشرة المسائية. كان الضغط هائلًا، وانتهى الأمر بحالة شبه انهيار، ما دفع أحد الزملاء إلى تولي تقديم النشرة بدلًا مني في اللحظة الأخيرة بعد أن لاحظ حجم الإرهاق الذي أصابني".
وبالنسبة إلى ريمان ضو، فإن إعداد النشرات الإخبارية خلال الحرب يحتاج إلى قدر عالٍ من المسؤولية، فيما ترى الأشقر أن الضغط داخل غرف الأخبار لا يقل قسوة عن ضغط الميدان.
وتقول:
"خلال تغطية حرب 2023، كنت على تواصل هاتفي مع فريقنا الموجود في القرى الجنوبية لتنسيق العمل، وفجأة سمعت دوي انفجار قبل أن ينقطع الاتصال بالكامل. كانت لحظات عصيبة جدًا قبل أن نتمكن من إعادة التواصل والاطمئنان إلى سلامة الفريق. إنها مسؤولية ثقيلة وضغط نفسي متراكم، إلى جانب الخوف الدائم من نقل معلومة غير دقيقة".
في المقابل، تؤكد ضو أن سلامة المراسلين تأتي في مقدمة الأولويات خلال الحرب، مشيرة إلى أن حرب 2026 فرضت على المراسلين التمركز ضمن مجموعات وعدم التحرك بشكل فردي.
وتوضح: "كان على أي مراسل يريد الانتقال إلى مكان ما أن يحصل أولًا على موافقة غرفة التحرير، لأن المسؤولية كبيرة جدًا، ولا يمكن القبول بأي خطوة قد تعرض حياة الصحافي للخطر".
وفي سياق حديثها، تستذكر نوال الأشقر واحدة من أصعب اللحظات التي عاشتها، عندما استُهدف مبنى مجاور لمبنى "تلفزيون لبنان" أثناء وجودها على الهواء مباشرة. وتقول:
"كنت في الاستديو مع جنرال عسكري نتابع تطورات التصعيد الإسرائيلي واستهداف بيروت الإدارية، وفجأة دوّى انفجار هائل هزّ الاستديو. في تلك اللحظة، امتزج الخوف الشخصي بالواجب المهني، إذ كان عليّ أن أعلّق مباشرة على الغارة وعلى مقاطع الفيديو التي وصلت من المصورين، بينما كانت الاتصالات تنهال على هاتفي من زوجي وأهلي وأولادي وأصدقائي".
"لم أكن قادرة على الرد لطمأنتهم بسبب البث المباشر، كما أنهم لم يكونوا يشاهدونني على الهواء لأن التغطية لم تكن مقررة أساسًا. لا أنكر أنني حبست دموعي، لكن صوتي اختنق. هنا يتداخل الخوف على حياتك مع الالتزام المهني".
وتضيف الأشقر:
"مرت علينا لحظات أكثر قسوة، خصوصًا عند التعليق المباشر على انهيار مبانٍ فوق رؤوس سكانها وسقوط ضحايا. ليس سهلًا أبدًا أن تعلن مقتل أطفال ونساء وشيوخ من أبناء وطنك، وأن تحافظ في الوقت نفسه على تماسكك المهني. إنها ويلات الحرب التي قرأنا عنها في الكتب، وها نحن نعيشها اليوم، وربما بصورة أشد قسوة".
ما الذي يقوله صحافيو الماضي لصحافيي اليوم؟
تحمل شهادات الصحافيين الذين عاصروا الحروب الإسرائيلية على لبنان رسائل مباشرة إلى الإعلاميين والصحافيين العاملين اليوم، لا سيما بعد الاستهدافات التي طالت عدداً من زملائهم خلال حرب عام 2026.
وبالنسبة للمصور اللبناني جمال السعيدي، فإن الرسالة الأهم تتمثل في عدم التسرع بالتوجه إلى المناطق الخطرة، مشددًا على أن السلامة تبقى أولوية أساسية لضمان استمرار المهمة الإعلامية والرسالة الصحافية.
أما الصحافي سمير منصور، فيؤكد أن المسؤولية والموضوعية والمصداقية تمثل ركائز العمل الصحافي، مشيرًا إلى أن التغطيات الميدانية تتطلب حكمة ودراية وعدم اندفاع، ويقول: "الأساس أن يلتزم الصحافي بأخلاقيات المهنة، وأن تكون تغطيته متوازنة وذات قيمة، وألا يغامر بالتوجه إلى مناطق قد تعرض حياته للخطر".
من جهته، يرى الصحافي راغب جابر أن العمل الإعلامي يحتاج إلى رصانة ومسؤولية عالية، موضحًا أن التغطية الميدانية تعكس صورة الواقع، لكنها في الوقت نفسه تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: الانتباه، ونقل الحقيقة، وتجنب التحريض.
ويضيف: "الرسالة يجب أن تكون إعلامية ومعرفية، أما التوجه إلى مناطق خطرة من دون أي وسائل حماية فهو مجازفة حقيقية يجب تجنبها".
كيف تنقل الحقيقة وتنجو؟
ما يمكن استخلاصه من مجمل هذه الشهادات أن التغطيات الميدانية والإخبارية تطورت مع مرور الزمن وتقدم التكنولوجيا، إلا أن المبادئ الأساسية للعمل الصحافي بقيت ثابتة، وفي مقدمتها المصداقية، والدقة، والمسؤولية، وأولوية السلامة المهنية.
وفي عام 2026، تبدو الحاجة أكبر إلى الاستفادة من خبرات الصحافيين الذين واكبوا الحروب قبل أكثر من 40 عامًا، خصوصًا أن طبيعة الحروب الحالية أصبحت أكثر تعقيدًا وخطورة، سواء على مستوى الميدان أو على مستوى العمل الإعلامي داخل غرف الأخبار.
كما أن استعادة أسرار وتجارب التغطيات الحربية القديمة تقدم للصحافيين والإعلاميين اليوم مادة تاريخية ومهنية غنية، يمكن الاستفادة منها لفهم تطور العمل الإعلامي، واستخلاص العِبر والدروس من تجارب عاشها صحافيون في ظروف بالغة القسوة.
وفي المقابل، تعكس شهادتا الإعلاميتين ريمان ضو ونوال الأشقر حجم الضغوط التي تعيشها غرف الأخبار والاستديوهات خلال الحروب، وتكشفان جانبًا خفيًا من التغطية الإعلامية لا يقل أهمية عن العمل الميداني. فمن دون غرف التحرير وكواليس الاستديوهات، لا يمكن إدارة البث المباشر أو إعداد النشرات الإخبارية ومواكبة الأحداث المتسارعة.
وعليه، فإن الصحافيين الذين عاصروا الحروب قبل أربعة عقود نقلوا تجاربهم وخلاصاتهم المهنية إلى الأجيال الجديدة، فيما تقع على عاتق إعلاميي اليوم مسؤولية الاستفادة من تلك الخبرات، وتطويرها، ونقلها بدورهم إلى الأجيال المقبلة.