Skip to main content

من بنما إلى "أساطيل الظل": كيف انفصلت جنسية السفن عن مالكيها؟

الإثنين 17 أغسطس 2026
ناقلة النفط "Grand Wisdom" عام 1987: كانت السفينة مملوكة أميركيًا، لكنها أبحرت تحت علم بنما - غيتي
من بنما وليبيريا إلى "أساطيل الظل"، تكشف سجلات السفن كيف انفصلت جنسية السفينة القانونية عن هوية مالكها ومشغّلها وطاقمها.
 في هذه المادة، نتتبع نشأة السجلات المفتوحة و"أعلام الملاءمة"، وآليات الرقابة على السفن، وصولًا إلى القفز بين الأعلام والتسجيلات الزائفة التي تستغلها بعض ناقلات النفط للالتفاف على العقوبات وإخفاء المسؤولية.

قد يحتاج الإنسان إلى سنوات كي يحصل على جنسية جديدة، أما ناقلة نفط فيمكنها أن تغيّر جنسيتها خلال أسبوع.

هذا ما فعلته الناقلة "توا بايوه" (Toa Payoh) قبل أن تعترضها، في الثاني من أغسطس/ آب 2026، قوة بحرية تابعة للاتحاد الأوروبي تقودها إيطاليا غربي جزيرة بانتيليريا الصقلية. كانت السفينة، المدرجة على قائمة العقوبات الأوروبية لارتباطها بما يُسمّى "أسطول الظل" الروسي، في طريقها من بنين إلى اسطنبول. لكن الجنود الذين صعدوا إليها من مروحية لم يكونوا يبحثون أولًا عن النفط أو عن بضاعة مخفية، بل عن دولة.

قبل نحو أسبوع فقط، كانت الناقلة قد انتقلت إلى السجل الكاميروني، وأرادت القوة الأوروبية أن تعرف إن كانت مسجلة هناك فعلًا، وإن كانت الوثائق التي تمنحها حق رفع علم الكاميرون أصلية. لم يتعاون الربان في البداية، فصعدت قوة عسكرية إلى السفينة وأمضت نحو ساعتين في تفتيشها. ولم تُحتجز الناقلة بسبب حدود التفويض الممنوح للعملية، لكن الوثائق التي جُمعت يمكن أن تُستخدم في إجراءات قانونية لاحقة. [1]

كانت للسفينة حمولة ومسار وطاقم واسم ورقم تعريفي. ومع ذلك، بقي السؤال الأساسي:

ما الدولة التي تقف قانونيًا خلف العلم المرفوع فوقها؟ ومن يتحمل مسؤوليتها وهي تعبر البحر المتوسط؟

لا تخص هذه الأسئلة ناقلة واحدة، ولا تبدأ قصتها بالعقوبات على روسيا. ففي قلب التجارة البحرية الحديثة سوق عالمية تستطيع فيها السفن اختيار جنسيتها القانونية، ويستطيع مالكوها تسجيلها في دول قد لا يزورونها، ولا يعمل أحد من مواطنيها على متنها، وربما لا ترسو السفينة في موانئها طوال عمرها التشغيلي.

يكفي استيفاء شروط السجل ودفع الرسوم لكي تصبح دولة العلم، على الورق، مسؤولة عن مراقبة السفينة وسلامتها وطاقمها. وهكذا لم يعد العلم مجرد علامة تحدد بلد السفينة، وإنما أصبح جزءًا من خدمة قانونية وإدارية تتنافس الدول على تقديمها.

ومن بنما وليبيريا إلى جزر مارشال وسجلات أخرى أصغر، نشأ نظام يفصل بين مكان وجود المالك، وجنسية الطاقم، ومقر الشركة، والدولة التي يفترض أن تراقب السفينة. جعل هذا الفصل التجارة البحرية أكثر مرونة، لكنه أتاح أيضًا للمالك الحقيقي أن يختبئ أحيانًا خلف سلسلة من الشركات، وللسفن أن تنتقل بين السلطات الرقابية، وللمسؤولية أن تتوزع بين أكثر من دولة.

فكيف تحوّلت جنسية السفن إلى سوق؟ وماذا يبقى من سلطة الدولة عندما يستطيع الخاضع للرقابة اختيار العلم الذي سيراقبه؟

 أكثر من مجرد علم


تعمل السفن التجارية غالبًا بعيدًا عن إقليم الدولة التي ترتبط بها، ولذلك يمنحها نظام دولة العلم جنسية قانونية ويُخضعها لولايتها. ووفق المادة 91 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تحدد كل دولة شروط منح جنسيتها للسفن وتسجيلها وحقها في رفع علمها، على أن توجد "صلة حقيقية" بين الدولة والسفينة. [2]

غير أن الاتفاقية لا تحدد بالتفصيل الشكل الذي يجب أن تتخذه هذه الصلة، وتترك للدول مساحة واسعة لوضع شروط التسجيل. فبعض الدول يعتمد سجلًا "مغلقًا"، يربط التسجيل بشروط تتعلق بالملكية أو الطاقم، فيما تدير دول أخرى سجلًا "مفتوحًا" يسمح لسفن مملوكة أو خاضعة لسيطرة أجنبية برفع علمها.

وتوضح المنظمة البحرية الدولية أن السجلات المفتوحة أصبحت مستخدمة على نطاق واسع، وأنه لا يوجد حتى اليوم إطار دولي ملزم ينظم عملية تسجيل السفن نفسها. وهذا لا يعني أن كل سجل مفتوح هو بالضرورة "علم ملاءمة" بالمعنى النقدي للمصطلح، أو أن انفتاح السجل يعني تلقائيًا ضعف الرقابة.[3]

فحرية الدولة في تحديد شروط التسجيل لا تجعل العلم إجراءً إداريًا بلا تبعات. وبموجب المادة 94 من اتفاقية قانون البحار، تلتزم دولة العلم بممارسة ولايتها ورقابتها بفاعلية على السفن التي ترفع علمها في الشؤون الإدارية والتقنية والاجتماعية. ويشمل ذلك الاحتفاظ بسجل للسفن، وضمان صلاحيتها للملاحة وسلامتها، والإشراف على تأهيل الطاقم، والتحقيق في بعض الحوادث البحرية الخطرة.

بهذا المعنى، لا يخبرنا العلم بالضرورة عن منشأ البضاعة أو جنسية الطاقم أو مقر مالك السفينة. ما يخبرنا به هو الدولة التي تحمل السفينة جنسيتها القانونية والتي تقع عليها مسؤوليات أساسية تجاهها.

وفي أعالي البحار، تخضع السفينة، كقاعدة عامة، لاختصاص دولة علمها. وعندما تظهر مشكلات تتعلق بالسلامة أو ظروف العمل أو الامتثال للقواعد البحرية، تكون دولة العلم إحدى الجهات الأساسية المطالبة بالرقابة والتحقيق وإنفاذ الالتزامات، مع إمكان وجود اختصاصات لدول أخرى بحسب موقع السفينة وطبيعة المخالفة.



من حظر الكحول إلى صناعة عالمية


لم تبدأ قصة السجلات المفتوحة بالشكل الذي نعرفه اليوم، كسوق عالمية لتسجيل السفن. ففي مطلع عشرينيات القرن الماضي، كان رفع علم أجنبي يوفر لبعض مالكي السفن وسيلة للخروج من قيود تفرضها قوانين دولهم.

ومن أشهر الأمثلة المبكرة سفينتا الركاب الأميركيتان "ريلاينس" و"ريزولوت"، اللتان نُقلتا إلى السجل البنمي عام 1922. وكان أحد دوافع الشركة المالكة تفادي قوانين الحظر الأميركية التي كانت تمنع تقديم الكحول على متنهما.[4] وكانت تلك من المحطات المبكرة في تطور النظام الذي سيُعرف لاحقًا باسم "أعلام الملاءمة" (Flags of Convenience). ويشير تحليل للمعهد الملكي للخدمات المتحدة إلى المثال نفسه بوصفه إحدى البدايات التاريخية لاستخدام العلم الأجنبي لتجاوز قيود الدولة التي ينتمي إليها المالك.

لم تكن بنما قد بدأت تسجيل السفن من العدم في عشرينيات القرن الماضي، إذ تعود جذور سجلها إلى عام 1917. لكن قانونًا صدر عام 1925 رسّخ النموذج على نحو أوضح، مع السماح بتسجيل السفن دون اشتراط أن يكون مالكها بنميًا.[5] وهكذا أصبح من الممكن فصل ثلاثة أشياء بدت في السابق مترابطة: جنسية المالك، والدولة التي يعمل منها، والعلم الذي ترفعه سفينته.

وسرعان ما اتضح أن جاذبية هذا الفصل تتجاوز الكحول. فاختيار العلم قد يؤثر في الضرائب وكلفة التشغيل وقواعد توظيف البحارة والمتطلبات التنظيمية. ومع توسع التجارة البحرية، صار اختيار دولة العلم نفسه جزءًا من الحساب الاقتصادي والقانوني لتشغيل السفينة.[6]  



ثم جاءت ليبيريا لتدفع النموذج خطوة أبعد. ففي 1948، ساعد إدوارد ستيتينيوس الابن، وزير الخارجية الأميركي السابق وأول سفير لبلاده لدى الأمم المتحدة، في صياغة قانون للشركات والملاحة البحرية في ليبيريا. وفي 11 مارس/آذار 1949، أصبحت ناقلة النفط "وورلد بيس"، المملوكة لقطب الشحن اليوناني ستافروس نيارخوس، أول سفينة ترفع العلم الليبيري ضمن النظام الجديد.[7]

كان الابتكار هنا أبعد من مجرد السماح للأجانب بتسجيل سفنهم. فقد جمع النموذج بين علم دولة ذات سيادة وقانونها البحري، ومالكي سفن دوليين، وجهاز إداري وتجاري يستطيع تقديم خدمات السجل من خارج الدولة نفسها. وسرعان ما أثبت قدرته على المنافسة. ففي عام 1955، تجاوز السجل الليبيري بنما من حيث الحمولة الإجمالية، ثم تجاوزها في العام التالي من حيث عدد السفن المسجّلة.[8]

ولم يتوقف تطوّر هذا النموذج عند ليبيريا، إذ برزت جزر مارشال لاحقًا كإحدى دول العلم الكبرى، وارتبط تطوير سجلها البحري بشركة مقرّها في الولايات المتحدة.[9]

تكشف هذه البنية جانبًا أساسيًا من السوق البحرية الحديثة: الدولة تمنح السفينة جنسيتها وتبقى صاحبة الالتزامات القانونية، لكن إدارة جوانب من السجل وخدماته قد تتم عبر شركات ومكاتب وشبكات موزعة في دول أخرى.
وما بدأ في أوائل القرن العشرين كوسيلة للفصل بين علم السفينة وجنسية مالكها، تحول تدريجيًا إلى سوق دولية تتنافس فيها السجلات على أسطول مملوك ومُدار عبر الحدود.

سفينة واحدة وسبع خرائط


للسفينة جنسية واحدة على الورق، لكنها قد تنتمي اقتصاديًا إلى سبع خرائط في الوقت نفسه.

يمكن أن يكون المالك المستفيد يونانيًا، والشركة المالكة المسجلة صندوق بريد في دولة ثانية، ومدير التشغيل في سنغافورة، وشركة التصنيف في دولة رابعة، والمؤمّن في لندن، والطاقم من الفيليبين والهند وأوكرانيا، بينما ترفع السفينة علم ليبيريا وتنقل نفطًا من الخليج إلى شرق آسيا.

هذه ليست حالة استثنائية، وإنما سمة أساسية في صناعة الشحن الحديثة.



وفق مراجعة النقل البحري لعام 2025 الصادرة عن أونكتاد، كانت ليبيريا وبنما وجزر مارشال أكبر ثلاث دول لتسجيل السفن في مطلع 2025، واستحوذت مجتمعة على 45.1% من قدرة الأسطول العالمي على حمل البضائع. لكن الصورة تنقلب عند النظر إلى الملكية: إذ كانت اليونان والصين واليابان أكبر ثلاث دول من حيث ملكية السفن، بحصة تتجاوز 40% من القدرة العالمية.[10] يعني ذلك أن الدول التي ترفع السفن أعلامها ليست بالضرورة الدول التي يملك مواطنوها وشركاتها تلك السفن.

خريطة الأعلام ليست خريطة المالكين.

هذا الفصل بين العلم والملكية ليس نتيجة غريبة لقواعد التسجيل فحسب، وإنما يقوم أيضًا على مصالح عملية. فبالنسبة إلى مالك السفينة، يعني تعدد السجلات إمكان الاختيار بين أنظمة مختلفة في المتطلبات والتكاليف والخدمات. وبالنسبة إلى بعض الدول، صار تسجيل السفن صناعة دولية بحد ذاتها، تستطيع من خلالها منح علمها لأسطول ضخم مملوك في معظمه لأجانب.


السفينة "إيفر غيفن" في قناة السويس عام 2021 - غيتي

رغم رفعها علم بنما، لم تكن ملكية السفينة "إيفر غيفن" بنمية، في مثال شهير على انفصال دولة العلم عن دولة مالك السفينة.

عندما يختار الخاضع للرقابة رقيبه


ينظر الاتحاد الدولي لعمال النقل إلى "أعلام الملاءمة" نظرة نقدية، ويرى أنها تسمح لمالكي السفن بخفض الضرائب والرسوم وتكاليف العمل عبر تسجيل سفنهم في دول لا تربطهم بها صلة تشغيلية حقيقية.

ويرى الاتحاد أن تعقيد الملكية وتعدد الدول والجهات قد يجعل تحديد المسؤول عن الأجور وظروف العمل والمساءلة أكثر صعوبة، خصوصًا عندما يكون العمال والمالك والمشغل ودولة العلم في أربع مناطق مختلفة من العالم.[11]

في المقابل، ترفض سجلات مفتوحة كبرى الربط التلقائي بين السماح بالملكية الأجنبية وضعف الرقابة. ففي 2025 مثلًا، قالت هيئة الملاحة البنمية إن معدل امتثال أسطولها لمعايير السلامة والبيئة بلغ 96.5%، نافية أن يكون سجلها "ملاذًا للتهرب من العقوبات".[12]

ولا يمكن حسم هذا الجدل بالنظر إلى سهولة التسجيل أو مؤشرات الامتثال المعلنة وحدها، إذ يعتمد الأداء الفعلي للسجل على ما يحدث بعد منح السفينة العلم.

فدولة العلم لا تجري بالضرورة كل المعاينات بنفسها. وتسمح القواعد الدولية لها بتفويض بعض أعمال التفتيش وإصدار الشهادات إلى جهات متخصصة معترف بها. ولا يُعد التفويض في ذاته دليلًا على ضعف الرقابة، ولا يعفي الدولة من مسؤوليتها عن متابعة أداء هذه الجهات.[13]

وإذا لم تمنع رقابة دولة العلم سفينة دون المستوى المطلوب من الإبحار، توجد طبقة ثانية من الرقابة عندما تصل إلى ميناء أجنبي: رقابة دولة الميناء.

فللدولة التي تستقبل السفينة أن تفتشها، ويمكن أن تحتجزها عندما تكتشف مخالفات خطرة. وتصف المنظمة البحرية الدولية هذه الرقابة بأنها شبكة أمان لالتقاط السفن دون المستوى، مع بقاء المسؤولية الأساسية عن معايير السفينة على دولة العلم.[14]



من السجل المفتوح إلى العلم الزائف


تظهر حدود النظام بصورة أوضح عندما نميّز بين السجل المفتوح وعلم الملاءمة والعلم الزائف.

في السجل المفتوح، تقبل دولة رسميًا تسجيل سفينة مملوكة أو خاضعة لسيطرة أجنبية تحت علمها. وقد يصف الاتحاد الدولي لعمال النقل بعض هذه الأعلام بأنها "أعلام ملاءمة" وفق معاييره الخاصة.

وهذه ليست حالات نظرية أو هامشية. ففي أبريل/ نيسان 2026، أعلنت المنظمة البحرية الدولية أن 529 سفينة رفعت خلال العام السابق أعلام دول بصورة زائفة، وأن نحو 40 دولة عضوًا تعرضت أعلامها للاستخدام الاحتيالي من جماعات إجرامية من دون علمها أو موافقتها.

وأقرت المنظمة للمرة الأولى إرشادات دولية لتسجيل السفن، تشمل التحقق من هوية السفينة وملكيتها وأهليتها للتسجيل، ومراقبة الجهات المخولة بالتسجيل، وتبادل المعلومات بين الإدارات.[15] لكن هذه الإرشادات تبقى طوعية ولا تنشئ حتى الآن نظامًا عالميًا ملزمًا لتسجيل السفن.

وكانت الكاميرون من الدول التي واجهت هذا النوع من الاستغلال. فبحسب تحقيق لوكالة رويترز، شطبت السلطات 39 سفينة، فيما ظهرت مواقع إلكترونية احتيالية تمنح سفنًا تسجيلًا كاميرونيًا غير قانوني. كما عثرت قوات أوروبية على ناقلات كانت تزعم رفع علم الكاميرون من دون تسجيل قانوني ساري.[16]



"أساطيل الظل" تكشف الثغرة القديمة


أضافت العقوبات على النفط الإيراني والفنزويلي، ثم العقوبات الواسعة على روسيا بعد غزو أوكرانيا عام 2022، بعدًا جديدًا إلى سوق الأعلام والتسجيل.

ويشير المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) إلى أن أساطيل الظل ليست اختراعًا روسيًا حديثًا. فقد استخدمت إيران وكوريا الشمالية ترتيبات بحرية مشابهة للالتفاف على العقوبات قبل الحرب في أوكرانيا، لكن الظاهرة توسعت بصورة كبيرة مع اعتماد روسيا على ناقلات قديمة وملكية غامضة لاستمرار صادراتها النفطية.

تعتمد هذه الشبكات على مزيج من الأساليب: إخفاء هياكل الملكية، إنشاء شركات وسيطة، تغيير الأعلام، وتعطيل أجهزة التتبع أو التلاعب ببياناتها. ولا يوجد حتى الآن تعريف دولي موحد تمامًا لما يدخل في مفهوم "أسطول الظل".[17]

ولهذا تختلف تقديرات حجمه. ويقدّر المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) أن نحو 17% من ناقلات النفط في العالم باتت محسوبة ضمن أساطيل الظل، فيما كان الاتحاد الأوروبي قد أدرج، بحلول أبريل/ نيسان 2026، 632 ناقلة على قوائم عقوباته.[18]

لم تخلق هذه الأساطيل السجلات المفتوحة، وليست كل سفنها ذات أعلام مزورة. لكنها تستفيد من ثغرة قديمة في النظام: قدرة السفينة على الانتقال سريعًا من دولة علم إلى أخرى عندما تصبح دولة ما أكثر تشددًا.

ويلفت RUSI إلى ضعف التحقق من الملكية المستفيدة ومخاطر العقوبات لدى بعض السجلات، ما يسمح لسفن مثيرة للشبهات بأن تغيّر تسجيلها خلال أيام. ويُعرف هذا السلوك باسم "القفز بين الأعلام" (Flag Hopping): السفينة نفسها لا تختفي، لكن الدولة المسؤولة عنها قانونيًا تتغير.[19]

وتظهر تجربة بنما الوجه الآخر للمشكلة. فمع تشديد الرقابة، شطبت سلطاتها أكثر من 650 سفينة منذ 2019، بينها 214 سفينة بعد تطبيق إجراءات أتاحت التحرك بسرعة أكبر في ملفات العقوبات. كما تتبادل بنما وليبيريا وجزر مارشال معلومات بشأن السفن التي يُرفض تسجيلها أو يُلغى لأسباب مرتبطة بالعقوبات، لمحاولة منعها من الانتقال ببساطة إلى سجل آخر..[20]


ناقلة "Pushpa"، المعروفة أيضًا باسم "Boracay"، قبالة الساحل الفرنسي عام 2025 - غيتي

السفينة Boracay، التي كانت ترفع علم بنين، أدرجها الاتحاد الأوروبي ضمن السفن المرتبطة بـ"أسطول الظل" الروسي

من يدفع ثمن المسافة؟


يظهر الوجه الإنساني للنظام عندما تتوقف الأجور أو يتخلى المالك عن السفينة.

فبحسب المنظمة البحرية الدولية، سُجلت خلال عام 2025 410 حالات جديدة لهجر البحارة، أثرت في أكثر من ستة آلاف شخص، متجاوزة أرقام جميع السنوات السابقة. وفي 185 حالة لم يكن هناك الضمان المالي الإلزامي الذي يفترض أن يساعد في حماية البحارة.

قد يجد هؤلاء أنفسهم عالقين بعيدًا عن بلدانهم، بينما تتوزع المسؤولية بين مالك في دولة، وشركة تشغيل في أخرى، وعلم دولة ثالثة، وميناء في دولة رابعة.[21]

وتزداد المخاطر مع جانب من ناقلات الظل القديمة التي تعمل خارج منظومات التأمين المعروفة. ويشير تحليل لمعهد بروكينغز إلى أن ناقلات مرتبطة بأسطول الظل الروسي كانت، في عينة بحثية، أقدم بوضوح من الناقلات التقليدية؛ ومع ضعف الصيانة أو غياب التأمين الموثوق، يمكن أن تتحول أي كارثة إلى فاتورة تتحملها الدولة الساحلية ودافعو الضرائب.

ويحذر التحليل من أن كلفة التعامل مع تسرّب نفطي كبير يمكن أن تصل إلى مليارات الدولارات، فضلًا عن الأضرار البيئية والاقتصادية.[22]

وهنا تظهر نتيجة أوسع لتشتت صناعة الشحن عبر الحدود. فقد تكون دولة العلم على بعد آلاف الكيلومترات من موقع الحادث، والمالك خلف سلسلة شركات، والطاقم من دول عدة، بينما يقع الحادث أمام ساحل دولة لم تشارك أصلًا في اختيار علم السفينة أو هيكل ملكيتها.

وعندها لا تبقى المسألة محصورة بمن يملك السفينة أو تحت أي علم تبحر، بل تمتد إلى من ينقذ الطاقم، من يتعامل مع التلوث، ومن يتحمل المسؤولية والكلفة.


من ينقذ الطاقم؟ ومن يدفع كلفة التلوث؟ ومن يمكن ملاحقته قانونيًا؟ 

نفط ناقلة "Prestige" يصل إلى شاطئ في شمال إسبانيا عام 2002 - غيتي

تكشف كوارث الناقلات أن المسؤولية البحرية لا تبقى في عرض البحر، بل قد تتحول إلى كلفة بيئية واقتصادية تتحملها المجتمعات الساحلية.
حدود التسجيل وضرورة الرقابة

بعد إخفاق اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1986 بشأن شروط تسجيل السفن في دخول حيز التنفيذ، بقي تسجيل السفن خاضعًا إلى حد بعيد لقواعد تضعها كل دولة بنفسها.

ولهذا تكتسب إرشادات المنظمة البحرية الدولية التي أُقرت في أبريل/نيسان 2026 أهمية خاصة. فهي تدعو إلى تشديد التحقق من هوية السفينة والمالك وأهليتها للتسجيل، وتحسين دقة سجلات الملكية، ومراقبة الجهات المخولة بإجراء التسجيل، وتعزيز تبادل المعلومات.

لكن الإرشادات ليست ملزمة قانونيًا، ولذلك ستعتمد فاعليتها على ما تقرر الدول نفسها أن تفعله بها.



في النهاية، لا يُقاس أداء سجل السفن بكونه مفتوحًا أو مغلقًا، بل بقدرته على معرفة السفن التي تحمل علمه، ومن يقف خلفها، ومراقبتها والتدخل عند المخالفة. فشطب سفينة لا يحل المشكلة إذا استطاعت الانتقال سريعًا إلى سجل آخر، كما أن تشديد الرقابة في دولة واحدة لا يكفي إذا بقيت أبواب أخرى أقل تدقيقًا مفتوحة.

وهكذا تعود قصة "توا بايوه" إلى السؤال الذي بدأت منه: ليس المهم أي علم ترفعه السفينة فقط، بل ما إذا كانت هناك دولة تقف فعلًا خلف هذا العلم وتتحمل المسؤولية التي يمنحها إياها. 


في عالم تستطيع فيه السفينة تغيير جنسيتها خلال أيام، يصبح التحدي ألا تتغير المسؤولية بالسهولة نفسها.

المصادر والمراجع


 

[1] Reuters, Italian-led EU force boards sanctioned tanker from Russia's 'shadow fleet' in Mediterranean, August 2026

[3] International Maritime Organization, Registration of ships and fraudulent registration matters

[4] Frontline, PANAMA: Home of Convenience, January 2004

[6] Francisco Piniella, Juan Ignacio Alcaide, and Emilio Rodríguez-Díaz, “The Panama Ship Registry: 1917–2017,” Marine Policy, Vol. 77 (2017), pp. 13–22.

[7] The Liberian Registry, liscr.com/about-us/history

[8] المصدر نفسه

[9] International Registries, Inc. (IRI)

[10] UNCTAD. (2025). Review of Maritime Transport 2025: Staying the Course in Turbulent Waters. United Nations Conference on Trade and Development, Geneva.

[11] International Transport Workers' Federation, Flags of Convenience. itfglobal.org/en/sector/seafarers/flags-convenience

[12] Elida Moreno, Panama vessel registry says it is 'not a haven for sanctions evasion', Reuters, February 2025

[13] International Maritime Organization, Legal Framework on Recognized Organizations (ROs) in IMO Conventions. imo.org/en/ourwork/iiis/pages/recognized-organizations.aspx

[14] International Maritime Organization, Port State Control. imo.org/en/ourwork/msas/pages/portstatecontrol.aspx

[15] International Maritime Organization, IMO approves new guidelines on ship registration, April 2026

[16] John Irish & Jonathan Saul, Europe targets shadow fleet tankers falsely using Cameroon flag, sources say, Reuters, July 2026

[17] Gonzalo Saiz Erausquin & Tom Keatinge, Countering Shadow Fleet Activity through Flag State Reform, RUSI, September 2025

[18] Julian Pawlak, Measures Against the “Russian Shadow Fleet”: Only a Systematic Approach Can Ensure Effectiveness and Security, SWP, May 2026

[19] Gonzalo Saiz Erausquin & Tom Keatinge, Countering Shadow Fleet Activity through Flag State Reform, RUSI, September 2025

[20] Elida Moreno, Panama removes over 650 ships from registry amid sanctions, stricter rules, Reuters, June 2025

[21] International Maritime Organization. Legal Committee, 113th session (LEG 113), 13–17 April 2026

[22] Brookings, Stiffening European sanctions against the Russian oil trade, February 2026


المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة