السبت 17 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

من بيروت إلى تونس.. لماذا لم تحمِ المسافة منظمة التحرير؟

من بيروت إلى تونس.. لماذا لم تحمِ المسافة منظمة التحرير؟

شارك القصة

ياسر عرفات يتفقد مقر منظمة التحرير الفلسطينية في حمّام الشط بعد الغارة الإسرائيلية على تونس في 1 أكتوبر 1985 - غيتي
ياسر عرفات يتفقد مقر منظمة التحرير الفلسطينية في حمّام الشط بعد الغارة الإسرائيلية على تونس - غيتي
ياسر عرفات يتفقد مقر منظمة التحرير الفلسطينية في حمّام الشط بعد الغارة الإسرائيلية على تونس - غيتي
الخط
بعد خروجها من بيروت عام 1982، اختارت منظمة التحرير تونس مقرًا بعيدًا عن دول الطوق وضغوط المشرق. لكن غارة حمّام الشط في 1 أكتوبر 1985 كشفت أن آلاف الكيلومترات لم تعد كافية للحماية حين اجتمعت القدرة الجوية بعيدة المدى مع المعلومات الاستخبارية.
كان يفترض أن تكون تونس بعيدة بما يكفي. فأكثر من ألفي كيلومتر تفصلها عن إسرائيل، بعدما غادرت ساحات المواجهة المباشرة في لبنان. لكن عند الساعة 10:07 من صباح 1 أكتوبر/ تشرين الأول 1985، سقط هذا الرهان في دقائق.

دخلت ست طائرات عسكرية إسرائيلية الأجواء التونسية على ارتفاع منخفض، واتجهت إلى منطقة برج السدرية-حمّام الشط جنوب العاصمة.

هناك، حيث استقرت مقار للمنظمة وقياداتها، ألقت الطائرات خمس قنابل مؤجلة الانفجار زنة الواحدة منها ألف رطل، وفق الرسالة التي وجهتها تونس في اليوم نفسه إلى مجلس الأمن.

وبينما كانت فرق الإنقاذ تواصل البحث تحت الأنقاض، كانت الأرقام ترتفع، حتى انتهت الحصيلة الرسمية التونسية إلى 68 شهيدًا، بينهم 50 فلسطينيًا و18 تونسيًا، إضافة إلى أكثر من مئة جريح.


لم تكن المفاجأة أن إسرائيل استهدفت منظمة التحرير؛ فالمنظمة خرجت قبل ثلاثة أعوام فقط من حرب وحصار في بيروت وظلت هدفًا عسكريًا واستخباريًا.

المفارقة أن الاستهداف وصل إلى تونس، التي كان بعدها الجغرافي أحد عناصر اختيارها مقرًا للقيادة. فكيف استطاعت إسرائيل أن تختصر آلاف الكيلومترات؟

[قالب افتتاحي | المسافة ليست نوعًا واحدًا من الحماية]

من بيروت.. أين تذهب القيادة؟


في صيف 1982، لم يكن أمام منظمة التحرير ترف البحث عن مقر جديد وفق شروط مثالية.

فقد وصل الاجتياح الإسرائيلي إلى بيروت وفرض حصارًا على المدينة التي أصبحت خلال سنوات الوجود الفلسطيني مركزًا سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا للمنظمة. وبعد الاتفاق على خروج مقاتليها وقياداتها، برز سؤال المرحلة التالية: أين تستقر القيادة؟

كانت دمشق أقرب جغرافيًا إلى فلسطين، لكنها لم تكن خيارًا بسيطًا بالنسبة إلى ياسر عرفات ومحيطه. ويروي محمود عباس، في شهادة وثقها أيضًا برنامج "مذكّرات" في حلقة سابقة، أنه غادر دمشق إلى تونس بعد إحكام الطوق على بيروت، وأنه رأى أن انتقال القيادة إلى العاصمة السورية سيجعلها "أسيرة القرار السوري". وفي تلك الظروف وصلت دعوة من الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة لاستقبال القيادات والكوادر الفلسطينية. 


ياسر عرفات يغادر بيروت في 30 أغسطس 1982 بعد الاتفاق على إجلاء قيادة ومقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية - غيتي
ياسر عرفات يغادر بيروت في 30 أغسطس 1982 بعد الاتفاق على إجلاء قيادة ومقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية - غيتي

لم تبقَ هذه المخاوف نظرية طويلًا. ففي 1983 دخل عرفات في صدام مفتوح مع دمشق؛ طُرد من سوريا في يونيو/ حزيران، ثم حُوصرت قواته في طرابلس شمال لبنان في مواجهة فصائل فلسطينية مدعومة سوريًا، قبل خروجه الثاني من لبنان.

كان البعد التونسي، بهذا المعنى، ذا وظيفة سياسية أيضًا. وتشير رواية عباس إلى أن عرفات كان يقارن بين القرب من فلسطين والقدرة على الاحتفاظ بالقرار، معتبرًا أن تونس البعيدة تمنحه هامشًا لا يملكه بالضرورة في عاصمة أقرب.


المسافة لم تكن مجرد كيلومترات. كانت محاولة للفصل بين القيادة الفلسطينية وصراعات المشرق التي أحاطت بها.

من أرشيف التلفزيون العربي
حلقة من برنامج "مذكرات" تؤرخ لسنوات الفلسطينيين في تونس

من عاصمة حرب إلى بلد مفتوح


غير أن ما وفر استقلالًا سياسيًا نسبيًا خلق تحديًا أمنيًا مختلفًا.

في لبنان، عاشت منظمة التحرير سنوات داخل بيئة حرب، وكانت لديها تشكيلات مسلحة وأجهزة أمنية وانتشار واسع. أما تونس فلم تكن دولة مواجهة مع إسرائيل، ولم تُبنَ منظومتها الأمنية أصلًا على أساس حماية قيادة سياسية وعسكرية كاملة تطاردها دولة تمتلك قدرات عسكرية واستخبارية بعيدة المدى.

وصلت إلى تونس قيادة المنظمة ومؤسساتها السياسية والمالية والإعلامية، فيما توزعت مساكن المسؤولين ومكاتبهم ومقارهم على أكثر من موقع. وتظهر شهادات تونسية موثقة عن تلك المرحلة أن توفير الحماية المستمرة لهذا العدد من القيادات، وفي أماكن متناثرة، تحول سريعًا إلى تحدٍ أمني قائم بذاته.

وفي شهادة وثقها برنامج "كنت هناك"، تحدث حسين أبو العلا، مستشار ياسر عرفات، عن هامش الحركة الذي وجدته القيادة الفلسطينية في تونس مقارنة بعواصم أخرى.

لكن هامش الحركة السياسي لم يحل مشكلة الحماية الأمنية.


ياسر عرفات في تونس
ياسر عرفات في تونس خلال مرحلة استقرار قيادة منظمة التحرير في البلاد - غيتي

كيف تجاوزت إسرائيل المسافة؟


بعد ستة أيام من حادثة دامية في ميناء لارنكا القبرصي، وصلت الطائرات الإسرائيلية إلى تونس.

في 25 سبتمبر/ أيلول 1985، سيطر ثلاثة مسلحين على يخت إسرائيلي في لارنكا وقتلوا الإسرائيليين الثلاثة الذين كانوا على متنه. واتصل شخص مجهول بوكالة صحافة غربية مدعيًا المسؤولية باسم "القوة 17"، فيما نفت منظمة التحرير صلتها بالهجوم. وقال فلسطينيون لاحقًا إن القتلى كانوا يعملون في التجسس، وهو ما قالت السلطات القبرصية إنها لم تجد دليلًا عليه. وخلال الحصار، طالب المسلحون بإطلاق فلسطينيين كانت القوات الإسرائيلية قد اعترضتهم بحرًا أثناء توجههم نحو لبنان. 

نسبت إسرائيل الهجوم إلى "القوة 17" التابعة لحركة فتح، وقدمت عملية "الساق الخشبية" باعتبارها ردًا عليه. وقال وزير الأمن الإسرائيلي إسحق رابين يومها، بحسب تقرير معاصر لـ"واشنطن بوست"، إن الغارة استهدفت أيضًا توجيه تحذير إلى من تعتبرهم إسرائيل مسؤولين عن الهجمات بأن قواتها تستطيع الوصول إليهم خارج ساحات المواجهة القريبة.

التحدي العملياتي كان كبيرًا. فقد كان على الطائرات قطع آلاف الكيلومترات فوق المتوسط والعودة، مع التزود بالوقود جوًا والمحافظة على عنصر المفاجأة. ووصفت تقارير معاصرة الرحلة بأنها امتدت لنحو ثلاثة آلاف ميل ذهابًا وإيابًا. 


أظهرت غارة حمّام الشط أن ابتعاد قيادة منظمة التحرير عن الحدود الإسرائيلية خفّض خطر المواجهة البرية، لكنه لم يضعها خارج مدى الطيران الإسرائيلي.

ولم تكن القدرة الجوية وحدها كافية لتنفيذ العملية. فقد احتاجت إسرائيل أيضًا إلى معلومات دقيقة عن موقع مقار المنظمة والأهداف التي تريد ضربها.



من أرشيف التلفزيون العربي

حلقة سابقة من برنامج "كنت هناك" تتناول مجزرة حمام الشط في تونس


دور المعلومات الاستخبارية في الغارة


أصابت الغارة مباني محددة تستخدمها منظمة التحرير. وذكرت مصادر تونسية تحدثت إلى "واشنطن بوست" يوم الهجوم أن خططًا كانت موضوعة لأن يترأس عرفات اجتماعًا لمسؤولي "القوة 17" بين التاسعة والحادية عشرة صباحًا. أما الروايات بشأن سبب عدم وجوده في الموقع فتتفاوت، لذلك يصعب رد نجاته إلى رواية واحدة حاسمة. 

لكن قضية الجاسوس الأميركي جوناثان بولارد قدمت لاحقًا دليلًا أوضح على الدور الاستخباري في العملية.

ففي فبراير/ شباط 1987، نقلت "واشنطن بوست" عن مصدر أميركي ذي معرفة مباشرة بالقضية، قالت إن مصدرًا إسرائيليًا أكد روايته، أن المعلومات التي سلمها بولارد شملت استطلاعًا لمقر منظمة التحرير في تونس ووصفًا لمبانيه. كما حصلت إسرائيل منه على معلومات عن قدرات الدفاع الجوي الليبي وحركة السفن الأميركية والسوفياتية والفرنسية في المتوسط، وقال التقرير إن هذه المعطيات ساعدت الطائرات على تفادي الرصد أثناء تنفيذ الغارة.

ولم يبقَ ارتباط معلومات بولارد بالغارة قائمًا على روايات صحفية فقط. ففي مذكرة قدمها إلى المحكمة قبل الحكم عليه، قال إن المادة التي سلمها بشأن الدفاع الجوي الليبي أفادت العملية الإسرائيلية ضد مقر منظمة التحرير قرب تونس.

هنا يصبح معنى المسافة مختلفًا.

فالمطلوب لضرب قيادة على بعد آلاف الكيلومترات لم يكن طائرة بعيدة المدى فقط. كان المطلوب أيضًا معرفة المجمع ومبانيه، ودراسة المجال الذي ستعبره الطائرات، ومواقع أنظمة الرصد، وحركة السفن في المتوسط.

وجاء جزء من تلك المعلومات من مواد اطلع عليها بولارد بحكم عمله في الاستخبارات البحرية الأميركية ثم سلمها إلى إسرائيل.


كيف اختصرت آلاف الكيلومترات

مساحة سياسية تحت القصف


لم يكن الانتقال إلى تونس مدفوعًا بالاعتبارات الأمنية وحدها.

فقد منحت الإقامة هناك منظمة التحرير مكانًا يمكنها منه إعادة بناء مركزها السياسي بعد خسارة بيروت، والعمل بين العواصم والمحافل الدولية من دون أن تكون القيادة محاصرة داخل ساحة حرب يومية.

وكان ذلك واضحًا خلال الأشهر السابقة للغارة. ففي 11 فبراير 1985، توصل ياسر عرفات والملك حسين إلى اتفاق العمل الفلسطيني الأردني المشترك، الذي طرح تسوية سياسية عبر مؤتمر دولي تشارك فيه منظمة التحرير ضمن وفد أردني فلسطيني مشترك. 

وجاءت غارة حمّام الشط في مرحلة كانت المنظمة تحاول فيها استثمار مقرها التونسي لإعادة تنظيم حضورها السياسي أيضًا. وقد ربط القرار 573 الصادر لاحقًا عن مجلس الأمن بين الهجوم وآثاره المحتملة على المبادرات الرامية إلى تسوية الصراع. 

وفّرت تونس لمنظمة التحرير مساحة أوسع للتحرك السياسي، لكن ذلك لم يمنع استمرار التهديدات الأمنية ضد قيادتها.


انتهت الحصيلة الرسمية التونسية إلى 68 شهيدًا، بينهم 50 فلسطينيًا و18 تونسيًا
انتهت الحصيلة الرسمية التونسية إلى 68 شهيدًا، بينهم 50 فلسطينيًا و18 تونسيًا - غيتي

ضربة أصابت أيضًا علاقة تونس بواشنطن


امتدت تداعيات الغارة أيضًا إلى علاقة تونس بالولايات المتحدة. فالبلد الذي استضاف منظمة التحرير وجد أراضيه تتعرض لقصف إسرائيلي، ثم فوجئ بالموقف الأول الصادر من واشنطن، أحد أبرز شركائه الغربيين.

في الساعات الأولى بعد الغارة، وصف البيت الأبيض الرد على الهجمات بأنه يمكن أن يكون "استجابة مشروعة" في إطار الدفاع عن النفس. وفي اليوم التالي استدعى الرئيس الحبيب بورقيبة السفير الأميركي بيتر سيباستيان إلى قصر قرطاج، واحتج على الموقف الأميركي وأثار مسألة احتمال علم واشنطن المسبق بالعملية، وهو ما نفاه السفير. 

وفي 4 أكتوبر، اعتمد مجلس الأمن القرار 573 الذي أدان الهجوم الإسرائيلي على الأراضي التونسية، وطالب بعدم تكراره، وأقر حق تونس في تعويض مناسب عن الخسائر البشرية والمادية. صدر القرار بـ14 صوتًا من دون معارضة، فيما امتنعت الولايات المتحدة.

لم تكن الغارة، بذلك، كلفة فلسطينية فقط. فقد وضعت تونس أيضًا أمام تبعات خيار الاستضافة، وكشفت أن انتقال منظمة التحرير إليها نقل جانبًا من صراع المشرق إلى بلد كان بعيدًا عنه جغرافيًا.


حمّام الشط 1985: غارة ودمار

حمّام الشط لم تكن النهاية


ولو بقيت غارة 1985 عملية جوية منفردة، لأمكن تفسيرها إلى حد بعيد بتطور مدى الطيران.

لكن ما حدث بعد ذلك جعل الصورة أكثر وضوحًا.

في 16 أبريل/ نيسان 1988، وصلت قوة إسرائيلية إلى منزل خليل الوزير "أبو جهاد" في سيدي بوسعيد شمال العاصمة التونسية واغتالته. 

ولسنوات لم تعلن إسرائيل رسميًا مسؤوليتها عن العملية. وفي 2012 سمحت الرقابة العسكرية الإسرائيلية بنشر تفاصيل مقابلة أجرتها "يديعوت أحرونوت" قبل سنوات مع أحد أفراد القوة المشاركة، لتظهر للمرة الأولى رواية إسرائيلية تفصيلية عن تنفيذ الاغتيال. 



أظهر اغتيال أبو جهاد أن التهديد لم يقتصر على القصف الجوي.

فبعد ثلاثة أعوام من غارة حمّام الشط، استطاعت قوة إسرائيلية تنفيذ عملية داخل تونس والوصول إلى منزل أحد أبرز قادة المنظمة، ما أكد أهمية العمل الاستخباري والعمليات السرية إلى جانب القدرة العسكرية بعيدة المدى.


ياسر عرفات وخليل الوزير "أبو جهاد" خلال زيارة إلى قاعدة تابعة لحركة فتح في جنوب لبنان في السبعينيات - أ ف ب/غيتي

ياسر عرفات وخليل الوزير "أبو جهاد" خلال زيارة إلى قاعدة تابعة لحركة فتح في جنوب لبنان في السبعينيات - غيتي

المسافة حمت القرار.. لا القيادة


وفّر انتقال منظمة التحرير إلى تونس هامشًا سياسيًا أوسع وحافظ على مركز قيادي موحد بعد الخروج من بيروت. لكن غارة حمّام الشط، ثم اغتيال خليل الوزير عام 1988، أظهرا أن البعد الجغرافي لم يوفر حماية مماثلة على المستوى الأمني.

وكشفت غارة 1 أكتوبر 1985 أن حماية القيادة لم تعد مرتبطة ببعد مقرها عن إسرائيل وحده، وإنما أيضًا بقدرة إسرائيل على جمع المعلومات وتحديد الأهداف وتنفيذ عمليات بعيدة المدى.


تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من