السبت 7 شباط / فبراير 2026
Close

من تموز إلى نطنز: تاريخ إسرائيل في استهداف المشاريع النووية في المنطقة

من تموز إلى نطنز: تاريخ إسرائيل في استهداف المشاريع النووية في المنطقة محدث 10 تموز 2025

شارك القصة

طائرة مقاتلة إسرائيلية من طراز F-15 تطلق شعلات حرارية، في مشهد يعكس استراتيجية إسرائيل في استهداف المشاريع النووية في الشرق الأوسط - غيتي
طائرة مقاتلة إسرائيلية من طراز F-15 تطلق شعلات حرارية، في مشهد يعكس إستراتيجية إسرائيل في استهداف المشاريع النووية في الشرق الأوسط - غيتي
الخط
رصد لتاريخ العمليات الإسرائيلية التي استهدفت مشاريع نووية وصاروخية في دول المنطقة، من الخمسينيات حتى المواجهة الأخيرة مع إيران.

أعاد العدوان الإسرائيلي الأخير، الذي استمر 12 يومًا، وبدأ باغتيالات طالت قادة في الحرس الثوري الإيراني والجيش الإيراني، إلى جانب علماء نوويين واستهداف منشآت حيوية، تسليط الضوء على تاريخ طويل من العمليات التي شنّتها إسرائيل ضد المشاريع العلمية والاستراتيجية في المنطقة العربية والإسلامية، منذ عام 1948، وعلى الأهداف المركّبة التي تقف خلف هذه السياسة الراسخة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

عقيدة بيغن: ضربات استباقية لإبقاء الردع حكرًا على إسرائيل

تفرض إسرائيل نفسها كدولة احتلال تعيش في وسط إقليمي معادٍ لها، خاصة على المستوى الشعبي، رغم إقامتها علاقات دبلوماسية وأمنية مع دول وأنظمة عربية وإسلامية، سواء بصورة علنية أو عبر قنوات سرية. في هذا السياق، تعتبر إسرائيل أن عليها منع أي دولة أو جهة سياسية في المنطقة من امتلاك أسلحة قد تخلّ بـ"التوازن العسكري والأمني" معها، وفقًا لمفهومها الخاص، الذي التزمت به منذ تأسيسها.

وقد عبّر رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، مناحيم بيغن (1)، بوضوح عن هذا المنطق عقب قصف المفاعل النووي العراقي، حين صرّح بأن "إسرائيل لن تسمح لأعدائها بامتلاك أسلحة دمار شامل"، وهو ما عُرف لاحقًا بـ"عقيدة بيغن"، التي تنصّ على ضرورة توجيه ضربات استباقية لأي مشروع نووي أو سلاح استراتيجي في دولة تعتبرها إسرائيل عدوّة لها.

في المقابل، بدأت إسرائيل نفسها برنامجها النووي منذ عهد رئيس وزرائها الأول ديفيد بن غوريون، الذي أرسى سياسة "الغموض النووي" أو "الصمت النووي" (2)، عبر التكتّم على أي نشاط مرتبط بتطوير السلاح النووي. وقد بقيت هذه السياسة قائمة حتى اليوم، رغم ما كُشف عنه من وثائق وصور، أبرزها ما سرّبه مردخاي فعنونو ونشرته صحيفة "ذا صندي تايمز" عام 1986، مؤكدًا وجود ترسانة نووية إسرائيلية في مواقع محظورة على الرقابة الدولية، بينما تواصل إسرائيل رفض الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي، مستفيدة من مظلة الدعم الغربي (3).

ورغم تبنّي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لهذه العقيدة، ظهرت بين الحين والآخر انتقادات داخلية تشكّك في ملاءمتها لكل ساحة صراع على حدة، نظرًا لاختلاف الظروف والتعقيدات السياسية (4). لكن جوهر هذه العقيدة القائم على منع امتلاك الخصوم لسلاح استراتيجي ما يزال حاضرًا في السلوك الإسرائيلي، حتى تجاه دول تنكر امتلاك مثل هذه الأسلحة، أو تؤكد أن مشاريعها النووية سلمية وخاضعة للمعايير الدولية.

وتنطلق إسرائيل في استراتيجيتها من تصنيف دول المنطقة ضمن "دوائر تهديد"، بحسب القرب الجغرافي ومستوى الخطر، كما أشار حاييم آسا، المستشار الاستراتيجي لرئيس الحكومة الأسبق إسحاق رابين، في مقال ناقض فيه وصف رابين بـ"رجل السلام"، مؤكّدًا أن توجهات أوسلو والتسويات مع مصر والأردن وفتح قنوات مع سوريا ولبنان هدفت إلى "تحييد الدائرة الأولى" للصراع، تمهيدًا لمواجهة "التهديدات الحقيقية" من الدائرة الثانية، والتي تمثلت في العراق وإيران (5).

طائرة F‑15 تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي تحلق في السماء – رمز القدرة على الضربات الوقائية الرادعة - غيتي
طائرة F‑15 تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي تحلق في السماء – رمز القدرة على الضربات الوقائية الرادعة - غيتي

"ديموقليس": اغتيال العلماء وتفكيك برنامج الصواريخ المصري

قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد، عملت إسرائيل بشكل مكثف على إحباط أي محاولة مصرية لتطوير قدرات تكنولوجية أو عسكرية من شأنها كسر التفوق الإسرائيلي، خصوصًا في مجال سلاح الجو الذي لعب دورًا حاسمًا في تدمير المطارات المصرية في اليوم الأول من حرب 1967.

وفي الستينيات، نفّذت إسرائيل عملية استخباراتية عُرفت باسم "ديموقليس" (6)، استهدفت علماء ألمان جاؤوا إلى مصر، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، للمساهمة في تطوير برنامج الصواريخ الباليستية. وقد قاد العملية رئيس جهاز "الموساد" آنذاك، إيسر هاريل، الذي اعتبر هذا البرنامج "تهديدًا استراتيجيًا" لإسرائيل، رغم معارضة رئيس الاستخبارات العسكرية في حينه مائير عاميت لهذا التقدير (7).

تكشف السياسات الإسرائيلية الممتدة من الخمسينات إلى اللحظة، أن العقيدة النووية والأمنية للكيان تقوم على احتكار الردع الاستراتيجي ومنع أي منافسة إقليمية له، حتى ولو كانت ضمن الاستخدامات السلمية.

يسرد الضابط المصري محمد ضيائي نافع، في كتابه عن مشروعات الصواريخ والطائرات، كيف قررت القيادة المصرية إطلاق مشروع صناعة صواريخ محلية بالاستفادة من خبرات خبراء ألمان سبق لهم العمل في تطوير صاروخ V-2 الباليستي خلال الحرب العالمية الثانية.

ويشير نافع إلى سلسلة من الاغتيالات التي نفّذها "الموساد" ضد الخبراء الألمان: من محاولة اغتيال فولفغانغ بيلز بقنبلة بريدية قتلت خمسة في مكتبه، إلى محاولة اغتيال هانز كلاينفاختر، واختفاء هاينز كروغ، الذي كان يدير شركة وهمية في ميونخ مرتبطة بالمشروع. ويُعتقد أن الأخير قُتل على يد "الموساد". كما جندت إسرائيل عملاء ألمانًا للعمل داخل مصر في هذا السياق. وقد كُشف عن العملية لاحقًا بعد اعتقال عميلين لـ"الموساد" في سويسرا إثر تهديدات طالت ابنة أحد العلماء، وهو ما أثار فضيحة داخلية دفعت هاريل إلى الاستقالة، تحت ضغط من بن غوريون، الذي خشي من تداعياتها على العلاقة مع ألمانيا الغربية (8).

عالم صواريخ ألماني في الستينيات خلال العمل على برنامج الصواريخ المصري – ضمن عملية "ديموقليس"
عالم صواريخ ألماني في الستينيات خلال العمل على برنامج الصواريخ المصري – ضمن عملية "ديموقليس"
عالم صواريخ ألماني في الستينيات خلال العمل على برنامج الصواريخ المصري – ضمن عملية "ديموقليس"

تدمير مفاعلات العراق وسوريا... ومراقبة البرنامج الليبي

في العراق، شنت إسرائيل هجومًا جويًا على مفاعل "تموز" المعروف أيضًا بـ"أوزيراك" في منطقة التويثة جنوب شرق بغداد، في 8 يوليو/ تموز 1981، ضمن عملية أطلق عليها اسم "بابل". استخدمت إسرائيل ثماني طائرات لإلقاء 16 قنبلة، منها قنبلتان زنة كل واحدة منهما 2000 رطل، لتدمير المفاعل بشكل كامل (9).

كما اتُّهم "الموساد" بتنفيذ سلسلة اغتيالات طالت علماء نوويين عراقيين في الثمانينيات، من بينهم العالم المصري يحيى المشد، وعبد الرحمن رسول في باريس، وسلمان رشيد اللامي في جنيف. وبعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وُجهت اتهامات جديدة للاستخبارات الإسرائيلية بتنفيذ اغتيالات بحق علماء طاقة ذرية. وتشير وثائق نُشرت لاحقًا إلى أن الجيش الإسرائيلي بقيادة رئيس أركانه آنذاك إيهود باراك، خطط في عام 1992 لاغتيال الرئيس العراقي صدام حسين (10).

وفي سوريا، شنت إسرائيل عام 2007 غارة على موقع في دير الزور، في عملية أطلقت عليها "البستان"، ادعت أنها استهدفت مشروعًا نوويًا ناشئًا بالتعاون بين سوريا وكوريا الشمالية، رغم نفي بشار الأسد وجود مفاعل في الموقع. وقد كشفت إسرائيل عام 2018 تفاصيل العملية، مشيرة إلى أنها بدأت بجمع معلومات من جهاز حاسوب لمسؤول سوري في لندن، إلى جانب تقارير من وحدة "8200" في الاستخبارات العسكرية، ثم إرسال وحدة كوماندوز إلى الموقع لجمع عينات أثبتت – بحسب الرواية الإسرائيلية – وجود نشاط نووي.

وفي 6 سبتمبر/ أيلول 2007، شنّت طائرات F-15 وF-16 غارات جوية من قاعدة "رامات دافيد"، بعد تعطيل الدفاعات الجوية السورية، ودمّرت المفاعل المزعوم. في 2022، كشف جيش الاحتلال عن وثيقة تعود لعام 2002، تزعم أن الاستخبارات كانت تتابع ما وصفته بـ"مشروع استراتيجي سوري مثير للشبهات" (11).

أما في ليبيا، فواجه جهاز "أمان" الإسرائيلي انتقادات لفشله في "الكشف المبكر" عن أي نشاط نووي خلال عهد معمر القذافي. ورغم ذلك، تشير وثائق استخباراتية إلى أن إسرائيل كانت تتابع الوضع الليبي عن كثب منذ أوائل التسعينيات، معتبرة أن القذافي أبدى رغبة واضحة في امتلاك سلاح نووي، من خلال سعيه لشراء قنبلة جاهزة، أو البلوتونيوم، أو تخصيب اليورانيوم باستخدام تقنيات الليزر. غير أن تلك المساعي لم تتطور فعليًا، وظلت في مستوى التهديد النظري دون تطبيق عملي (12).

مقاتلة F‑15 إسرائيلية تقلع في مهمة – رمزية العقيدة الاستباقية الإسرائيلية ضد التهديدات النووية - غيتي
مقاتلة F‑15 إسرائيلية تقلع في مهمة – رمزية العقيدة الاستباقية الإسرائيلية ضد التهديدات النووية - غيتي

إيران: من حرب الظلال إلى المواجهة المباشرة

يشكّل البرنامج النووي الإيراني اليوم أبرز هواجس إسرائيل الأمنية. فمنذ التسعينيات، لم يتوقف بنيامين نتنياهو عن التحذير من "اقتراب إيران من امتلاك القنبلة الإيرانية"، حتى تحوّل الملف إلى ما يشبه "قضية شخصية" في مسيرته السياسية (13).

وجاءت مرحلة التحوّل الكبرى مع الضربات الإسرائيلية في 13 يونيو/ حزيران 2025، التي استهدفت منشآت نووية وعسكرية إيرانية، واغتيالات طالت قادة في الحرس الثوري وعلماء ذرة، لتدخل العلاقة بين الجانبين في مرحلة حرب مباشرة، بعد سنوات من "حرب الظلال".

بعد 2003.. من التهديدات إلى الاغتيالات والتخريب

بعد عام 2003، ومع تصاعد الضغوطات الأميركية والأوروبية على إيران بسبب برنامجها النووي، بدأت إسرائيل تكثّف تهديداتها العلنية بضرب المنشآت النووية الإيرانية، رغم وجود تباينات واضحة بين القيادة السياسية وأجهزة الأمن والاستخبارات بشأن الاستراتيجية المثلى للتعامل مع هذا التهديد (14). أحد أبرز هذه الخلافات تمثّل في موقف رئيس "الموساد" الأسبق مائير داغان، الذي رفض الانجرار إلى ضربة عسكرية مباشرة لإيران، معارضًا توجهات بنيامين نتنياهو، ودافع بدلًا من ذلك عن استراتيجية قائمة على الاغتيالات النوعية والتخريب التقني.

بينما كانت الإستراتيجية الإسرائيلية ترتكز لعقود على العمليات السرّية والضربات الوقائية المحدودة، فإن الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران يُنذر بتحوّل جذري في قواعد الاشتباك، ويفتح الباب أمام سباق ردع إقليمي مفتوح، قد لا تتمكن إسرائيل من التحكّم بمآلاته كما في السابق.

من أبرز الأمثلة على ذلك، عملية تدمير أجهزة الطرد المركزي في منشأة "نطنز" النووية عام 2010، التي تمّت عبر إدخال فيروس إلكتروني يُعرف باسم "ستاكسنت"، زرعه مهندس هولندي جُنّد للعمل داخل المنشأة، واستُخدم لمهاجمة أنظمة التحكّم الصناعية، في واحدة من أوسع الهجمات السيبرانية تعقيدًا ضد البنية التحتية النووية الإيرانية. (15)

خطة باردو السرية... والاغتيالات الممنهجة

ولعب تامير باردو، الذي تولّى رئاسة "الموساد" لاحقًا، دورًا محوريًا في الحرب الإسرائيلية على البرنامج النووي الإيراني، ووضع عام 2003 خطة سرية تقوم على عدة ركائز استراتيجية: الضغط الدبلوماسي الدولي، فرض عقوبات اقتصادية خانقة، دعم الأقليات والمعارضة الإيرانية، تعطيل سلاسل الإمداد الحساسة، وأخيرًا تنفيذ عمليات اغتيال وتخريب تستهدف العلماء والبنية التحتية النووية الإيرانية، في إطار حرب سرية طويلة الأمد (16).

وقد طبّقت هذه الإستراتيجية تدريجيًا، حيث نفّذت الاستخبارات الإسرائيلية عمليات اغتيال طالت عددًا من أبرز العلماء النوويين الإيرانيين. شملت العمليات، على سبيل المثال، اغتيال أستاذ الفيزياء مسعود علي محمدي، ومؤسس الجمعية النووية الإيرانية مجيد شهرياري الذي قُتل عبر قنبلة مغناطيسية زرعت بسيارته، في حين نجا رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية فريدون عباسي دواني من محاولة اغتيال مشابهة في اليوم نفسه.

صورة جوية لمفاعل أراك النووي في إيران - عقدة النزاع الإسرائيلي – الإيراني حول البرنامج النووي - غيتي
صورة جوية لمفاعل أراك النووي في إيران - عقدة النزاع الإسرائيلي – الإيراني حول البرنامج النووي - غيتي

لاحقًا، اغتيل طالب الدكتوراه في الهندسة الكهربائية داريوش رضائي نجاد برصاص مباشر من مسلحين على دراجة نارية، وتبعه اغتيال المهندس الكيميائي مصطفى أحمدي روشان بقنبلة مغناطيسية أيضًا. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، اغتيل محسن فخري زاده، أبرز علماء البرنامج النووي الإيراني، عبر سلاح رشاش يتم التحكم به عن بُعد، كان مثبتًا على شاحنة صغيرة.

وتشير دراسات إسرائيلية، أبرزها كتاب الصحفي المقرب من الاستخبارات الإسرائيلية رونين بيرغمان، إلى أن إسرائيل تقف أيضًا خلف مقتل حسن طهراني مقدم، مؤسس البرنامج الصاروخي الإيراني، في انفجار ضخم وقع داخل معسكر قرب طهران، وقُتل فيه عدد من الضباط والعناصر.

الاتفاق النووي وسرقة الأرشيف

عارض نتنياهو بشدّة الاتفاق النووي الذي توصّلت إليه مجموعة "5+1"، بقيادة الولايات المتحدة في عهد الرئيس باراك أوباما، معتبرًا أنه يشكّل غطاءً لإيران لمواصلة تطوير قدراتها النووية. وعقب فوز دونالد ترامب بالرئاسة عام 2017، كثّف نتنياهو جهوده لإقناع الإدارة الأميركية بالانسحاب من الاتفاق، وهو ما تحقّق لاحقًا.

ضمن هذه الجهود، نفّذ "الموساد" عملية نوعية لسرقة "الأرشيف النووي الإيراني"، بعد اختراق مستودع محصن في منطقة "شورآباد"، جنوب طهران، حيث استولى عملاء الجهاز على نصف طن من الوثائق والأقراص الصلبة، استخدمها نتنياهو لاحقًا في عرض تلفزيوني للتأكيد أن إيران تسعى لامتلاك سلاح نووي، في سياق حملته الدولية.

بالتوازي، واصل الجيش الإسرائيلي خلال تلك السنوات التدرب على سيناريوهات توجيه ضربات للمنشآت النووية الإيرانية، مع التركيز على ضرب منظومات الدفاع الجوي الإيرانية كخطوة تمهيدية. وقد تبلورت هذه المقاربة عمليًا في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، بعد الرد الإيراني المعروف بـ"الوعد الصادق 2"، إثر اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، والأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله، والقيادي في الحرس الثوري عباس نيلفروشان.

"ميزان الذهب": العقيدة النووية الأميركية التي تتبنّاها إسرائيل

في موازاة ذلك، تنتهج إسرائيل سياسة صارمة تستند إلى ما يُعرف بـ"معيار الذهب" الأميركي، الذي يشترط على الدول المتلقية للتكنولوجيا النووية حظر التخصيب المحلي لليورانيوم، وفرض إشراف أميركي كامل على أي مشروع نووي عربي. وتعكس هذه السياسة حرص إسرائيل على منع أي توازن نووي محتمل في المنطقة، حتى وإن اقتصر على الاستخدامات السلمية، إذ تعتبر أن امتلاك المعرفة يشكّل أولى خطوات تهديد تفوقها النوعي.

في هذا السياق، لا تخفي إسرائيل قلقها من محاولات دول كمصر والسعودية وتركيا دخول المجال النووي، حتى لأغراض مدنية كالإنتاج الزراعي أو الطبي. ووفق تقديرات أمنية إسرائيلية، فإن امتلاك إيران للقدرة النووية سيدفع هذه الدول تلقائيًا إلى سباق تسلح إقليمي يهدّد "التفوق النوعي الإسرائيلي".

هذا التوتر تجلّى بوضوح خلال مناقشات التطبيع المحتمل بين إسرائيل والسعودية، حيث أثار طلب الرياض بالحصول على برنامج نووي سلمي، بمساعدة أميركية، سجالاً داخليًا في إسرائيل. وبينما قبل بعض الساسة الفكرة بشروط، شدّد آخرون على ضرورة رفضها بالكامل، بل رفض بيع أي أسلحة متطورة قد تُخلّ بالتفوق الإسرائيلي.

ويتّسع هذا الحذر ليشمل مصر، حيث تتحدّث تقارير إسرائيلية عن منشآت وبنية تحتية عسكرية أقامها الجيش المصري في سيناء، يصفها بعض المسؤولين الإسرائيليين بأنها "مخالفة لاتفاقية كامب ديفيد". ويزعم هؤلاء أن أي تغيير سياسي مفاجئ في مصر قد يوصل إلى الحكم قوى معادية لإسرائيل، ما يمنحها قاعدة انطلاق عسكرية جاهزة بفعل هذه المنشآت. (19)

في المحصلة، تكشف السياسات الإسرائيلية الممتدة من الخمسينات إلى اللحظة، أن العقيدة النووية والأمنية للكيان تقوم على احتكار الردع الاستراتيجي ومنع أي منافسة إقليمية له، حتى ولو كانت ضمن الاستخدامات السلمية. وبينما كانت الاستراتيجية الإسرائيلية ترتكز لعقود على العمليات السرّية والضربات الوقائية المحدودة، فإن الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران يُنذر بتحوّل جذري في قواعد الاشتباك، ويفتح الباب أمام سباق ردع إقليمي مفتوح، قد لا تتمكن إسرائيل من التحكّم بمآلاته كما في السابق.

المراجع

  1. حول "عقيدة بيغن" وتاريخها: مقال منشور على موقع مختارات من مجلة الدراسات الفلسطينية، "عقيدة بيغن"، يمكن الاطلاع عليه عبر الرابط: https://mukhtaraat.palestine-studies.org/ar/node/10990
  2. سياسة الغموض النووي الإسرائيلية: دراسة تحليلية بعنوان "سياسة الغموض النووي الإسرائيلية: الخلفية والأسباب والأهداف"، بقلم محمود محارب، منشورة في مجلة "سياسات عربية" عن مركز الدوحة للدراسات العليا والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الرابط
  3. قضية مردخاي فعنونو والتسريبات حول الترسانة النووية الإسرائيلية: مدخل موسوعي في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، بعنوان: "فعنونو، مردخاي"، متوفر عبر الرابط: https://www.madarcenter.org/موسوعة-المصطلحات/1253
  4. تحليل على موقع "يديعوت أحرونوت" بعد الهجوم على إيران، يناقش استمرار "عقيدة بيغن": https://www.ynet.co.il/news/article/syt1eqtqge
  5. مقال حاييم آسا المستشار السابق لرابين، يُبرز البُعد الاستراتيجي لتعامل إسرائيل مع دوائر الصراع، منشور في "العربي الجديد": https://www.alaraby.co.uk/opinion/الفصل-المُستجدّ-في-تقييم-رابين
  6. تفاصيل عن "عملية ديموقليس" الإسرائيلية ضد العلماء الألمان المشاركين في البرنامج الصاروخي المصري، منشورة في أرشيف مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي: https://www.intelligence.org.il/?module=articles&item_id=16&article_id=31&art_category_id=7
  7. معلومات إضافية حول الخلافات داخل إسرائيل بعد فضيحة اعتقال عملاء الموساد في أوروبا أثناء تنفيذ العملية، من موقع "إسرائيل ديفنس": https://www.israeldefense.co.il/node/19702
  8. تقرير تحقيق منشور في موقع "العربي الجديد" عن البرنامج الصاروخي المصري والعمليات الإسرائيلية ضده: https://www.alaraby.co.uk/investigations/عن-برنامج-صاروخي-عربي-دمرته-إسرائيل
  9. معلومات عن عملية قصف مفاعل "تموز" العراقي في 1981، منشورة على موقع "العربي": https://www.alaraby.com/news/عملية-بابل-عندما-قصفت-إسرائيل-مفاعل-تموز
  10. تصريحات للرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية في العراق حول الاغتيالات التي طالت علماء عراقيين: https://royanews.tv/news/281142
  11. تقرير عن استهداف المفاعل السوري المزعوم، منشور في مجلة "Middle East Quarterly": https://www.meforum.org/middle-east-quarterly/when-israel-destroyed-syrias-nuclear-reactor
  12. دراسة للضابط والباحث مائير فينكل عن دور الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في متابعة البرامج النووية في العراق وليبيا وسوريا، منشورة على موقع معهد أبحاث الاستخبارات: https://www.intelligence-research.org.il/post/finkel-meir-nabak
  13. تحليل عن رهان نتنياهو الطويل على شنّ حرب ضد إيران، منشور على موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية: https://www.palestine-studies.org/ar/node/1657419
  14. تقرير عن الخلاف بين رئيس "الموساد" الأسبق مائير داغان ونتنياهو حول الخيار العسكري في التعامل مع الملف النووي الإيراني، منشور في صحيفة الوطن البحرينية: https://alwatannews.net/ampArticle/403675
  15. دراسة تحليلية حول الاغتيالات التي نفذها الموساد ضمن الحرب الاستخباراتية ضد إيران، منشورة على موقع "Eurasia Arab": https://eurasiaar.org/ماذا-يكشف-السجل-الطويل-لاغتيالات-المو/
  16. تحقيق في موقع "Politico" عن العمليات السرية الإسرائيلية ضد العلماء النوويين الإيرانيين: https://www.politico.com/magazine/story/2018/03/05/israel-assassination-iranian-scientists-217223/
  17. دراسة من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) للباحث يوئيل غوزانسكي حول البرنامج النووي السعودي: https://www.inss.org.il/strategic_assessment/saudi-arabia-walking-the-nuclear-path/
  18. تقرير على موقع "الخليج أونلاين" عن الموقف الإسرائيلي من حصول السعودية على برنامج نووي سلمي: https://alkhaleejonline.net/سياسة/لماذا-تخشى-إسرائيل-من-تطوير-السعودية-لبرنامجها-النووي
  19. مثال عن التحريض الإسرائيلي ضد مشاريع عسكرية مصرية في سيناء، من خلال تقرير على قناة "روسيا اليوم": https://arabic.rt.com/middle_east/1630988
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي