تحل في 28 سبتمبر/ أيلول ذكرى رحيل الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي توفي عام 1970 عن 52 عامًا، بعدما ترك وراءه تجربة سياسية امتد أثرها إلى مصر والعالم العربي لعقود.
خلال سنوات حكمه، ارتبط اسم عبد الناصر بمحطات غيّرت وجه مصر والمنطقة، من ثورة 23 يوليو/ تموز وتأميم قناة السويس وبناء السد العالي، إلى تجربة الوحدة مع سوريا، ثم هزيمة يونيو/ حزيران 1967 وحرب الاستنزاف.
لكن تجربته شهدت كذلك تركيزًا واسعًا للسلطة في يد الدولة وتراجعًا للتعددية السياسية، ما جعل إرثه محل نقاش مستمر بين من يركزون على سياسات الاستقلال والتحولات الاجتماعية في عهده، ومن ينتقدون طبيعة النظام السياسي والقيود التي فرضها على المعارضة.
صعود الضابط الحر
ولد جمال عبد الناصر في 15 يناير/ كانون الثاني 1918 في الإسكندرية، وتنقل خلال طفولته بين أكثر من مدينة بحكم عمل والده، قبل أن يستقر في القاهرة ويلتحق بمدرسة النهضة الثانوية.
وانخرط مبكرًا في النشاط السياسي والطلابي، وشارك في مظاهرات مناهضة للاحتلال البريطاني والتطورات السياسية التي كانت تشهدها مصر آنذاك.
وكان عبد الناصر شغوفًا بالقراءة، وتأثر بعدد من الكتاب والمفكرين، وألّف لاحقًا أعمالًا من بينها "فلسفة الثورة"، و"يوميات عن حرب فلسطين"، و"في سبيل الحرية".
والتحق بالكلية الحربية عام 1937 وتخرج فيها في يوليو/ تموز 1938، وشارك بعد عقد في حرب فلسطين عام 1948، التي شكّلت إحدى التجارب المؤثرة في جيله من الضباط المصريين.
وفي عام 1949، تشكلت سرًا اللجنة التأسيسية لتنظيم الضباط الأحرار، وكان عبد الناصر في صلب التنظيم الذي قاد تحرك 23 يوليو/ تموز 1952 وأطاح بالملك فاروق.
جمال عبد الناصر بين أعضاء تنظيم الضباط الأحرار في القاهرة عام 1952 - غيتي
وأُلغي النظام الملكي وأُعلنت الجمهورية في يونيو/ حزيران 1953، وأصبح محمد نجيب أول رئيس للجمهورية. لكن الخلاف بين نجيب وعبد الناصر تصاعد سريعًا حول إدارة المرحلة الجديدة ومستقبل الحياة السياسية.
وانتهى الصراع بإعفاء نجيب من مناصبه في نوفمبر/ تشرين الثاني 1954، فيما أصبح عبد الناصر الشخصية الأبرز في النظام الجديد، قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية في يونيو/ حزيران 1956.
تحولات داخل مصر
شهدت السنوات الأولى بعد ثورة يوليو تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة، شملت الإصلاح الزراعي وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد وتوسيع القطاع العام.
وفي المقابل، تراجعت التعددية الحزبية بعد حل الأحزاب السياسية، وتطورت منظومة سياسية تقوم على تنظيم سياسي واحد في مراحل مختلفة، وصولًا إلى تأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي في الستينيات.
وفي السياسة الخارجية، كان إنهاء الوجود العسكري البريطاني أحد الملفات الرئيسية للنظام الجديد. ووقعت مصر وبريطانيا اتفاقية الجلاء عام 1954، وغادر آخر الجنود البريطانيين منطقة قناة السويس في يونيو/ حزيران 1956.
وبعد أسابيع، جاءت واحدة من أبرز محطات عهد عبد الناصر.
في 26 يوليو/ تموز 1956، وقف الرئيس المصري في ميدان المنشية بالإسكندرية وأعلن تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، ونقل أصولها وحقوقها والتزاماتها إلى الدولة المصرية.
وسبق القرار بأيام سحب الولايات المتحدة وبريطانيا عرضهما للمساهمة في تمويل مشروع السد العالي، ليتراجع البنك الدولي بدوره عن ترتيبات التمويل. وربط عبد الناصر في خطاب التأميم بين إيرادات القناة وتمويل المشروع.
وتحول القرار سريعًا من خطوة اقتصادية وسيادية إلى مواجهة دولية. ففي أكتوبر/ تشرين الأول 1956 هاجمت إسرائيل مصر، ثم تدخلت بريطانيا وفرنسا عسكريًا في ما عُرف عربيًا بـ"العدوان الثلاثي".
أعلن جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس في 26 يوليو/ تموز 1956 - غيتي
ومن المشروعات التي ارتبطت بعهد عبد الناصر السد العالي في أسوان، الذي بدأ بناؤه عام 1960 بمساعدة وتمويل سوفييتي، وأتاح تخزين مياه النيل وتنظيم تدفقها وتوليد الكهرباء.
وتشكل خلف السد خزان مائي ضخم يمتد نحو 500 كيلومتر بين مصر والسودان، ويُعرف الجزء الواقع داخل مصر منه ببحيرة ناصر.
من مصر وسوريا إلى الجمهورية العربية المتحدة
امتد مشروع عبد الناصر السياسي خارج حدود مصر، مع تصاعد المد القومي العربي خلال الخمسينيات.
وفي 22 فبراير/ شباط 1958، أُعلن اتحاد مصر وسوريا تحت اسم "الجمهورية العربية المتحدة"، وأصبح عبد الناصر رئيسًا للدولة الجديدة، فيما اتخذت القاهرة عاصمة لها.
جمال عبد الناصر والرئيس السوري شكري القوتلي خلال محادثات تشكيل الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 - غيتي
وجاءت الوحدة في ظل ظروف سياسية معقدة داخل سوريا وتصاعد التأييد للقومية العربية، لكنها رافقتها تغييرات واسعة في بنية الدولة والحياة السياسية.
واستمرت الوحدة بين سوريا ومصر حتى 28 سبتمبر/ أيلول 1961، عندما تحرك ضباط سوريون بقيادة عبد الكريم النحلاوي وسيطروا على دمشق، لينتهي الاتحاد بعد نحو ثلاث سنوات ونصف.
المفارقة أن تاريخ الانفصال، 28 سبتمبر، أصبح بعد تسع سنوات تمامًا تاريخ وفاة عبد الناصر.
1967.. نقطة انعطاف
شكّلت حرب يونيو/ حزيران 1967 واحدة من أشد المحطات تأثيرًا في عهد عبد الناصر.
فقد هُزم الجيش المصري في الحرب مع إسرائيل وخسرت مصر شبه جزيرة سيناء، فيما احتلت إسرائيل كذلك الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة والجولان السوري.
وفي 9 يونيو، ظهر عبد الناصر في خطاب متلفز أعلن فيه تحمله المسؤولية وتنحيه عن منصبه، قبل أن يتراجع عن القرار بعد خروج مظاهرات طالبت ببقائه في الحكم.
وبعد الهزيمة، بدأت مصر إعادة تنظيم قواتها المسلحة وتسليحها، مع توسع الدعم العسكري السوفييتي.
بدأت مصر بعد هزيمة يونيو/ حزيران 1967 عملية واسعة لإعادة بناء قواتها المسلحة - غيتي
ودخلت جبهة قناة السويس في سلسلة مواجهات متصاعدة مع إسرائيل، عُرفت لاحقًا بحرب الاستنزاف، واستمرت حتى وقف إطلاق النار عام 1970.
وخلال هذه المرحلة، تعزز التعاون العسكري بين القاهرة وموسكو، ولا سيما في مجالات الدفاع الجوي والتسليح، فيما بقي هدف استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 في صدارة السياسة المصرية.
الأيام الأخيرة
في سبتمبر/ أيلول 1970، اندلعت مواجهات دامية في الأردن بين الجيش الأردني والفصائل الفلسطينية، في الأحداث التي عُرفت باسم أيلول الأسود.
واستضاف عبد الناصر في القاهرة قمة عربية طارئة في محاولة لوقف المواجهات، وانتهت الاجتماعات بالتوصل إلى اتفاق بين الملك حسين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات.
بعد انتهاء القمة في 28 سبتمبر 1970، تعرض عبد الناصر لأزمة قلبية حادة وتوفي مساء اليوم نفسه عن 52 عامًا.
وخرجت حشود ضخمة في جنازته التي أقيمت في القاهرة في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، بحضور قادة ووفود عربية وأجنبية، لتنتهي بذلك مرحلة سياسية امتدت من تنظيم الضباط الأحرار وثورة يوليو إلى نحو 14 عامًا في رئاسة الجمهورية.