الخميس 25 يوليو / يوليو 2024

من حلم الوحدة السلمية إلى تفجر الصراع.. كواليس حرب الانفصال اليمنية

من حلم الوحدة السلمية إلى تفجر الصراع.. كواليس حرب الانفصال اليمنية

شارك القصة

حلقة من برنامج "كنت هناك" تسلط الضوء على حرب الانفصال اليمنية عام 1994 التي تعتبر مفصلًا في التاريخ اليمني بعدما أسهمت بشكل كبير في رسم ملامح الواقع السياسي للبلاد (الصورة: غيتي)
شكلت حرب صيف 1994 التي اندلعت بين قوات علي عبد الله صالح وعلي سالم البيض، مفصلًا في التاريخ اليمني حيث أسهمت برسم ملامح الواقع السياسي للبلاد.

شهد اليمنيون ثورتين في ستينيات القرن العشرين، الأولى ضد حكم الأئمة في الشمال عام 1962، والثانية في الجنوب ضد الاحتلال البريطاني عام 1967.

وعلى مدى عقدي السبعينيات والثمانينيات كانت آمال الوحدة بين شطري اليمن تتعاظم، حتى انتهى الأمر بتحولها إلى واقع في 22 مايو/ أيار 1990 حيث أعلن الطرفان وحدة اندماجية عقب مفاوضات طويلة.

الاتفاق الذي وقعه قائد الشمال علي عبد الله صالح وقائد الجنوب علي سالم البيض نقل الحلم إلى أرض الواقع لكنه سرعان ما تحول إلى كابوس.

فالأمور لم تكن وردية بعد إعلان الوحدة، حيث واجه اليمن الموحد أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية عدة، فضلًا عن اختلاف رؤى حزبي المؤتمر الشعبي في الشمال والحزب الاشتراكي في الجنوب.

اقتسم الحزبان السلطة، وأكسبتهما الظروف وضعًا متميزًا جعلت الوحدة تبدو وكأنها بينهما فقط، ومن ثم أصبح نجاحها متوقفًا بدرجة كبيرة على درجة التوافق أو الخلاف بينهما.

تفاقم الخلافات

ورغم ما ظهر به الحزبان من علاقة جيدة ظاهرية، إلا أن خلافات اندلعت حول كثير من القضايا السياسية والمسائل التنظيمية، ثم تفاقم الأمر عندما بدأت رواسب العدالة التاريخية واختلاف تجربة كل منهما في الحكم تطل برأسها.

وكان للولاءات الإقليمية والقبلية أيضًا تأثير سلبي واضح، إضافة إلى تأثير بعض العوامل الخارجية ممن كان يقلقهم قيام دولة الوحدة والتوجه الديمقراطي فيها.

وانطلق الصراع على تطبيق بنود اتفاقية الوحدة ثم انتقل الخلاف إلى تطبيق مواد الدستور، وكذلك إلى دمج القوات المسلحة، فيما تدهورت الأوضاع الميدانية مع سلسلة من الاغتيالات السياسية التي استهدفت قيادات من الحزب الاشتراكي.

اندلعت الشرارة الأولى للحرب في 21 فبراير/ شباط 1994
اندلعت الشرارة الأولى للحرب في 21 فبراير/ شباط 1994 - غيتي

عدم القدرة على الوفاء بكل التزامات الوحدة وإزالة مظاهر التشطير وصعوبة إجراء انتخابات نيابية بانتهاء الفترة الانتقالية تسبب بتمديدها إلى 35 شهرًا، حيث تم إعلان تاريخ 27 أبريل/ نيسان 1993 موعدًا لإجراء أول انتخابات نيابية في تاريخ اليمن على أساس التعددية الحوبية.

وبعدها، توالى الإعلان عن تأسيس الأحزاب السياسية منذ إعلان وثيقة الوحدة حتى وصل عددها بعد عامين من الوحدة إلى 46 حزبًا، لكن البعض يعتقد أن هذه الأحزاب لعبت الدور الرئيسي في تأجيج الصراع ومن ثم اندلاع الحرب.

أزمة شاملة

دخلت البلاد معترك أزمة شاملة، وشكل اعتكاف نائب الرئيس في عدن مع عدد من المسؤولين من أعضاء الحزب الاشتراكي مظهرًا واضحًا لذلك.

في المقابل، دعت قوى وطنية إلى إقامة حوار سياسي لنزع فتيل الأزمة وحماية المنجز الوحدوي والديمقراطي.

وفي تلك الفترة، شهدت البلاد حراكًا سياسيًا تمثل في مؤتمرات شعبية تمخض عنها توصيات شكلت في مجملها رؤية للوصول إلى وثيقة العهد والاتفاق. تلك الوثيقة التي وقعها الطرفان بعد سنة في الأردن لكن لم يتم الالتزام بها.

وضعت الحرب الاقتصاد اليمني في مأزق حقيقي
وضعت الحرب الاقتصاد اليمني في مأزق حقيقي - غيتي

واندلعت الشرارة الأولى للحرب في 21 فبراير/ شباط 1994 في محافظة أبين الجنوبية، فيما اندلعت الشرارة الثانية عشية اجتماع الحكومة واللجنة العسكرية في مدينة تعز في أبريل/ نيسان 1994، وبدأت الأمور تسوء تدريجيًا رغم أن الطرفين كانا يعلنان التزامهما بتطبيق الوثيقة.

بداية حرب صيف 1994 في اليمن

وفي الذكرى الأولى لانتخاب البرلمان، ألقى علي سالم البيض خطابًا في 26 أبريل/ نيسان 1994 هاجم فيه صنعاء، وفي اليوم التالي دعا صالح لمحاربة من سماهم بـ"الانفصاليين".

وفي خلال ساعات تفجر الوضع العسكري في منطقة عمران قرب العاصمة صنعاء بين اللواء الثالث مدرع جنوبي واللواء الأول مدرع شمالي، وكانت هي البداية الفعلية لحرب صيف 1994.

لم تنجح الجهود الدبلوماسية العربية المبذولة في إيقاف الحرب، فعلى الأرض استطاع الطرفان تعبئة ميليشيات تابعة لهما بهدف تعزيز مواقعهما العسكرية.

الخسارة الأكبر تمثلت بالضربة التي تلقتها الوحدة اليمنية
الخسارة الأكبر تمثلت بالضربة التي تلقتها الوحدة اليمنية - غيتي

وفي فجر 21 مايو/ أيار 1994 أعلن علي سالم البيض قيام دولة جمهورية اليمن الديمقراطية. وبهذا الإعلان دخلت الحرب مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا.

ومع اشتداد حدة المعارك وازدياد الضغط على عدن، توالت التحذيرات الدولية مثل قرار مجلس الأمن الدولي في 29 يونيو/ حزيران 1994 للمطالبة بالوقف الفوري لقصف عدن.

وفي 7 يوليو/ تموز 1994 تمكنت قوات صالح مدعومة بمسلحين قبليين وبعض القيادات العسكرية الجنوبية السابقة من السيطرة على الجنوب بينما غادر علي سالم البيض مع مساعديه وكبار القادة العسكريين إلى الخارج.

وبما يخالف العفو العام الذي أعلن عنه علي عبد الله صالح، شهد الواقع تقليص مهام معظم الوزراء التابعين للحزب الاشتراكي على الرغم من أن شريحة كبيرة منهم عارضت الحرب والانفصال.

ضربة للوحدة اليمنية

وتمثلت إحدى الخسائر الرئيسية للحرب بالتدهور الاقتصادي، حيث طال الدمار المنشآت الصناعية والعقارية والبنية الأساسية للدولة والمشاريع التنموية ما وضع الاقتصاد اليمني في مأزق حقيقي.

أما الخسارة الأكبر، فتمثلت بالضربة التي تلقتها الوحدة اليمنية حيث يرى كثير من اليمنيين وخصوصًا في الجنوب أنها أزهقت فكرة الوحدة السلمية القائمة على الشراكة في السلطة والثروة، وفرضت بدلًا منهما وحدة قائمة على القوة والغلبة.

ولم تتحسن أحوال اليمن السعيد بعدما انتهى الأمر باندلاع الثورة ضد علي عبد الله صالح في فبراير/ شباط 2011 وتلا ذلك استيلاء الحوثيين على السلطة في سبتمبر/ أيلول 2014 ليدخل اليمن صفحة مؤلمة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسط تصاعد الدعوات لانفصال الجنوب من جديد وهو ما يراه البعض من تداعيات حرب صيف 1994 وآثارها التي يبدو أن اليمن لم يتخلص منها بعد.

تابع القراءة
المصادر:
العربي
Close