الأربعاء 19 أغسطس / أغسطس 2026

من دون إطلاق رصاصة.. كيف هزّ قانون إيطالي إمبراطوريات المافيا؟

من دون إطلاق رصاصة.. كيف هزّ قانون إيطالي إمبراطوريات المافيا؟

شارك القصة

المافيا الإيطالية
أبناء عائلات المافيا يعيشون في عزلة تفرضها طبيعة حياة أسرهم- غيتي/ تعبيرية
أبناء عائلات المافيا يعيشون في عزلة تفرضها طبيعة حياة أسرهم- غيتي/ تعبيرية
الخط
قانون إيطالي جديد يمنح أبناء عائلات المافيا فرصة للابتعاد عن نفوذ العصابات وبدء حياة جديدة، عبر برامج حماية قد تشمل تغيير الهوية.
ارتبط اسم المافيا تاريخيًا بعصابات تمارس أخطر أشكال الجريمة، من الاغتيالات والابتزاز إلى الاتجار بالممنوعات والبشر، ضمن شبكات مغلقة تحكمها قواعد خاصة بها. 
لكن ماذا عن الجانب الآخر من هذه العائلات؟ كيف يعيش أبناؤها؟ وكيف تكون حياة الأطفال الذين يولدون داخل هذه البيئات؟ وهل يستطيعون الاندماج مع المجتمع مثل بقية أقرانهم؟
الإجابة غالبًا: لا.  فأبناء عائلات المافيا يعيشون في عزلة تفرضها طبيعة حياة أسرهم، إذ يُمنعون في كثير من الأحيان من بناء علاقات طبيعية مع محيطهم، خشية تسريب معلومات عن العائلة أو كشف نشاطاتها.

الانتماء إلى عالم الجريمة


وقد يضطر بعضهم إلى تغيير أسمائهم أو مدارسهم هربًا من نظرة المجتمع أو من تبعات ارتباطهم بعائلات معروفة بانتمائها إلى عالم الجريمة. كما تُربّى أجيال من هذه العائلات على فكرة أن الغرباء يمثلون خطرًا، ما يجعل الخروج من دائرة المافيا أكثر صعوبة.

لكن إيطاليا تسعى إلى تغيير هذا الواقع من خلال قانون جديد يحمل اسم "حرية الاختيار"، يهدف إلى منح أبناء عائلات المافيا فرصة لبدء حياة مختلفة بعيدًا عن نفوذ العصابات.

ويتيح القانون للأطفال والشباب الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا الانتقال إلى مدارس جديدة، والحصول على دعم اجتماعي وتعليمي، وحتى تغيير هوياتهم عند الحاجة، بهدف حمايتهم من الضغوط العائلية والبيئة الإجرامية المحيطة بهم.



تشريع لمواجهة إرث الجريمة المنظمة


وكانت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية قد أشارت في تقرير لها إلى أن التشريع حصل على الموافقة النهائية من مجلس الشيوخ الإيطالي، وسط آمال بأن يصبح نموذجًا يمكن الاستفادة منه في مواجهة التنظيمات الإجرامية التي تعتمد على الروابط العائلية لضمان استمرار نفوذها.

ويرى مؤيدو القانون أنه يمنح الأجيال الجديدة فرصة لاتخاذ خياراتها بعيدًا عن إرث العنف والجريمة.

ورحبت رئيسة اللجنة البرلمانية لمكافحة المافيا كيارا كولوسيمو بالخطوة، معتبرة أنها حولت حلمًا ظل لسنوات طويلة بعيد المنال إلى قانون نافذ. ومن المتوقع أن يستفيد من البرنامج نحو 400 طفل سنويًا.

كما دعم المدعي العام في مدينة جيلا بجزيرة صقلية سالفاتوري فيلا المشروع، مؤكدًا أن مواجهة المافيا لا تعتمد فقط على العمل الأمني، بل تحتاج أيضًا إلى تغيير البيئة الثقافية والاجتماعية التي تسمح باستمرارها. 


فكرة تعود إلى أكثر من عقد


وفكرة القانون ليست جديدة، إذ تعود جذورها إلى عام 2011، عندما أطلق القاضي الإيطالي روبرتو دي بيلا برنامجًا لإبعاد أطفال عائلات المافيا عن البيئة الإجرامية، وتوفير الدعم التعليمي والنفسي والاجتماعي لهم. والهدف كان واضحًا: كسر الحلقة المتوارثة للجريمة المنظمة، ومنع انتقال الانتماء إلى المافيا من جيل إلى آخر.

لكن المشروع واجه آنذاك انتقادات من بعض الجهات التي اعتبرت أن إبعاد الأطفال عن عائلاتهم يمثل تدخلًا في شؤون الأسر.

ورد القاضي دي بيلا بأن الهدف ليس تفكيك العائلات، بل حماية الأطفال ومنحهم فرصة لحياة طبيعية، مشيرًا إلى أن البرنامج يمكن أن يساعد النساء أيضًا على إعادة بناء حياتهن عبر التدريب المهني والدعم الاجتماعي، وحتى تغيير الأسماء العائلية عند الضرورة.

وكشف القاضي أن عددًا من زوجات وأمهات زعماء المافيا تواصلن معه سرًا، وطالبن بإبعاد أبنائهن عن بيئة الجريمة، خوفًا من أن ينتهي بهم الأمر إلى السجن أو إلى مصائر مأساوية إذا استمروا في هذا الطريق. 


قوانين إيطالية صارمة ضد المافيا


وتملك إيطاليا قوانين مشددة لمكافحة المافيا، إذ تعتبر المادة 41 من القانون الجنائي الإيطالي مجرد الانتماء إلى تنظيم مافياوي جريمة بحد ذاتها، حتى دون ارتكاب جريمة أخرى. وتتراوح عقوبة الانتماء إلى تنظيمات المافيا بين 10 و15 عامًا من السجن.

وقد لقي هذا الخبر تفاعلًا على مواقع التواصل الاجتماعي. فكتب رومان "خطوة مهمة ضد الجريمة المنظمة، رغم أن تحقيق التوازن بين الحماية والحقوق الفردية سيكون أمرًا بالغ الأهمية".

أما بيني فقال: "يجب أن ينفصل القانون عن التقاليد السائدة في بيئة المافيا، حيث يُتوقع غالبًا أن يرث ابن زعيم العصابة منصب والده".

في المقابل، انتقد جورجيو الفكرة قائلًا: "أثبتت الدراسات العلمية أنها طريقة عديمة الجدوى لعلاج هذه المشكلة، بل ضارة للغاية إذا تم اختيارها كبديل للعلاجات الرسمية. لا يتمتع المرء بالحرية إذا كان مضللًا، لذا فإن القانون ضار ليس من حيث الحديث أو المبدأ، بل من حيث الجوهر".

تابع القراءة

المصادر

التلفزيون العربي