من ذاكرة كأس العالم.. قصة أغرب سرقتين في تاريخ المونديال
في عالم الرياضة، لا توجد جائزة تحظى بالشهرة والرمزية مثل كأس العالم. فهي ليست مجرد كأس تُرفع بعد المباراة النهائية، إنما رمز عالمي للقوة الرياضية والمجد الوطني وذاكرة الشعوب.
لكن خلف هذه الهالة اللامعة تختبئ قصة أقل شهرة وأكثر غرابة: كأس العالم الأصلية تعرضت للسرقة مرتين، وفي الحالتين تحولت القضية إلى حدث دولي جمع بين الجريمة والسياسة والإثارة والأساطير الشعبية.
كأس جول ريميه.. الجائزة الأصلية للمونديال
فالكأس التي سُرقت لم تكن النسخة الحالية المعروفة اليوم، وإنما كأس كأس "جول ريميه" التي حملت اسم رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي قاد مشروع تأسيس كأس العالم عام 1930.
صُمّم كأس "جول ريميه" على هيئة امرأة مجنّحة تحمل وعاءً ذهبيًا، وكانت مصنوعة من الفضة المطلية بالذهب، مع قاعدة من اللازورد، قبل أن تتحول على مدى عقود إلى رمز لأعظم بطولة كروية على الأرض.
لكن تلك الكأس تحولت في مناسبتين إلى هدف للصوص، وكانت كل سرقة تحمل قصة مختلفة تمامًا عن الأخرى.
بطاقة الكأس المسروقة
-
الاسم: كأس جول ريميه
-
استُخدمت في كأس العالم بين 1930 و1970
-
التصميم: امرأة مجنّحة تحمل وعاءً ذهبيًا
-
المادة: فضة مطلية بالذهب
-
السرقة الأولى: لندن، 1966
-
السرقة الثانية: ريو دي جانيرو، 1983
-
المصير: اختفت ولم تُسترجع
مونديال 1966.. سرقة أحرجت بريطانيا
في ربيع عام 1966، كانت بريطانيا تستعد لاستضافة كأس العالم لأول مرة في تاريخها. وقبل أشهر قليلة من انطلاق البطولة، قرّر المنظمون عرض الكأس الأصلية ضمن معرض للطوابع النادرة أقيم في قاعة ويستمينستر المركزية في لندن.
وُضعت الكأس داخل صندوق زجاجي، وسط إجراءات حراسة بدت كافية في حينه، على اعتبار أنّ أحدًا لن يجرؤ على الاقتراب من الجائزة الأشهر في كرة القدم.
لكن صباح 20 مارس/ آذار 1966 حمل مفاجأة صادمة. فقد اكتشف المنظمون اختفاء الكأس، بعدما تمكّن اللص من فتح الجزء الخلفي للخزانة وسحبها والفرار، فيما كان الحرّاس منشغلين بمراقبة بقية القاعة.
وخلال ساعات، تحولت القضية إلى فضيحة وطنية في بريطانيا، خاصة أنّ العالم كان يراقب استعدادات البلاد لتنظيم البطولة.
أطلقت الشرطة البريطانية عملية بحث واسعة، وتصدّرت القضية نشرات الأخبار العالمية. ثم تلقّى الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم رسالة تطالب بفدية مالية قدرها 15 ألف جنيه إسترليني في مقابل إعادة الكأس، ما زاد من تعقيد القضية وأحرج السلطات أكثر.
لكن النهاية جاءت بطريقة لم يتوقعها أحد...
بيكلز.. الكلب الذي أنقذ سمعة بريطانيا
بعد أسبوع من السرقة، كان رجل يُدعى ديفيد كوربيت يتمشى مع كلبه "بيكلز" في أحد شوارع جنوب لندن، حين لاحظ الكلب طردًا ملفوفًا بورق الصحف تحت شجيرة.
اقترب "بيكلز" من الطرد وأثار انتباه صاحبه، الذي فتحه ليكتشف أنّه يحتوي على كأس العالم المفقودة. عندها حمل كوربيت الكأس وتوجّه بها إلى مركز شرطة جيبسي هيل.
وفجأة، تحولت القصة إلى أسطورة شعبية. أصبح "بيكلز" أشهر كلب في بريطانيا، ومُنح ميدالية فضية، وظهر في البرامج التلفزيونية والصحف، وحضر مناسبات رسمية، كما نال مكافآت وطعامًا مجانيًا، وشارك في دور صغير ضمن الفيلم الكوميدي "الجاسوس ذو الأنف البارد".
أما صاحبه، فحصل لاحقًا على مكافأة مالية كبيرة تقديرًا لدوره في إعادة الكأس.
وبالنسبة إلى الشرطة البريطانية، مثّل العثور على الكأس إنقاذًا لسمعة البلاد قبل أشهر من انطلاق البطولة، التي انتهت بتتويج المنتخب الإنكليزي بعد فوزه على ألمانيا الغربية في النهائي
ريو 1983.. حين اختفت الكأس إلى الأبد
بعد تتويج البرازيل بكأس العالم للمرة الثالثة عام 1970، حصل الاتحاد البرازيلي لكرة القدم على حق الاحتفاظ الدائم بكأس "جول ريميه"، وفق القواعد المعمول بها آنذاك.
وظلّت لكأس محفوظة في مقر الاتحاد البرازيلي داخل صندوق زجاجي في مدينة ريو دي جانيرو. ورغم أنّ الصندوق كان مقاومًا للرصاص، فإن نظام الحماية لم يكن بالمستوى المتوقع بالنسبة إلى قطعة تُعد من أشهر الجوائز الرياضية في العالم.
لم تكن هناك أنظمة مراقبة إلكترونية متطورة، ولا إجراءات أمنية معقّدة، كما أنّ تصميم المكان جعل الوصول إلى الكأس ممكنًا إذا تم تجاوز الحاجز الزجاجي.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 1983، استغلّ اللصوص هذه الثغرات، واقتحموا مقر الاتحاد، وكسروا الخزانة الزجاجية، وسرقوا الكأس للمرة الثانية في تاريخها.
وبحسب التحقيقات اللاحقة، استخدم أفراد العصابة أدوات بسيطة نسبيًا للوصول إلى الكأس، وتمكنوا من خلع الجزء الخلفي من الخزانة وسرقتها خلال دقائق.
لغز لم يُحلّ في ذاكرة كرة القدم
عندما اكتُشفت السرقة، كانت الصدمة هائلة داخل البرازيل وخارجها. فأطلقت الشرطة البرازيلية تحقيقًا واسعًا، وسرعان ما توصّلت إلى عدد من المشتبه بهم المرتبطين بعصابات سرقة وتهريب.
وبعد أشهر من التحقيقات، اعتُقل عدة أشخاص، بينهم ضابط شرطة سابق وتاجر ذهب أرجنتيني يُدعى خوان كارلوس هيرنانديز، اشتُبه في أنّه لعب دورًا أساسيًا في إخفاء الكأس أو التخلص منها.
وتذهب الرواية الأكثر تداولًا إلى أنّ اللصوص صهروا الكأس وباعوا معدنها في السوق السوداء، غير أنّ هذه الفرضية بقيت موضع شك، خصوصًا أنّ الكأس لم تكن مصنوعة من الذهب الخالص. ومع ذلك، لم تُسترجع الكأس أبدًا، وبقي مصيرها واحدًا من أكثر ألغاز كرة القدم شهرة.
شكّلت السرقة صدمة كبيرة لـ"فيفا"، الذي شدّد لاحقًا إجراءات الحماية الخاصة بالكأس الجديدة المستخدمة منذ عام 1974. فالكأس الحالية لا تُمنح بشكل دائم لأي منتخب، وتبقى ملكًا للاتحاد الدولي، بينما يحصل الأبطال على نسخة مقلّدة مطلية بالذهب.
كما أصبحت الكأس تُنقل تحت حراسة أمنية صارمة وتُخزّن في ظروف شديدة الحماية، لتجنّب تكرار الكارثة التي أنهت وجود الكأس الأصلية.