على امتداد تاريخ بطولة كأس العرب، لم تكن البطولة مجرد منافسة كروية تقيس قوة المنتخبات، بل مساحة التقت فيها الجماهير العربية رغم التباينات السياسية بين الدول.
في فترات كان فيها الخطاب الرسمي متوترًا أو بارداً، وفّرت الملاعب فرصة نادرة للاحتكاك المباشر بين الشعوب، مؤكدة أن الروابط الاجتماعية والثقافية لا تختفي مع تصاعد الخلافات، بل إن ما جمعته الملاعب كان ترجمة لأواصر التلاقي بين أهل "الضاد".
بطولة كأس العرب 2025
وبرز هذا المعنى بوضوح في النسخة التي تستضيفها قطر هذا العام، وكذلك في البطولة التي استضافتها الدوحة 2021، حيث عكست البطولتان أجواء أخوية لافتة داخل المدرجات وخارجها.
فقد اجتمعت جماهير عربية من دول مختلفة في فضاء واحد، وتحولت الملاعب إلى نقاط التقاء إنساني وثقافي، خصوصًا خلال المباريات التي جاءت في ظل توترات سياسية بين بعض المنتخبات المشاركة.
مشاهد تبادل الأعلام، والهتافات المشتركة، والاحتفاء باللعبة قبل النتائج، أعادت التأكيد على قدرة كرة القدم في جمع الجمهور العربي بعيدًا عن الانقسامات الرسمية.
جماهير المنتخبين السوري والفلسطيني عقب انتهاء اللقاء وتأهل الفريقين: واحد واحد.. فلسطين وسوريا واحد pic.twitter.com/bxJNJ3Qtb2
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) December 7, 2025
وكانت البطولة في تاريخها سباقة لجمع الخصوم السياسيين على راية كروية واحدة، ومن هذا السجل التاريخي نستعرض ثلاث مباريات تغلبت فيها الكرة على السياسة:
مصر - ليبيا 1964
التقى يومها المنتخبان المصري والليبي ضمن دور المجموعات، في مرحلة كانت تشهد تباينات في التوجهات السياسية بين بعض الدول العربية.
كانت مصر في حقبة الرئيس جمال عبد الناصر، بينما كانت ليبيا الملكية تحت قيادة الملك إدريس السنوسي، وهي مرحلة حملت الكثير من الفروق بين الزعيمين.
وجمعت الكويت المنتخبين في بطولة 1964، وانتهت المباراة بفوز المنتخب المصري بهدفين دون مقابل، في لقاء جرى في أجواء هادئة داخل الملعب والمدرجات، حيث حضرت جماهير من البلدين من دون تسجيل أي توترات تُذكر.
ولفتت التغطيات الصحافية آنذاك الانتباه إلى مشاهد المصافحات بين اللاعبين بعد صافرة النهاية، باعتبارها دليلًا على أن المنافسة بقيت ضمن إطارها الرياضي، وبروح أظهرت الأخوة بين اللاعبين وانعكست على الجماهير في المدرجات.
وعلى مستوى البطولة، لم يواصل المنتخب المصري مشواره حتى الأدوار النهائية، فيما توّج المنتخب العراقي بلقب النسخة الأولى من كأس العرب.
العراق- سوريا 1988
ففي دور المجموعات، التقى المنتخبان السوري والعراقي في مرحلة شهدت توتّرًا سياسيًا واضحًا بين البلدين على خلفية التطورات الإقليمية آنذاك، وانقسام البعثين بين البعث السوري بقيادة حافظ الأسد، والبعث العراقي بقيادة صدام حسين.
وانتهت المباراة بفوز المنتخب العراقي بهدفين مقابل هدف، وهي نتيجة ساعدته على تصدر مجموعته ومواصلة طريقه نحو التتويج بلقب البطولة في نهايتها.
ورغم حساسية الظرف، شهد اللقاء حضورًا جماهيريًا مختلطًا، وتناقلت الصحف الأردنية والعربية صور مصافحات بين لاعبي المنتخبين، مشيرة إلى هدوء المدرجات وغياب أي مظاهر توتر، في مشهد عكس رغبة جماهيرية في الفصل بين الخلافات السياسية والمنافسة الرياضية.
الجزائر- المغرب 2021
وأُقيمت المباراة على ملعب الثمامة في الدوحة، وانتهى وقتها الأصلي والإضافي بالتعادل 2–2، قبل أن يحسمها المنتخب الجزائري بركلات الترجيح 5–3 ويتأهل إلى الدور نصف النهائي.
وعلى الرغم من حساسية السياق السياسي، امتلأت المدرجات بأعلام المنتخبين في مشاهد تشجيع متبادلة سبقت المباراة وترافقت معها. وفي نهاية البطولة، تُوّج المنتخب الجزائري باللقب، غير أن لقاءه والمغرب بقي من أبرز محطات النسخة لما حمله من دلالات جماهيرية وإنسانية.
وهكذا، بين الكويت وعمّان والدوحة، يتضح أن كأس العرب لم تكن مجرد بطولة تجمع المنتخبات، بل مساحة تُختبر فيها قدرة الشعوب على التواصل رغم الخلافات الرسمية.
قد لا تغيّر كرة القدم مسار السياسة، لكنها توفر لحظات مشتركة تخفف من حدّة القطيعة، وتذكّر بأن ما يجمع الشعوب العربية أوسع من خلافات الأنظمة، وأن الملاعب قادرة أحيانًا على فتح نوافذ لا تستطيع السياسة فتحها.