هل يمكن للفلسفة أن تغيّر طريقة خوض الحروب؟
قد تثير عبارة "فيلسوف في الجيش" الاستغراب، بسبب الاعتياد العام على وجود افتراق متزايد بين المجال العسكري من جهة، والعلوم الإنسانية والاجتماعية، وفي مقدمتها الفلسفة، من جهة أخرى.
لكن الواقع التاريخي والمعاصر يكشف أن الحقل الفلسفي لم ينفصل عن تشعبات النشاط الإنساني المختلفة، بل ساهم في تشكيل تصورات اجتماعية وسياسية واقتصادية وعسكرية، ضمن السعي البشري إلى تطوير أنماط العيش وتنظيم المجتمع، وهو ما يفعله التفكير الفلسفي في علاقته بالعقل والحياة.
غير أنّ تجربة الجيش الإسرائيلي تطرح مفارقة أبعد من مجرد استعانة الضباط بالكتب والنظريات:
الفلسفة في عقيدة الجيش الإسرائيلي
عرف تاريخ الجيش الإسرائيلي، الذي يتجاوز كونه مؤسسة ذات تشكيلات عسكرية وتراتبية تنظيمية وأدوات قتالية وعدوانية، ليصبح مؤسسة ذات تأثيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية داخل المجتمع الإسرائيلي، محاولات متعددة لإدخال التفكير الفلسفي والنظري في عمليات بناء العقيدة العسكرية وتطوير ما يُعرف بـ"الفن العملياتي".
وقد جاءت هذه المحاولات أحيانًا استجابة لأزمات عسكرية، وأحيانًا أخرى ضمن الصراعات الفكرية داخل المؤسسة العسكرية نفسها بين تيارات مختلفة، أو نتيجة تأثر بعض الضباط بالتيارات الفكرية والفلسفية الغربية، خاصة تلك المرتبطة بالتحولات الفكرية في أوروبا.
بدأت "الدودة الفلسفية" تشق طريقها داخل الجيش الإسرائيلي مع المبادرة التي قادها العميد شمعون نيفيه، الذي آمن بقدرة مزيج من الأفكار المستمدة من نظرية النظم، والفلسفة ما بعد الحداثية، خصوصًا الفرنسية منها، والعقيدة العسكرية السوفياتية، والنظريات العسكرية الصينية القديمة، على إنتاج تصور عملياتي جديد يعالج أزمة أساسية تمثلت في الفجوة بين الاستراتيجية بوصفها الإطار العام الذي يوجه الجيش لتحقيق الأهداف العليا، وبين التكتيك بوصفه مجموعة الإجراءات المباشرة في الميدان التي قد تحقق نجاحات محدودة دون أن تتحول إلى نتائج استراتيجية.
نيفيه.. ماذا أراد من "الفن العملياتي"؟
وضع شمعون نيفيه، الذي انضم إلى الجيش الإسرائيلي في لواء المظليين قبل حرب عام 1967، وتدرج في المناصب العسكرية حتى وصل إلى رتبة قائد فرقة، أفكاره الأساسية في أطروحة الدكتوراه التي حملت عنوان "السعي نحو التميز العسكري: تطور النظرية العملياتية"، والتي قدمها إلى جامعة كينغز كوليدج لندن.
يشير مفهوم "المستوى العملياتي" إلى المنطقة الوسطى بين الاستراتيجية والتكتيك؛ فهو المستوى الذي يربط بين المعارك والعمليات الميدانية المختلفة وبين الأهداف الاستراتيجية التي يحددها المستوى السياسي باعتبارها الغايات المطلوب تحقيقها في الحرب. ولذلك يهتم هذا المستوى بتصميم الحملات العسكرية، وتحديد مراكز الثقل لدى القوات الصديقة والخصم، وبناء الإطار الفكري والتخطيطي الذي تتحرك داخله العمليات العسكرية لتحقيق أهدافها.
جادل نيفيه في كتاباته حول "الفن العملياتي" بأن المؤسسات العسكرية والفكرية الغربية لم تقدم إطارًا تاريخيًا متماسكًا لتطور مفهوم الإدراك العملياتي، وأن مصادر دراسة هذا المستوى لم تكن محددة بصورة كافية، كما رأى أن البحث الغربي في هذا المجال عانى من نقص في الانضباط العلمي.
وانطلاقًا من ذلك، طرح نيفيه مجموعة من الأسئلة حول طبيعة المستوى العملياتي وحدوده، من بينها: ما الجوانب التي تميزه عن المستويين الاستراتيجي والتكتيكي؟ وما المعايير التي يمكن من خلالها تحديد المشكلة العملياتية؟ وكيف يمكن الفصل بين الجوانب التطبيقية للفن العملياتي والجوانب المعرفية المرتبطة به؟ وما الأساس الذي يسمح بالقول بوجود إدراك عملياتي مستقل؟
رحلة فلسفة "الفن العملياتي" في الجيش الإسرائيلي
بدأ نيفيه عام 1994 تطبيق أفكاره داخل الجيش الإسرائيلي من خلال مركز أبحاث النظرية العملياتية (Operational Theory Research Institute - OTRI)، المعروف بالعبرية باسم "ملتام"، والذي تأسس بتكليف من رئيس الأركان آنذاك أمنون ليبكين شاحاك.
جاء تأسيس المركز في سياق التحولات التي شهدتها إسرائيل خلال تسعينيات القرن الماضي، بعد اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، والدخول في مسارات تفاوضية مع دول عربية، إضافة إلى تأثير التحولات التي طرأت على الفكر العسكري العالمي، خصوصًا بعد الأداء العسكري الأميركي في حرب الخليج عام 1991.
رأت مدارس عسكرية عديدة، بينها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية المتأثرة بدرجة كبيرة بالنموذج الأميركي، أن حرب الخليج مثلت تحولًا نوعيًا في الفكر العسكري، بسبب الاعتماد المكثف على التكنولوجيا المتقدمة، والتفوق الاستخباراتي، واستخدام القوة الجوية في حسم العمليات.
أدى ذلك إلى تنامي الاعتقاد داخل قطاعات من النخبة العسكرية الإسرائيلية بوجود أزمة في الأداء القتالي، خصوصًا لدى القوات البرية، وهي أزمة تعززت منذ حرب أكتوبر 1973 وظهرت انعكاساتها خلال المواجهات في جنوب لبنان. لذلك سعى نيفيه ومؤيدوه إلى تطوير عقيدة جديدة تعالج الفجوة بين أداء تكتيكي يُنظر إليه باعتباره متقدمًا، وبين نتائج استراتيجية لم تحقق الأهداف المرجوة.
انطلق نيفيه في مشروعه داخل الجيش بالتعاون مع دوف تاماري، الذي ترأس المركز، والضابط المتقاعد تسفي لانير. والتقت أفكارهم مع توجهات لدى عدد من ضباط قيادة المنطقة الوسطى، المسؤولة عن الساحة الفلسطينية، الذين كانوا يبحثون عن مفاهيم عملياتية جديدة للتعامل مع واقع التسعينيات، بما في ذلك قيام السلطة الفلسطينية، وانتشار قوات أمن فلسطينية مسلحة، وتراجع السيطرة الإسرائيلية المباشرة على المدن الفلسطينية، والتغيرات السياسية المتسارعة.
"دكتور العمليات" في "الجيش الهش"
بدأ دوف تاماري خدمته العسكرية في الجيش الإسرائيلي ضمن لواء المظليين، وشارك في عدد من الحروب والعمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الدول العربية والفلسطينيين، قبل أن يصل إلى قيادة وحدة "سييرت متكال" الخاصة، ويصبح أول ضابط يُعيّن رئيسًا لشعبة الاستخبارات العسكرية الميدانية، كما عمل مساعدًا لرئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان"، وقد وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين بأنه "دكتور العمليات".
وفي مقدمة أطروحته للدكتوراه التي حملت عنوان "قوات الاحتياط: ظاهرة إسرائيلية فريدة"، والتي حصل بموجبها على درجة الدكتوراه من جامعة حيفا، كتب تاماري أنه خلال عمله لمدة 11 عامًا في مركز أبحاث النظرية العملياتية، تلقى تشجيعًا من شمعون نيفيه، الذي وصفه بأنه "أحد رواد دراسة الفن العملياتي"، للبحث في ظاهرة قوات الاحتياط في الجيش الإسرائيلي.
ومن خلال مراجعة الإصدارات والأوراق البحثية والدراسات العسكرية التي نشرها تاماري أو شارك في إعدادها خلال تلك السنوات، يظهر توجه نقدي تجاه بعض استراتيجيات الجيش الإسرائيلي وتكتيكاته، ومحاولة لإعادة التفكير في الأسس التي يقوم عليها الأداء العسكري.
واعتاد تاماري افتتاح الدورات التي ينظمها في الجامعة بعبارة: "الجيش الإسرائيلي هو جيش هش"، في إشارة إلى اعتماده على قوة نظامية صغيرة لا تكفي وحدها لمواجهة التحديات، مقابل الاعتماد الكبير على قوات الاحتياط. وكان يردد أيضًا عبارة: "لن أفاجأ إن فاجأنا أحد"، وهي العبارة التي اكتسبت حضورًا خاصًا بعد هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حين تمكنت حركة حماس من تنفيذ هجوم مفاجئ على إسرائيل، رغم اعتماد المنظومة الأمنية الإسرائيلية على مفهوم ردع يقوم على استبعاد إمكانية وقوع مثل هذا السيناريو.
وفي سيرته الذاتية "حياة في الحرب"، تناول تاماري علاقة المجتمع الإسرائيلي بالحرب، والمفارقة بين تراكم الخبرة العسكرية وبين المخاطر التي قد تحملها هذه الخبرة على الجيوش. ويقول إن الإسرائيليين، الذين راكموا خبرة طويلة في الحروب عبر أجيال متعددة، يقدرون هذه الخبرة باعتبارها مصدر قوة، لكنها قد تتحول في الوقت ذاته إلى عبء لأنها تدفع المؤسسات العسكرية إلى التعلق بالماضي، في حين أن الحروب المقبلة تكون مختلفة دائمًا عن سابقاتها.
لم يتوسع تاماري في سيرته الذاتية في تجربة قيادته لمركز أبحاث النظرية العملياتية، لكنه أشار إلى الصراعات داخل المؤسسة العسكرية بين الفكر "التقليدي" والمبادرات التي توصف بأنها "إبداعية"، معتبرًا أن الجيش يحتاج إلى ما سماه "كيانات متمردة" لتطوير قدراته، وأن المؤسسات العسكرية الذكية تقوم بتحويل هذا التمرد الفكري إلى أساليب عمل منظمة داخل الوحدات.
وفي ورقة بحثية نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، التابع لجامعة تل أبيب، طرح تاماري فكرته الأساسية التي لخّصها بعبارة: "عرفنا كيف نحتل ولم نعرف كيف نسيطر". ورأى أن الجيش والحكومة الإسرائيليين، بعد احتلال أراضٍ عربية خلال حرب عام 1967، لم يمتلكا تصورًا نظريًا تفصيليًا وواضحًا بشأن كيفية إدارة السيطرة على مناطق تفوق مساحتها مساحة إسرائيل نفسها بعد قيامها إثر حرب النكبة.
وفي مقال آخر تناول فيه الأداء الاستراتيجي الإسرائيلي خلال فترة احتلال جنوب لبنان (1982-2000)، رأى تاماري أن إسرائيل كثيرًا ما دخلت، بعد حروب كبيرة اعتبرت نفسها "منتصرة" فيها، في حروب استنزاف أضعفت مكاسبها العسكرية، وحولت السيطرة على مناطق عربية إلى عبء استراتيجي طويل الأمد.
"الثعلب" أم "القنفذ"؟
يمكن الاقتراب من تصور تسفي لانير للتعلم العسكري والتعامل مع المفاجآت من خلال ثنائية "الثعلب" و"القنفذ".
ففي كتاب أصدره باللغة الإنكليزية قبل سنوات، تناول لانير، الذي اتجه بعد تقاعده من الجيش الإسرائيلي إلى مزج أفكاره حول القيادة والعمليات والاستخبارات بمفاهيم مرتبطة بما يسمى "التنمية الذاتية/البشرية"، موضوعات مثل الحياة بعد التقاعد والتكيف مع الشيخوخة.
يقوم تصوره الفكري على المقابلة بين القنفذ، الذي يمثل العقل التخطيطي المنطلق من فكرة مركزية واضحة ومتماسكة، والثعلب الذي يمثل القدرة على التعامل مع المفاجآت والتكيف مع التحولات المستمرة في الواقع الإنساني.
ويستند لانير إلى كتاب "الحرب والسلام" للكاتب والفيلسوف الروسي ليو تولستوي، مستحضرًا المقارنة بين نابليون بوصفه نموذجًا لـ"القنفذ"، بما يمثله من تخطيط دقيق ورؤية مركزية، وبين الجنرال الروسي ميخائيل كوتوزوف بوصفه نموذجًا لـ"الثعلب"، الذي اعتمد على انتظار اللحظة المناسبة والتعامل مع تعقيدات الواقع بدلًا من إخضاعه لخطة ثابتة مسبقًا.
شغل لانير عددًا من المناصب في الجيش الإسرائيلي، كان آخرها في جهاز الاستخبارات العسكرية قبل تقاعده، كما تلقى تعليمًا في مجالات العلوم السياسية والاجتماعية. ويتمحور جزء كبير من تنظيراته حول فكرة السيولة في الواقع؛ أي النظر إلى الواقع باعتباره عملية مستمرة من التطور والتغير، بما يفرض على المؤسسات، ومنها الجيش، الدخول في عمليات تعلم متواصلة.
وطور لانير، في كتاب تناول إخفاق إسرائيل في منع أو مواجهة الهجوم المصري والسوري في حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، تمييزًا بين مفهومين للمفاجأة الاستخباراتية: "المفاجأة الظرفية" و"المفاجأة الأساسية". ورأى أن الفشل الإسرائيلي كان مرتبطًا بالنوع الثاني، إذ لم يكن جوهر الإخفاق فقط في غياب المعلومات المباشرة أو ضعف الإنذار المبكر، وإنما في عدم فهم السياق السياسي والاجتماعي والعسكري الأوسع الذي أنتج الحرب.
وأشار لانير إلى أن الإخفاق لم يبدأ مع اندلاع حرب أكتوبر، بل سبقه مسار طويل من التطورات، بدأ منذ حرب الاستنزاف، حيث فشلت المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية في فهم التحولات العميقة لدى خصومها، وفي تطوير قدرة على التعلم والتفكير بعيد المدى.
لماذا الفلسفة الفرنسية؟
في نصها الدفاعي عن فكرة التصميم العملياتي المنظومي الذي طوّره أستاذها شمعون نيفيه، أشارت الدكتورة عوفرا غرايتسر، التي ما تزال تقدم استشارات في مجالات عسكرية واستراتيجية لعدد من المؤسسات والجيوش، إلى أن الضباط الإسرائيليين الذين تلقوا دورات في مركز أبحاث النظرية العملياتية (OTRI) تعاملوا مع أفكار مجموعة من المفكرين والفلاسفة، بينهم عدد من فلاسفة المدرسة الفرنسية ما بعد الحداثية، مثل جيل دولوز، وفيليكس غوتاري، وميشيل فوكو وغيرهم.
وتبرز مفارقة لافتة في استعانة الجيش الإسرائيلي ببعض أفكار الفلسفة الفرنسية ما بعد الحداثية، إذ كان جيل دولوز، أحد أبرز ممثلي هذا التيار، قد عبّر خلال مسيرته الفكرية عن مواقف داعمة للقضية الفلسطينية، وانتقد الحركة الصهيونية وجرائمها بحق الفلسطينيين، كما شبّه في بعض كتاباته مأساة الفلسطينيين بما جرى مع الهنود الحمر من إبادة في الولايات المتحدة.
يمكن القول إن مشروع دولوز الفلسفي، خصوصًا، قام على نقد كثير من الأنساق الفلسفية التقليدية التي هيمنت على تاريخ الفلسفة منذ العصور القديمة. فقد رأى أن الفلسفة ليست بحثًا عن مبادئ أولى ثابتة، وفق التصور الإغريقي الأرسطي، بل هي "إبداع للمفاهيم"، وأن الاختلاف والتعدد والتجربة هي عناصر أساسية في إنتاج المعرفة وتطويرها.
وشدد دولوز على ضرورة القطع مع وهم البداية المطلقة، معتبرًا أن الإمكان والتعدد يسبقان كل محاولة لتأسيس نظام مغلق ونهائي. ومن هنا جاءت أفكاره حول تجاوز البنى الثابتة، والبحث عن أشكال جديدة من التفكير والحركة.
وفي كتابهما "ألف هضبة: الرأسمالية والفصام"، قدم دولوز وغوتاري مفهوم "الجذمور"، المستعار من عالم النبات، للدلالة على شبكة من العلاقات المتعددة التي لا تنطلق من مركز واحد ولا تخضع لتسلسل هرمي ثابت. فبدل نموذج الشجرة الذي يقوم على أصل مركزي وفروع متدرجة، يقترح مفهوم الجذمور نموذجًا يقوم على التعدد والانتشار والاتصال بين نقاط مختلفة.
كما قدما مفهوم "الفضاء الأملس"، الذي يشير إلى فضاء مفتوح وغير مركزي، تتحرك داخله العلاقات والأحداث بدلًا من الأشكال الثابتة، في مقابل "الفضاء المخدد" الذي يرتبط بالبنى التنظيمية والسلطة والتقسيمات والحدود التي تنتجها المؤسسات والدول.
استند نيفيه وشركاؤه في مركز أبحاث النظرية العملياتية إلى بعض هذه المفاهيم في محاولة تطوير تصور عسكري جديد يقوم على إعادة تعريف الفضاء الحضري، وفهم شبكات الخصم باعتبارها منظومات مترابطة، بدل التعامل معها بوصفها تسلسلًا هرميًا يبدأ من مركز وينتهي عند قاعدة.
لكن هذه المحاولة لم تخلُ من الانتقادات؛ إذ رأى منتقدو التجربة أن بعض هذه التصورات اتسمت بالمبالغة النظرية، وأنها نقلت مفاهيم فلسفية مجردة إلى مجال عسكري شديد التعقيد، ما أدى إلى فجوة بين اللغة النظرية والتطبيق العملي في الميدان.
ومن خلال إعادة تعريف "الفضاء الحضري"، الذي أصبح أحد مجالات التداخل بين علوم مختلفة، مثل الجغرافيا والفلسفة والهندسة ودراسات المدن، تشكل جزء من الأسطورة التي أحاطت بمركز أبحاث النظرية العملياتية، ومنحت شرعية فكرية لضباط كبار في الجيش الإسرائيلي، بينهم أفيف كوخافي الذي وصل لاحقًا إلى منصب رئيس الأركان.
قصة "الأسطرة".. المشي عبر الجدران
بلغت عملية بناء صورة أفيف كوخافي بوصفه "مفكرًا مبدعًا" ذروتها بعد العمليات العسكرية التي نفذتها القوات الإسرائيلية في حي القصبة بالبلدة القديمة في نابلس ومخيم بلاطة عام 2002، حين استخدمت القوات أسلوب التحرك عبر المباني والجدران خلال اقتحام المناطق السكنية.
وقد جرى تقديم هذا الأسلوب لاحقًا في الأدبيات المرتبطة بالجيش الإسرائيلي بوصفه تطبيقًا لفكرة "الهندسة العكسية" في البيئة الحضرية؛ إذ تجنبت القوات التحرك في تشكيلات عسكرية مكشوفة عبر شوارع المخيم، واعتمدت على اختراق الجدران والتنقل داخل الأبنية.
ولا يعني ذلك أن الفلسفة أنتجت هذا التكتيك من الصفر، بقدر ما وفّرت لغة أعادت تفسيره وتقديمه بوصفه جزءًا من تصور عملياتي جديد.
غير أن الصورة التي قدمها الجيش الإسرائيلي وكوخافي ومركز أبحاث النظرية العملياتية عن هذا الأسلوب باعتباره "إبداعًا غير مسبوق" تعرضت لانتقادات من باحثين رأوا أن استخدام المباني والمرور عبر الجدران لتجنب النيران المكشوفة ليس فكرة جديدة في تاريخ القتال داخل المدن، بل هو أسلوب تكتيكي عرفته جيوش مختلفة في حروب سابقة.
بعد عمليات نابلس ومخيم بلاطة، كتب شمعون نيفيه نصًا سرديًا عن "إبداع أفيف" بهدف تقريب مفاهيم المركز من ضباط كلية الأركان الذين سيدرسونها. ولافت في النص أنه قدم كوخافي، الذي كان حينها قائد لواء المظليين، بوصفه نموذجًا للضابط المبتكر الذي يتجاوز التفكير العسكري التقليدي.
وفي القصة، ينسب نيفيه إلى كوخافي خطابًا يقوم على نقد النماذج العسكرية السائدة، حيث يصور المشكلة الأساسية باعتبارها ليست في ابتكار أسلوب جديد فقط، بل في التحرر من أنماط التفكير التي قيدت الجيوش النظامية خلال القرون الماضية.
كما يؤكد النص على فكرة أن العقائد العسكرية القائمة لا تقدم بالضرورة حلولًا مناسبة للواقع المتغير، وأن الحاجة تفرض بناء أنماط جديدة من التفكير والعمل العسكري.
وخلال السرد، تظهر شخصيات الضباط والجنود وهم يواجهون حالة من القلق أمام صعوبة اقتحام مخيم مكتظ بالمقاتلين الفلسطينيين، قبل أن يقدم "أفيف" الحل بلغة مليئة بالمصطلحات النظرية والفلسفية.
استخدم النص مجموعة واسعة من المفاهيم للتعبير عن الخطة العسكرية، من بينها: الإدراك، التفكير النقدي، الخفاء التكتيكي، المنظومة، التنظيم، التماسك المادي والمفاهيمي، العلاقة بين الكتلة والمساحة، التدفق الذكي، والمناورة الحشدية، وغيرها من المصطلحات التي عكست لغة مركز أبحاث النظرية العملياتية.
وبعد المرافعة الفكرية التي قدمها كوخافي في القصة، يستخدم نيفيه شخصية أحد الجنود لإظهار الصراع الداخلي بين تيار يرى نفسه ممثلًا للإبداع والتجديد، وتيار آخر يصفه بأنه تقليدي ومتمسك بالقواعد العسكرية القديمة.
وتكشف هذه السردية عن استمرار حضور المفاهيم التي حاول نيفيه والمركز ترسيخها داخل الجيش، مثل التعامل مع الواقع الميداني باعتباره فضاءً متغيرًا ومعقدًا، يحتاج إلى التعلم المستمر وإعادة بناء المعرفة العسكرية.
إلا أن منتقدين رأوا أن الحديث عن "إبداع كوخافي" حمل قدرًا كبيرًا من الأسطرة، وأن المبالغة في تقديم تكتيكات قتالية معروفة بلغة فلسفية معقدة كانت تعكس، في جانب منها، صراعًا داخليًا داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حول معنى التجديد والابتكار.
فقد احتاج تيار نيفيه إلى هذه السردية لتأكيد شرعية مشروعه الفكري، وتقديم مجموعة المفاهيم التي جمعها من الفلسفة والنظريات الاجتماعية والعسكرية باعتبارها عقيدة عملياتية جديدة تتعامل مع الواقع بوصفه متغيرًا وسيالًا.
كوخافي.. التنظير لـ"الإبداع"
تكشف مراجعة المقالات والدراسات والمحاضرات والكتب التي قدمها أفيف كوخافي خلال مسيرته العسكرية، وصولًا إلى توليه منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، عن تأثر واضح بمفاهيم "التعلم" و"الإبداع" داخل المنظومة العسكرية.
في مقال نشرته مجلة "بين القطبين" الصادرة عن مركز دادو للتفكير العسكري، الذي ورث بعض وظائف مركز أبحاث النظرية العملياتية بعد إغلاقه، تناول كوخافي الفرق بين دور القائد العسكري على المستوى التكتيكي ودوره على المستوى الاستراتيجي. ورأى أن القائد العسكري الكبير ليس مجرد قائد يقود حملة واسعة النطاق، بل هو قبل ذلك قائد يعمل على تطوير المعرفة داخل نفسه وداخل المنظومة التي يقودها، بما يتلاءم مع الظروف المتغيرة، وأن يطوّر استجابة خاصة للسياق الجديد الذي تعمل فيه هذه المنظومة.
وفي مقال كتبه مع عيران أورتال، أحد المنظرين المتأثرين بالنهج العملياتي في الجيش الإسرائيلي، حول مشروع تطوير شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" خلال فترة تولي كوخافي قيادتها، استخدم كوخافي بكثافة مفاهيم مثل التغيير، والتكيف، والملاءمة مع الواقع، والتطور التكنولوجي.
وفي مقدمة المقال، استشهد بعبارة منسوبة إلى تشارلز داروين: "ليست الفصائل الأقوى ولا الأكثر ذكاء هي التي تنجو، بل تلك الأكثر استجابة وتكيفًا مع التغيير"، في إشارة إلى مركزية فكرة التكيف في رؤيته للتطوير العسكري.
وفي نهاية مسيرته رئيسًا لأركان الجيش الإسرائيلي، أصدر كوخافي عن جامعة حيفا كتابًا يضم مقالات حول القيادة والاستراتيجية، حمل عنوانًا صيغ بأسلوب قريب من أدبيات التنمية البشرية: "بعدك... القيادة تخلق معنى". وفي مقدمته استشهد بكتاب "الجندي الجيد" بعبارة تربط مكانة نابليون العسكرية ليس فقط بتعلم الأدوات والاستراتيجيات، بل بفهم طبيعة الإنسان في الحرب.
وبعد توليه رئاسة الأركان، وجّه كوخافي الضباط من رتبة مقدم فما فوق إلى قراءة كتاب "التحول تحت النار" للضابط المتقاعد من الجيش الأميركي دوغلاس ماكغريغور، الذي دعا في كتاباته إلى إحداث تحولات واسعة في المفاهيم التي تحكم التفكير العسكري الأميركي، خصوصًا في القوات البرية.
ويستند الكتاب إلى عدد من أفكار شمعون نيفيه، خصوصًا ما يتعلق بتطوير القوة العسكرية، والعلاقة بين التكنولوجيا والعمل التكتيكي، وبناء نهج منهجي يربط بين الوسائل المتاحة وبين القدرة على تنفيذ المناورة العملياتية.
ما هي نظرية النظم العامة؟
من بين النظريات التي استند إليها شمعون نيفيه في بناء تصوره لـ"العقيدة العملياتية"، جاءت نظرية النظم العامة التي طورها عالم الأحياء والفيلسوف النمساوي لودفيغ فون بيرتالانفي بعد الحرب العالمية الثانية.
تنطلق النظرية من فكرة أن الأنظمة الطبيعية والاجتماعية تتكون من مجموعة من العناصر أو الأجزاء المترابطة التي تشكل كلاً معقدًا، وأن فهم الظواهر لا ينبغي أن يقتصر على تحليل الأجزاء المنفردة، بل يتطلب دراسة العلاقات والتفاعلات التي تربط هذه الأجزاء داخل النظام الكامل.
وقد أثرت هذه النظرية في مجالات متعددة من العلوم، من خلال الدعوة إلى تجاوز النهج الاختزالي الذي يركز على العناصر المنفصلة، والانتقال إلى فهم الظواهر بوصفها أنظمة متداخلة.
وكان تأثير هذا النسق الفكري على مصممي النظرية العملياتية في الجيش الإسرائيلي يتمثل في محاولة فهم الواقع والميدان العسكري باعتبارهما شبكة من العناصر المترابطة التي لا يمكن التعامل معها عبر مقاربة خطية أو بسيطة.
لكن نظرية النظم العامة واجهت انتقادات من بعض الباحثين الذين اعتبروها أقرب إلى الإطار الفلسفي العام منها إلى النظرية العلمية الصارمة، بسبب ما رأوه غيابًا لنماذج رياضية دقيقة، وعمومية مفرطة تسمح باستخدامها في مجالات مختلفة، وهو ما رأوا أنه يضعف قابليتها للاختبار العلمي.
هل فهم نيفيه النظرية السوفياتية؟
أعلن نيفيه في كتاباته ومحاضراته إعجابه الكبير بما اعتبره إبداع المنظرين العسكريين السوفيات في تطوير مفهوم "الفن العملياتي"، باعتباره حلًا للإشكالية القائمة بين التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ التكتيكي في الميدان.
ويرى عدد من المنظرين العسكريين السوفيات أن ظهور الحاجة إلى مفهوم الفن العملياتي ارتبط بالتحولات الكبيرة التي طرأت على التكنولوجيا والتسليح وتشكيلات القتال، والتي جعلت التكتيكات التقليدية غير قادرة وحدها على تفسير أو إدارة العمليات على مستوى الجبهات الواسعة.
فالحروب الحديثة، خصوصًا خلال القرن العشرين، أظهرت أن تحقيق هدف استراتيجي لم يعد ممكنًا دائمًا من خلال معركة واحدة حاسمة، بل أصبح يتطلب سلسلة من الجهود القتالية المترابطة، موزعة عبر الزمان والمكان.
وفي عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، طور منظّرون عسكريون سوفيات، من بينهم ألكسندر سفيتشين وفلاديمير ترياندافيلوف، مفهوم "الفن العملياتي"، الذي شكل مستوى وسيطًا بين الاستراتيجية والتكتيك.
قام التصور السوفياتي للفن العملياتي على رفض فكرة المعركة الحاسمة الوحيدة، مستندًا إلى دروس الحرب العالمية الأولى التي أظهرت صعوبة اختراق الجبهات المحصنة بضربة واحدة. وركز بدلًا من ذلك على مهاجمة عمق الخصم، والتنسيق بين مختلف القوات، وتحقيق التكامل بين الحركة والزمن والمكان.
لكن منتقدي نيفيه يرون أنه فسّر بعض الأفكار السوفياتية بطريقة تختلف عن مقاصد أصحابها، خصوصًا عندما ربط مفهوم "العملية العميقة" السوفياتية بفكرة "التعطيل المنظومي" التي تبناها مركز أبحاث النظرية العملياتية.
ويجادل هؤلاء المنتقدون بأن مفهوم التعطيل لدى السوفيات لم يكن هدفًا مستقلًا، بل وسيلة لتسهيل عملية التدمير العسكري، وأن الفكر السوفياتي ظل قائمًا على تنظيم عسكري منضبط، وليس على النموذج "المنظومي" المستمد من نظرية النظم العامة كما أعاد نيفيه صياغته.
من هو فيلسوف نيفيه المفضل؟
تكشف عوفرا غرايتسر، في مقالها "التعطيل الذاتي.. الاستيلاء على المرتفعات في التصميم العملياتي المنظومي"، أن الفيلسوف المفضل لدى شمعون نيفيه، والذي حضرت أفكاره ضمن البرامج والدورات التي تلقاها الضباط في مركز أبحاث النظرية العملياتية، هو الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه.
نظر نيتشه في كتاباته الفلسفية المختلفة إلى نقد فكرة "المذهبية" في الفلسفة، أي بناء أنظمة فكرية مغلقة تقوم على مبادئ ثابتة ونهائية، وهو ما دفع بعض دارسيه إلى وصفه بأنه مفكر لا يخضع لنظام فلسفي واحد أو منطق مغلق. وقد وجد نيفيه وفريقه في بعض أفكار نيتشه ما ينسجم مع تصوراتهم حول "الإبداع المفتوح" و"سيولة الواقع" وضرورة تجاوز القوالب الفكرية الجامدة.
كما تأثر نيتشه باتجاهات فلسفية ربطت القيم بالحياة والتجربة الإنسانية الواقعية، ورفضت اختزال الأخلاق في مبادئ متعالية منفصلة عن شروط الوجود البشري. وقد فتحت فلسفته مجالًا واسعًا للتأويل، ما سمح باختيار بعض المفاهيم التي بدت منسجمة مع محاولة نيفيه تطوير تصورات عملياتية جديدة تهدف إلى تجاوز ما اعتبره جمودًا في التفكير العسكري الإسرائيلي.
لكن الاستناد إلى الفلسفة النيتشوية في المجال العسكري يظل محل نقاش، إذ إن نقل المفاهيم الفلسفية من سياقاتها الأصلية إلى مجال الحرب لا يخلو من إشكالات تتعلق بالانتقاء والتأويل، خصوصًا أن فلسفات معقدة يمكن أن تحمل قراءات متعددة ومتعارضة.
ولا يثبت حضور نيتشه في البرامج التعليمية أن أفكاره نُقلت إلى الميدان بصورة مباشرة، وإنما يكشف عن نوع اللغة الفكرية التي استعان بها نيفيه لتبرير تجاوز العقائد المغلقة.
إخفاق حرب لبنان.. نهاية المغامرة؟
شكّل الإخفاق الإسرائيلي في حرب لبنان الثانية عام 2006 ضربة قوية لمركز أبحاث النظرية العملياتية، وللمشروع الفكري الذي حاول شمعون نيفيه وزملاؤه ترسيخه داخل الجيش الإسرائيلي.
وحمل منتقدون المركز جانبًا من المسؤولية عن حالة الارتباك التي ظهرت خلال الحرب، كما انتقدت لجنة فينوغراد، التي شُكلت بعد الحرب (شكلتها حكومة إيهود أولمرت) للتحقيق في أداء القيادة السياسية والعسكرية، جوانب من طبيعة الأوامر العملياتية التي وُصفت بأنها معقدة ومليئة بالمصطلحات غير المألوفة للقوات البرية.
ورأى منتقدو المفهوم العملياتي الذي طرحه المركز أن اللغة النظرية والفلسفية المستخدمة في صياغة الأوامر العسكرية أدت إلى صعوبة في فهم المطلوب من الوحدات المقاتلة على الأرض. فقد تضمنت هذه اللغة تعبيرات مثل "تفكيك ترابط العدو"، و"خلق تأثيرات على مسرح العمليات"، و"السيطرة عن بعد"، وغيرها من المصطلحات التي ابتعدت عن اللغة العسكرية التقليدية المباشرة.
ونُقل عن نيفيه دفاعه عن هذا الأسلوب اللغوي، معتبرًا أن العقيدة العملياتية الجديدة لا يمكن استيعابها بسهولة من الجميع، وإنما تحتاج إلى مستوى معين من المعرفة والتدريب، كما وجّه انتقادات إلى رئيس الأركان آنذاك دان حالوتس، معتبرًا أنه لم ينجح في دمج المفهوم العملياتي الجديد مع بقية مكونات العقيدة العسكرية.
وربط محللون وضباط سابقون بين إخفاقات الحرب وبين عوامل عدة، من بينها الاعتماد الكبير على القوة الجوية، وإضعاف دور القوات البرية، وعدم وجود تصور واضح لإدارة العمليات البرية في جنوب لبنان.
كما تزامن ذلك مع مرحلة تأثر فيها الجيش الإسرائيلي بما عُرف في الفكر العسكري الأميركي بـ"عمليات التأثير"، التي تقوم على استخدام مزيج من الوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بهدف التأثير على الخصم وتحقيق أهداف استراتيجية، مع اعتماد كبير على التفوق التكنولوجي والقدرات الاستخباراتية.
وصنفت عوفرا غرايتسر، وهي من تلامذة نيفيه وأحد المشاركين في مشروع المركز، الضباط الذين تلقوا دورات في النظرية العملياتية منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى إغلاق المركز قبل حرب لبنان الثانية، إلى فئات عدة، من بينها "الجنرالات بالفطرة"، و"المهتدون الجدد"، و"المحايدون"، و"المسايرون"، و"الطاعنون في الظهر".
وتكشف هذه التصنيفات حجم الأزمة الفكرية التي واجهها أنصار المركز بعد توقف نشاطه، خصوصًا مع تحميلهم جانبًا من المسؤولية عن الإخفاقات التي ظهرت خلال الحرب.
ماذا تقول تجربة المركز؟
ويعتقد بعض التيارات اليمينية الإسرائيلية أن القيادات العسكرية التي هيمنت على الجيش لعقود أضعفت مفهوم "الحسم العسكري"، وقد عاد هذا الجدل إلى الواجهة بعد هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وفي هذا السياق، وجهت وسائل إعلام إسرائيلية محسوبة على اليمين انتقادات إلى نيفيه، وحمّلته جزءًا من المسؤولية عن التحولات التي طرأت على أداء الجيش.
وفي مستوى آخر، تعكس تجربة المركز التنافس داخل المؤسسة العسكرية حول مفاهيم "الإبداع" و"الابتكار" في مقابل "التقليدية". وقد لا تكون دعوى التقدمية التي رفعها أنصار هذا التيار منفصلة تمامًا عن عملية بناء رأس مال رمزي داخل المؤسسة العسكرية، إذ يحتل الضباط والجنود موقعًا مركزيًا في الحياة العامة الإسرائيلية مقارنة بالعديد من المجتمعات الأخرى.
وتبقى المفارقة الأساسية التي تكشفها هذه التجربة هي قدرة مؤسسة عسكرية تخوض صراعات وحروبًا عداونية على توظيف أفكار فلسفية ونظريات إنسانية، بعضها نشأ في سياقات نقدية للسلطة والعنف، في بناء تصورات عملياتية وعسكرية لخدمة أهدافها في الميدان.