دخلت جفرا يونس موقع التصوير طفلة في الثامنة، ثم توقفت لتدرس التمثيل. بعد سنوات من المسرح والدراما، عادت إلى الكاميرا مخرجة وممثلة ومنتجة لفيلمها الطويل الأول "هذه ليلتي". كيف صنعت اختياراتها هذا المسار؟
تجلس جفرا يونس أمام الممثل حسان صالح في "هذه ليلتي"، لكنها لا تؤدي شخصية الفيلم فحسب. خلف الكاميرا، تتولى الإخراج، وتحمل كذلك مسؤولية الإنتاج، فيما يعود شريكها في العمل ليكون الرجل نفسه الذي بدأ بتدريسها التمثيل عندما كانت في الثالثة عشرة.
يختصر اللقاء الجديد مسارًا دار دورة كاملة: طفلة دخلت موقع التصوير في الثامنة، ثم توقفت لتتعلم المهنة، وممثلة خبرت المسرح والدراما والسينما قبل أن تصنع فيلمها الطويل الأول.
جاء الانتقال من أمام الكاميرا إلى خلفها نتيجة سؤال رافقها منذ سنوات الدراسة: كيف يمكن جمع ما يمنحه المسرح للممثل مع ما تتيحه الصورة للسينما؟
بداية مبكرة.. وتوقف مقصود
دخلت جفرا يونس عالم التمثيل في الثامنة من عمرها، حين شاركت عام 1998 في مسلسل "الجمل" من تأليف أحمد حامد وإخراج خلدون المالح. كشفت لها التجربة عالمًا جديدًا، إلا أن والدتها فضّلت أن تتوقف ابنتها عن العمل وتعود إلى الدراسة.
لم يكن التوقف إغلاقًا للباب. كان، في رواية يونس، قرارًا بتغيير طريقة الدخول إليه. أرادت والدتها أن تأتي التجربة من "باب العلم والبحث والتجربة"، لا من عمل متفرق يسبق امتلاك أدوات المهنة.
عادت يونس في الثالثة عشرة إلى دراسة التمثيل في معهد خاص، وأمضت فيه خمس سنوات قبل قبولها في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق وتخرجها عام 2012.
هكذا أصبحت البداية المبكرة ذكرى تأسيسية، فيما صنعت الدراسة القاعدة التي ستبني عليها اختياراتها اللاحقة.
المسرح علّمها الطريق إلى الصورة
سبق حب السينما دراسة المسرح لدى جفرا يونس.
تقول إن بيتها أتاح لها مشاهدة أفلام كثيرة منذ طفولتها، وإن السينما كانت الباب الذي قادها إلى المجال كله. وحين بدأت قراءة النصوص المسرحية، صار سؤال تحويلها إلى مادة مصورة يرافقها باستمرار.
جذبها في المسرح ما يحدث قبل العرض: البروفات، والتمارين، واختبار المشاعر، والوقت الذي يمنحه النص للممثل كي يتعمق في الشخصية.
لم تكن تريد نقل المسرح إلى الشاشة كما هو، وإنما الاستفادة من طريقته في العمل للوصول إلى صورة تعبّر عنها.
لهذا شاهدت، بحسب حديثها، أفلامًا مستوحاة من المسرح أو تدور في أمكنة محدودة وتعتمد على عدد قليل من الشخصيات وعلى أداء الممثلين.
خلال الحوار، قرأ أمين بن حمزة في برودة الصورة والألوان الزرقاء والمكان المحدود أثرًا من المدرسة الروسية. وافقت يونس على وجود هذا التأثير، موضحة أن دراسة المسرح في المعهد قامت على المنهج الروسي.
يظهر الأثر، وفق هذا الحوار، واحدًا من منابع الفيلم، إلى جانب رهانه على شخصيتين وأداء يقوم على البروفات الطويلة.
بدأت جفرا يونس علاقتها بالتمثيل طفلة، قبل أن تقودها دراسة المسرح إلى البحث عن صيغة تجمع الخشبة بالصورة – العربي 2
الاختيار الذي غيّر موقع جفرا يونس
استغرق إعداد "هذه ليلتي" سنوات من البحث قبل العثور على الفكرة والصيغة المناسبتين.
الفيلم، وهو دراما سورية إماراتية مدتها 69 دقيقة، يتابع رُبى، الفنانة التي تعيش اكتئابًا حادًا مع والدها العسكري المتقاعد، وتخبره بنيتها إنهاء حياتها بعد ساعات.
تولت يونس إخراجه وإنتاجه وأدت بطولته إلى جانب حسان صالح، فيما كتب السيناريو كفاح زيني.
وضعت العلاقة بين الابنة والأب الفيلم في منطقة يصعب التعبير عنها مباشرة. بالنسبة إلى يونس، تبدأ الموضوعات الأعمق من العلاقات الأسرية ومن "اللغة غير المحكية" بين أفرادها؛ تلك المشاعر المعقدة التي لا يملك أصحابها الكلمات الكافية لقولها.
"أوقات اللغة ما بتسعفنا إننا نعبّر عن كل مشاعرنا، وعن تعقيد علاقاتنا مع أهلنا".
لم تستخدم يونس الصمت فراغًا بين الجمل. صاغته باعتباره امتدادًا للحوار، كي يصبح ما لا يُقال أثقل مما تنطقه الشخصيتان.
تصف خوفها من هذا الاختيار بأنه "خوف مسؤول": خوف لا يمنع الاقتراح، لكنه يفرض على صاحبه إدراك قسوته ومخاطره.
خلف الكاميرا وأمامها
تشرح يونس أن جمع التمثيل والإخراج والإنتاج لم يكن الصيغة التي تتمناها لتجربتها الأولى.
فرضت ظروف الفيلم عليها أداء هذه المهمات، مع قناعتها بأن يتولى كل اختصاص صاحبه كي يمنح العمل أفضل ما لديه.
زاد وجودها أمام الكاميرا صعوبة تجربتها الإخراجية الأولى، إذ كانت تتمنى مراقبة التفاصيل من خلف الشاشة. ساعدتها البروفات الطويلة وتمكنها من النص على تقليل الفجوة بين الموقعين.
كما منحها حسان صالح سندًا إضافيًا؛ فبعد سنوات من تدريسه إياها، التقيا هذه المرة شريكين في فيلم تقوده هي.
لا تنظر يونس إلى التجربة بوصفها نتيجة مكتملة. تقول إنها، حين تشاهد الفيلم مجددًا، ترى أشياء كان يمكن إنجازها بصورة أفضل.
عرض "هذه ليلتي" في مهرجانات دولية، بينها المهرجان الدولي لأفلام حقوق الإنسان في إسبانيا، ومهرجانا بونه ووهران، وحصل على جائزة أفضل سيناريو في مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي. أعطت الجولة يونس، بحسب قولها، ثقة أكبر في تقديم مشروعها التالي إلى جهات الإنتاج.
جمعت جفرا يونس في "هذه ليلتي" بين التمثيل والإخراج والإنتاج، وبنت الفيلم على مكان محدود وشخصيتين وصمت ثقيل – MAD Distribution
مقاومة الدور الذي يعيد نفسه
بين المسرح والدراما والسينما، حاولت يونس حماية مسارها من النمط الواحد. استعاد المحاور مشاركاتها في أعمال بينها "العراب" و"المنصة"، وتجربتها مع المخرج الراحل حاتم علي، قبل أن تشرح هي أن معيارها في قبول الأدوار يرتبط بما يقدّمها بصورة مختلفة.
تعرف أن نجاح الممثل في شخصية بعينها قد يحاصره في أدوار تشبهها. ومقاومة هذا الحصار قد تعني الاعتذار عن أعمال، أو الغياب فترة، أو انتظار مخرج مستعد للمجازفة بتقديمه في مساحة جديدة. ترى يونس أن تنوع ما أتيح لها حتى الآن منحها فرصة تجنب هذا القالب.
قدمت لها الدراما بابًا واسعًا للوصول إلى الجمهور، لكنها تحدد موقع شغفها بلا مواربة:
"أحب السينما أكثر".
في السينما، تقول إنها تكون على حقيقتها وتستطيع أن تمنح أقصى ما لديها كممثلة.
لا تقلل هذه المفاضلة من امتنانها للتلفزيون والمنصات، لكنها تفسر اتجاه المسار الذي اختارته.
فيلم أول.. لا محطة أخيرة
أنهت جفرا يونس المسودة الأولى لمشروعها الإخراجي التالي، وتبحث عن منتج يتبناه.
بعد تجربة تولت فيها الإنتاج بنفسها، تقول بوضوح إنها تحتاج هذه المرة إلى "منتج حقيقي" يهتم بالمشروع ويتيح لها التركيز على عملها.
يكشف "هذه ليلتي" لذلك أكثر من انتقال ممثلة إلى الإخراج. إنه حصيلة اختيارات بدأت بالتوقف من أجل الدراسة، ثم المرور بالمسرح والدراما من دون الاستقرار في صورة واحدة، وصولًا إلى فيلم استعادت فيه أدوات البروفة والأداء والصمت كي تصنع لغتها الخاصة.