يعيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسم علاقات واشنطن الخارجية، دافعًا بالنظام الدولي نحو مرحلة أكثر صدامية تقوم على منطق القوة وتغليب المصالح الأميركية.
في أوروبا، وبعد طرحه خطة لحل الحرب في أوكرانيا لم تحظَ بقبول حلفائه في "الناتو"، فتح ترمب جبهة جديدة عبر ملف غرينلاند، معلنًا عزمه "تولي أمرها" بذريعة منع النفوذ الروسي والصيني، ما أدخل العلاقات الأميركية الأوروبية مرحلة حساسة.
فالدنمارك ردت سريعًا مؤكدة أن غرينلاند "ليست للبيع"، فيما عبّرت الأحزاب المحلية عن رفضها الخضوع لواشنطن. وبدا الموقف أوروبيًا موحدًا في رفض الطموحات الأميركية، وإن اتسم بالحذر في التصعيد.
ورفعت فرنسا نبرة التحذير، إذ أكد وزير خارجيتها حق بلاده في معارضة واشنطن عند تعارض المصالح، محذرًا من تهديد يطال النظام السياسي الأوروبي، وهو موقف سبق أن عبّر عنه الرئيس إيمانويل ماكرون.
النهج ذاته ينسحب على أميركا الجنوبية، حيث أثارت عملية عسكرية أميركية وتلويحات بتكرارها في دول أخرى، بينها كولومبيا، قلقًا إقليميًا رغم إعلان ترمب عن زيارة مرتقبة للرئيس الكولومبي غوستافو بيترو إلى البيت الأبيض مطلع فبراير/ شباط المقبل.
"مصلحة أميركا أولًا"
من واشنطن، يقول أدولفو فرانكو، المحلل الاستراتيجي في الحزب الجمهوري، إن العالم اليوم الذي يمر بالذكرى 80 على إنشاء الأمم المتحدة، يبدو مختلفًا عما كان عليه منذ 80 عامًا.
ويضيف في حديث إلى التلفزيون العربي أن المدافعين عن ترمب يرون في الأمم المتحدة "بيروقراطية متضخمة لا تحقق نتائج ملموسة"، معتبرًا أن المنظومة الدولية بحاجة إلى إعادة تنظيم عبر اتفاقات ثنائية بدلاً من الأطر متعددة الأطراف.
ويوضح فرانكو أن هذه المقاربة تفسّر سياسة ترمب القائمة على الانسحاب من عشرات المنظمات الدولية، بينها 31 منظمة تابعة للأمم المتحدة، مؤكدًا أن شعار "أميركا أولاً" يقوم على حماية المصالح الأميركية في ساحات مختلفة، من غرينلاند إلى أميركا اللاتينية.
وفي هذا السياق، يشدد فرانكو على أن غيرنلاند تمثل "مصلحة استراتيجية" للولايات المتحدة، لافتًا إلى وجود فرق بين استئجار قواعد عسكرية والسيطرة الكاملة على الجزيرة.
ويوضح أن ترمب عبّر عن مخاوفه من تنامي النفوذ الروسي والصيني والتدابير العسكرية في المنطقة، معتبرًا أن توسيع الحضور الأميركي هناك يخدم الأمن القومي الأميركي، حسب قوله. ورغم وجود قاعدتين أميركيتين، إحداهما في غرينلاند والأخرى في ألاسكا، فإن القلق ما زال قائمًا، مذكّرًا بأن محاولات السيطرة على غرينلاند طُرحت قبل نحو 50 عامًا، وأعاد ترمب إحياءها.
فرانكو حذّر من أن الانفتاح الدنماركي على الاستثمارات الصينية قد يفضي إلى وجود صيني متزايد في غرينلاند، وهو ما يشكّل، برأيه، تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة إذا لم تكن الجزيرة تحت سيطرة أميركية.
وعن استهانة الولايات المتحدة بالقانون الدولي، دافع فرانكو عن أن فكرة القانون الدولي باتت "أمرًا يدعو إلى السخرية" في ظل الهجوم الروسي على أوكرانيا، وتحرك الصين نحو تايوان.
وختم بالقول: إن "القرارات الدولية ليست سوى مجموعة مبادئ، فيما تبقى المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار"، حسب رأيه.
"سياسة أميركية أكثر صدامية"
من جانبه، يعتبر الأكاديمي والباحث السياسي جان بيار ميلالي، أن السياسة الأميركية الجديدة ليست بلا سوابق تاريخية، لكنها اليوم أكثر صدامية، إذ "لا تحترم المعاهدات الدولية ولا القانون الدولي".
ويؤكد في حديثه إلى التلفزيون العربي من باريس، أن أوروبا لن تشن حربًا على الولايات المتحدة، لكنها ستجد نفسها منقسمة أمام هذا التحدي غير المسبوق.
ويشار ميلالي إلى أن قوة الجيش الأميركي وانتشاره العالمي تقوّض حجة ترمب القائلة بأن السيطرة على غرينلاند ضرورة أمنية، معتبرًا أن أوروبا تواجه اليوم أزمة سياسية كبرى، بعد أن كانت قد واجهت تحديًا كبيرًا في الحرب الأوكرانية.
كما يلفت إلى أن شراء الدنمارك مقاتلات أميركية يعزز الطرح الفرنسي التقليدي الداعي إلى تعزيز الاستقلالية الدفاعية الأوروبية والاعتماد على الصناعات العسكرية المحلية.
"شكل جديد من الإمبراطوريات"
من جانبه، يرى حسني عبدي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنيف، أن العالم يعيش "شكلاً جديدًا من الإمبراطوريات ومناطق النفوذ".
ويعتبر في حديث إلى التلفزيون العربي من جنيف، أن ترمب أضاف إلى مقاربته التعاقدية السابقة بُعدًا أكثر خطورة، يتمثل في استخدام القوة لتحقيق سياسة واقعية صِرفة، من دون أي اعتبار للشرعية الدولية أو للنظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
ويوضح عبدي أن الدبلوماسية متعددة الأطراف، والقانون الدولي، وحتى الحلفاء، لا مكان لهم في سياسة ترمب، الذي يفضّل العلاقات الثنائية المبنية على ميزان القوة، باعتبار أن الولايات المتحدة هي القوة الأكبر في العالم.
ويحذّر من أن هذا النهج يفتح الباب أمام الصين وروسيا للمطالبة بمناطق نفوذ مماثلة، ما سيؤدي إلى تصعيد الصراعات بدلاً من احتوائها.
وختم بالتأكيد أن سكان غرينلاند أنفسهم لا يرغبون في التحول إلى جزء من الولايات المتحدة، ما يعني أن الانتقائية الأميركية في التعامل مع "شرعية" الدول تشكّل سلوكًا جديدًا يهدد أسس العلاقات الدولية المعاصرة.