من قانون "ناسا" لتلسكوب "رومان".. كيف تغيّرت أسئلة الفضاء في 68 عامًا؟
في التاسع والعشرين من يوليو/ تموز 1958، وقّع الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور قانون الطيران والفضاء الوطني، معلنًا رسميًا عن ميلاد وكالة مدنية تتولى إدارة الأنشطة الفضائية غير العسكرية.
جاء ذلك كاستجابة دراماتيكية لصدمة هزت أركان واشنطن؛ فقبل أقل من عشرة أشهر فقط، نجح الاتحاد السوفيتي في إطلاق القمر الاصطناعي "سبوتنيك 1"، ليوجه إنذارًا سياسيًا وعسكريًا مدويًا أيقظ الولايات المتحدة على حقيقة تفوق خصمها في تقنيات الصواريخ، ويشعل فتيل السباق الأبرز نحو غزو الفضاء.
بعد 68 عامًا، تستعد "ناسا" لإطلاق تلسكوب "نانسي غريس رومان"، الذي تتمثل مهمته في معالجة أسئلة معقدة منها: لماذا يتسارع تمدد الكون؟ كيف تتوزع المادة المظلمة؟ ما مدى شيوع الأنظمة الكوكبية المشابهة لنظامنا؟ وهل يمكن التقاط صور مباشرة لكواكب تدور حول نجوم أخرى؟
وبين القانون والتلسكوب، تحوّل الفضاء من ميدان لإثبات القدرة الوطنية إلى مختبر واسع لقياس ما لا يمكن رؤيته مباشرة.
بداية المنافسة
أدى إطلاق "سبوتنيك 1" في الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول 1957 إلى زعزعة الثقة الأميركية. فالقمر السوفيتي دلّ على امتلاك موسكو صاروخًا قادرًا على حمل جسم إلى المدار، وما يعنيه ذلك من تقدم في تقنيات الصواريخ البعيدة المدى.
بدأ الكونغرس جلسات استماع لوضع خطة فضائية طويلة الأمد، فيما طلب أيزنهاور في أبريل/ نيسان 1958 إنشاء وكالة مدنية تتولى الإشراف على الأنشطة الفضائية. أقر الكونغرس الصيغة النهائية للقانون في 16 يوليو، ووقّعها الرئيس بعد 13 يومًا، لتبدأ "ناسا" عملها رسميًا في الأول من أكتوبر التالي.
حمل القانون تناقضات المرحلة التي وُلد فيها. فقد نصّ على تخصيص أنشطة الفضاء للأغراض السلمية ولمنفعة البشرية، لكنه عدّ في الوقت نفسه الحفاظ على الريادة الأميركية أحد أهداف الوكالة. كما فصل بين الأنشطة المدنية التي تديرها "ناسا" والعمليات العسكرية وتطوير الأسلحة التي بقيت من اختصاص وزارة الدفاع.
هكذا لم تُنشأ الوكالة للبحث العلمي وحده. كانت مهمتها مزيجًا من توسيع المعرفة، وتطوير المركبات، وتعزيز الأمن، وإثبات التفوق التقني في ذروة الحرب الباردة.
من البقاء حيًا إلى المشي على القمر
اختبر برنامج "ميركوري" قدرة الإنسان على السفر إلى الفضاء، فيما طوّر "جيميني" عمليات المناورة والالتقاء والالتحام والعمل خارج المركبة. أما برنامج "أبولو"، فنقل السؤال من الوصول إلى المدار إلى الهبوط على القمر.
بلغ هذا المسار ذروته في يوليو/ تموز 1969، عندما وطئ نيل أرمسترونغ وباز ألدرين سطح القمر. حمل الإنجاز قيمة علمية، كما حقق هدفًا سياسيًا وضعه الرئيس جون كينيدي: الوصول إلى القمر قبل نهاية الستينيات والتقدم على الاتحاد السوفيتي.
وبعد نجاح "أبولو 11"، بدأت الرحلات التالية تمنح الجيولوجيا القمرية مساحة أكبر، وحملت "أبولو 15" عام 1971 أول سيارة قمرية، ما سمح لرواد الفضاء بالابتعاد عن موقع الهبوط وجمع عينات من مساحة أوسع.
أثبتت الرحلات أن البشر قادرون على الوصول، ثم أصبح المطلوب معرفة ما يمكن فعله بعد الوصول.
حين اتسعت الخريطة أبعد من القمر
ومع تراجع سباق الهبوط المأهول، ازدادت أهمية المركبات الآلية. التقطت مسابير "مارينر" صورًا قريبة للكواكب، وهبطت مركبتا "فايكنغ" على المريخ عام 1976، فيما حملتا تجارب للبحث عن مؤشرات إلى وجود حياة ميكروبية في تربته.
ذهبت مركبتا "فوياجر" أبعد، فحوّلتا الكواكب الخارجية وأقمارها من نقاط بعيدة إلى عوالم ذات تضاريس وغلاف جوي وتاريخ جيولوجي.
كما اختبرت المكوكات الفضائية، ثم محطة الفضاء الدولية، إمكان العيش والعمل وإجراء التجارب لفترات طويلة خارج الأرض.
وفي الاتجاه المقابل، أعادت الأقمار الاصطناعية الأنظار إلى الكوكب الذي انطلقت منه. فتح رصد السحب والمحيطات والجليد والغلاف الجوي بابًا لفهم الأرض كنظام مترابط، وجعل الفضاء أداة لدراسة المناخ والكوارث والموارد، لا مجرد وجهة بعيدة.
الفضاء يتحول إلى مرصد
وبعد أشهر قليلة من تأسيس "ناسا"، التحقت بها عالمة الفلك نانسي غريس رومان، وأصبحت أول رئيسة لبرامج الفلك في الوكالة. دافعت رومان عن وضع التلسكوبات خارج الغلاف الجوي، حيث لا يشوه الهواء الصور ولا يحجب أجزاء من الطيف الكهرومغناطيسي.
أسهم عملها في تمهيد الطريق أمام تلسكوب "هابل"، لذلك عُرفت لاحقًا باسم "أم هابل". وعندما أطلق التلسكوب عام 1990، لم يكن متجهًا إلى كوكب أو قمر، وإنما كان ينظر من المدار إلى أعماق الكون.
ساعدت قياسات "هابل" في تحسين تقدير عمر الكون ومعدل تمدده، وكشفت صوره عن ولادة النجوم وتطور المجرات ووجود ثقوب سوداء فائقة الكتلة في مراكزها. كما أسهمت أرصاده للمستعرات العظمى في ترسيخ اكتشاف أن تمدد الكون يتسارع، وهو ما وضع العلماء أمام لغز "الطاقة المظلمة".
تزامن ذلك مع فتح جبهة جديدة. ففي عام 1995، اكتُشف أول كوكب يدور حول نجم شبيه بالشمس. وبعد ثلاثة عقود، تجاوز عدد الكواكب الخارجية المؤكدة ستة آلاف، وانتقل السؤال من وجود كواكب خارج النظام الشمسي إلى أنواعها وأعدادها وتوزعها.
التلسكوب "رومان"
يحمل التلسكوب الجديد اسم المرأة التي دفعت بعلم الفلك الفضائي إلى قلب برامج "ناسا". وقد وصل "رومان" إلى مركز كينيدي الفضائي في يونيو/ حزيران 2026، حيث يخضع للتحضيرات النهائية، فيما تستهدف الوكالة إطلاقه في موعد لا يسبق 30 أغسطس/ آب على صاروخ "فالكون هيفي".
سيتجه التلسكوب إلى منطقة مدارية حول نقطة لاغرانج الثانية بين الشمس والأرض، على مسافة تقارب 1.6 مليون كيلومتر من الأرض، حيث يحصل على مجال رؤية مستقر وبعيد من حجب الكوكب.
يبلغ قطر مرآته الأساسية 2.4 متر، أي إنها بحجم مرآة "هابل" تقريبًا. غير أن الاختلاف الحاسم يكمن في ما يراه كل تلسكوب في اللقطة الواحدة. فكاميرا "رومان" الواسعة، البالغة دقتها 288 ميغابكسل، ستلتقط مساحة من السماء تزيد بما لا يقل عن مئة مرة على مجال رؤية "هابل"، مع دقة مقاربة في الأشعة تحت الحمراء.
لا يحل "رومان" مكان "هابل" أو "جيمس ويب". فإذا كان التلسكوبان قادرين على دراسة أهداف محددة بتفاصيل دقيقة، فإن مهمة "رومان" تقوم على رسم الصورة الكبيرة واكتشاف الأنماط التي لا تظهر عند فحص عدد محدود من الأجرام.
تقدّر "ناسا" أن التلسكوب سيصوّر خلال سنواته الخمس الأولى مساحة من السماء تزيد بأكثر من خمسين مرة على ما غطاه "هابل" خلال ثلاثة عقود، وأنه يستطيع مسح السماء بسرعة تصل إلى ألف ضعف سرعة "هابل".
لماذا يتسارع الكون؟
يتصدر لغز الطاقة المظلمة أهداف "رومان". سيرصد "رومان" أعدادًا كبيرة من المستعرات العظمى، ويرسم مواقع ملايين المجرات في ثلاثة أبعاد، ويقيس كيفية توزعها وتغيرها عبر الزمن.
ستتيح مقارنة هذه القياسات تتبع تاريخ تمدد الكون واختبار ما إذا كانت الطاقة المظلمة ثابتة أم تبدلت آثارها مع مرور مليارات السنين.
وسيستخدم التلسكوب أيضًا ظاهرة عدسة الجاذبية الضعيفة، حيث تنحني صور المجرات البعيدة قليلًا بسبب الكتل الواقعة أمامها. ومن خلال قياس هذه التشوهات الدقيقة على نطاق واسع، يمكن رسم خريطة للمادة المظلمة التي لا تصدر ضوءًا، لكن جاذبيتها تؤثر في حركة المجرات وتماسكها.
هل نظامنا الكوكبي استثناء؟
وسيراقب "رومان" نحو مئة مليون نجم باتجاه مركز مجرة درب التبانة، باحثًا عن تغيرات طفيفة في سطوعها. بعضها يحدث عندما يمر كوكب أمام نجمه، وبعضها ينتج عن ظاهرة "العدسة الجاذبية الدقيقة"، حين تكبّر جاذبية نجم أو كوكب ضوء نجم أبعد يقع خلفه.
تتوقع "ناسا" أن تكشف مراقبة عبور الكواكب أمام نجومها عن نحو مئة ألف عالم، فيما قد تتيح العدسة الجاذبية العثور على أكثر من ألف كوكب إضافي، بينها عوالم صغيرة وباردة تدور في مدارات بعيدة يصعب على وسائل الرصد الأخرى اكتشافها.
ما الذي تغيّر خلال 68 عامًا؟
لم تختف المنافسة السياسية من الفضاء خلال 68 عامًا كما لم تفقد الدول اهتمامها بالريادة والأمن والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج. لا يزال أحد أهداف قانون 1958، المتعلق بالحفاظ على تفوق الولايات المتحدة، حاضرًا في السياسات الفضائية المعاصرة.
لكن مساحة الأسئلة اتسعت على نحو لم يكن ممكنًا عند إطلاق "سبوتنيك". ففي البداية، كان النجاح يُقاس بوضع قمر في المدار أو إعادة رائد حيًا أو رفع علم على سطح القمر.
أما تلسكوب "رومان"، فيقوم نجاحه على جمع قياسات لمليارات الأجرام، وإتاحة بياناته للباحثين، واكتشاف العلاقات الإحصائية التي تكشف كيف يعمل الكون.
تبدلت الأداة أيضًا. فقد بدأت "ناسا" بوصفها مؤسسة تمسك بمعظم حلقات المشروع الفضائي، بينما سينطلق "رومان" على صاروخ تصنعه شركة خاصة، وتُفتح بياناته أمام المجتمع العلمي من دون فترة احتكار للفرق التي تجمعها.
احتفظ قانون 1958 بقدرته على مواكبة هذا التحول لأنه لم يربط الوكالة بوجهة واحدة. وضع توسيع المعرفة في صلب أهدافها، وترك لكل جيل أن يحدد المجهول الذي يريد ملاحقته.