الأحد 14 يونيو / يونيو 2026
Close

من كعك المواقد إلى "بولفاف".. عرب يستعيدون ذاكرة الأضحى عبر الأجيال

من كعك المواقد إلى "بولفاف".. عرب يستعيدون ذاكرة الأضحى عبر الأجيال محدث 28 مايو 2026

شارك القصة

تتشابه طقوس عيد الأضحى في العالم العربي بين صلاة العيد والأضحية والحلوى والزيارات، وتختلف تفاصيلها من بلد إلى آخر
تتشابه طقوس عيد الأضحى في العالم العربي بين صلاة العيد والأضحية والحلوى والزيارات، وتختلف تفاصيلها من بلد إلى آخر
تتشابه طقوس عيد الأضحى في العالم العربي بين صلاة العيد والأضحية والحلوى والزيارات، وتختلف تفاصيلها من بلد إلى آخر
الخط
يستعيد عرب من لبنان وفلسطين وسوريا والأردن ومصر والمغرب ذاكرة عيد الأضحى بين الأضحية والكعك والمراجيح والزيارات العائلية.
مع حلول عيد الأضحى، تستعيد البيوت العربية طقوسًا تتكرر كل عام، من صلاة العيد ونحر الأضاحي وزيارات الأقارب، إلى إعداد الحلوى والقهوة وفتح البيوت للضيوف. غير أن ما يبدو اليوم عادة مألوفة، يحمل في ذاكرة الأجيال الأكبر حكايات كاملة عن زمن آخر، كانت فيه المناسبة تبدأ قبل أيام طويلة من صباح العيد.
عيد مبارك من التلفزيون العربي

بين لبنان وفلسطين وسوريا والأردن ومصر والمغرب، تختلف التفاصيل الصغيرة وتتشابه المعاني الكبرى. هنا كعك يُخبز في المواقد، وهناك "بليلة" تتصدر المضائف، وفي مكان آخر تمتد المراجيح في الساحات، أو يتحول لحم الأضحية إلى عنوان للتكافل بين الجيران والفقراء.

هي عادات لطالما رافقت عيد الأضحى وأحاطت به، وإن تفاوتت بين مجتمع وآخر. بعضها لا يزال قائمًا حتى اليوم، لكنّ عادات أخرى تغيّرت مع تبدّل الزمن، أو ربما اندثرت، وفق ما يرى كثيرون.

هنا،  يمكن استحضار تاريخ جمالية العيد من خلالِ الذين عاشوا سنوات طويلة وهم يحتفلون بهذه المناسبة المقدسة، لعلّهم يكشفون عن تفاصيل طُبعت في ذاكرتهم على مرّ السنين, فماذا يقولُ هؤلاء عن ذكريات الأضحى في بلدانهم؟ كيف يُحتفل بهذا العيد من خلال عادات وطقوس راسخة؟ وماذا يقولون عن العيد اليوم في ظل عصر التطور والتكنولوجيا؟


في هذه المساحة، يفتح موقع التلفزيون العربي دفاتر ذاكرة عيد الأضحى في عدد من الدول العربية، مستعيدًا شهادات تمتد على عقود، يروي فيها أصحابها كيف كان العيد يُحضَّر ويُعاش، وما الذي بقي من عاداته، وما الذي تغيّر مع الزمن والهواتف والضغوط اليومية.

الأضحى في الذاكرة العربية.png

ماذا يعني عيد الأضحى دينيًا؟


في حديث إلى موقع التلفزيون العربي، يقول الشيخ الدكتور أحمد سيف الدين، إمام وخطيب مسجد الديماس في برجا بجبل لبنان، إن عيد الأضحى "عيد الإيمان والطاعة والتضحية"، إذ لا يقتصر على كونه مناسبة اجتماعية، وإنما يرتبط في جوهره بقصة النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وما تحمله من معاني التسليم والثقة بالله.

ويضيف سيف الدين أن اليوم العاشر من ذي الحجة يكتسب خصوصية كبرى في الإسلام، لأنه يوم النحر وأحد أعظم أيام الحج، وفيه يجتمع المسلمون على صلاة العيد والتكبير وذبح الأضاحي وصلة الأرحام وإظهار الفرح المشروع. ويرى أن الأضحية ليست مجرد ذبح للأنعام، وإنما رمز للعطاء والإيثار، وتذكير بقيم الرحمة والتكافل بين الناس.

ويضيف سيف الدين أن اليوم العاشر من ذي الحجة يكتسب خصوصية كبرى في الإسلام، لأنه يوم النحر وأحد أعظم أيام الحج، وفيه يجتمع المسلمون على صلاة العيد والتكبير وذبح الأضاحي وصلة الأرحام وإظهار الفرح المشروع. ويرى أن الأضحية ليست مجرد ذبح للأنعام، وإنما رمز للعطاء والإيثار، وتذكير بقيم الرحمة والتكافل بين الناس.

وفيما يلفت إلى أن عيد الأضحى يتميز في العالم العربي والإسلامي بطابعٍ روحاني واجتماعي خاص, يشدّد على أنه يمثّل أيضًا رسالةً حضارية وإنسانية، تؤكد أنَّ الإسلام دين الرحمة والوحدة والتعاون، وأنَّ العبادات في الإسلام لا تنفصل عن القيم الأخلاقية والاجتماعية.

في معنى عيد الأضحى.png

 في معنى عيد الأضحى حيث تتجلى معاني التكافل والمحبة والتراحم بين االناس

في لبنان.. "بحر العيد" و"الأسحة" وريحان المقابر


في لبنان، يحلّ العيد هذا العام على وقع حرب إسرائيلية مفتوحة وتصعيد عسكري متواصل منذ مارس/ آذار 2026، ما يجعل المناسبة مثقلة بالخوف والرجاء في آن واحد. ومع ذلك، لا يغيب العيد عن البيوت، لأنه يظل لحظة أمل وتقارب وصلة رحم، ولو جاءت فرحته ناقصة.

تتحدث الحاجة خديجة حجازي عن معاني العيد، وتقول إن الأيام الحالية تحمل أوجاعًا كثيرة في وطن ينزف تحت وطأة الحرب، مضيفة: "ما نأمله هو أن تنتهي المأساة في وطننا، فكثيرون من أبناء بلدنا باتوا مشردين، وهناك شهداء يسقطون يوميًا، فضلًا عن الدمار الذي طال منازل كثيرة".

وبين الأمل والألم، تستعيد حجازي أيام العيد التي كانت تقضيها في مدينتها صيدا، حيث كانت الاحتفالات تمتد طوال أيام العيد. وتقول، في حديث إلى موقع التلفزيون العربي، إن الاستعداد للأضحى كان يبدأ قبل حلوله بأيام، مع شراء الملابس الجديدة وتحضير حلوى المعمول، إلى جانب حلوى تُسمى "الأسحة"، وهي من أقدم الحلويات المعروفة في المدينة الجنوبية.

وتضيف حجازي، البالغة من العمر 64 عامًا، أن العيد كان أجمل مما هو عليه اليوم، لأن الناس كانوا يجتمعون ويتبادلون الحلويات بين الجيران. وتتابع: "ما كنا ننتظره خلال العيد هو الذهاب إلى ما كان يُعرف ببحر العيد في صيدا. عند الواجهة البحرية للمدينة، كان الأطفال يركبون المراجيح، وكنا نشتري التفاح المغمس بالسكر. كانت اللحظات عفوية وجميلة، وغالبية أطفال صيدا يحضرون إلى تلك المساحة، فلا يعرفون سوى اللعب والمرح، فيما يلتقي الناس قرب بحر العيد قبالة القلعة البحرية".

أما عن العيد اليوم، فتقول حجازي إنه "ليس كما السابق"، مضيفة أنّ "كلّ شيء اختلف".

"في الماضي كنا نشعر ببركة العيد.
أما اليوم فهو يمضي وسط الضغوط اليومية التي نعيشها، خصوصًا في لبنان". 

"الأسحة" هي من أقدم الحلويات المعروفة في المدينة الجنوبية

 "الأسحة" هي من أقدم الحلويات المعروفة في مدينة صيدا الجنوبية

من جهتها، تتفق الحاجة سلوى محمد سليم، البالغة من العمر 81 عامًا، من بلدة البرجين في جنوب لبنان، مع حجازي في الحنين إلى جمال العيد القديم. وتقول لموقع التلفزيون العربي، وهي تستعيد ما عاشته قبل نحو 75 عامًا: "كان أهلنا يجهزون أنفسهم للعيد قبل أيام، فتأخذنا والدتنا لشراء القماش وتفصيله لدى الخياط. كان ذلك يشملني ويشمل إخوتي جميعًا. لم نكن نشتري ملابس جاهزة، لأن هذه البضائع لم تكن متوافرة كما هي اليوم في مناطقنا".

وتضيف: "أذكر تمامًا أن والدي كان يجهز الخراف ويربطها قرب المنزل لنحرها في اليوم الأول من العيد. وكانت أمي تحضر الخبز المرقوق وخبز التنور قبل العيد، فيما نعدّ الكعك والحلوى في المنزل، لأن غالبية الناس كانوا يصنعون حلوياتهم بأنفسهم".

وتستعيد سليم عادة أخرى كانت تسبق العيد، هي طحن البن في المنزل لتحضير قهوة المناسبة. وتقول: "كانت والدتي تجهز موقدة خاصة للقهوة من أجل الضيوف. كان الهدف تقديم قهوة طازجة بطعم رائع، وهذه العادة لم تعد موجودة اليوم".

وكما في صيدا وسائر المدن والقرى، كانت ساحة البرجين تمتلئ بمراجيح العيد. وتقول سليم:

"كنا ننتظر الأعياد لنذهب إلى هناك ونلعب مع الأطفال. كانت الأيام جميلة جدًا وفيها كثير من الدفء، وبلدتنا كانت صغيرة والجميع يعرف بعضه. اللقاءات بين الناس لا تنتهي، أما اليوم فتوزع الناس وباتت زيارات العيد محدودة".

وتستذكر سليم أيضًا أن سكان بلدتها، كما في مناطق لبنانية أخرى، كانوا يزورون المقابر في اليوم الأول من العيد، فيقرأون الفاتحة على أرواح موتاهم، ويضعون شتول الريحان والورود على القبور. وتضيف أن "هذه العادة ما زالت مستمرة حتى اليوم"، رغم أنّها "ليست من الشعائر المفروضة كصلاة العيد مثلًا".

"زيارة المقابر خطوة رمزية تؤكد أن الأحياء لا ينسون الأموات في المناسبات، كما تذكّر الناس بأن الموت حق وأن كل شيء سيزول في النهاية".

ذاكرة الأضحى في 6 عادات

 


عيد فلسطين.. ذكرى البيادر و"كعك المواقد"


في فلسطين، لا تنطفئ ذكريات العيد في ذاكرة من عاش الفرح هناك قبل النكبة عام 1948. فالطفولة التي امتزجت بعبق الأرض لا يمكن أن تمحوها السنوات، فكيف إذا كانت مرتبطة بعيد الأضحى وما يحمله من معنى ديني واجتماعي ووجداني.

الحاج شحادة ماضي أبو رشيد، وهو فلسطيني من مواليد خربة جدين في قضاء عكا عام 1944، يتحدث لموقع التلفزيون العربي عن ذكريات طفولته في أرضه، ولا سيما في الأضحى، واصفًا العيد بأنه "يوم من العمر". ويقول:

"ما إن يحل عيد الأضحى، حتى تعود بنا الذاكرة إلى أيام الطفولة التي كنا نقضي فيها العيد ببراءة. ما أروع تلك الأيام التي لا تُنسى أبدًا. أجمل ما في هذه المناسبة هو الحج، إذ يذهب المسلمون إلى المملكة العربية السعودية لأداء الفريضة، مرتدين الثياب البيضاء ويطوفون حول الكعبة المشرفة".

"في العيد، كنا ننتظر عودة الحجاج إلى ديارهم، وكانت الفرحة تغمر نفوسنا بقدومهم، حاملين معهم بشائر الطاعة والغفران، وآتين بمياه زمزم التي كنا ننتظرها بفارغ الصبر لنشربها ونتبارك بها".

ويقول أبو رشيد إن والدته كانت تشتري له ولإخوته الملابس الجديدة، مشيرًا إلى أنه كان يضع تلك الملابس إلى جانبه عشية العيد، تعبيرًا عن فرحه بها. ويضيف:

"في يوم العيد، كنا نجتمع في طفولتنا على البيادر، حيث تُنصب المراجيح للأطفال، فنستمتع بها حتى نتعب. كانت حشود الأطفال كثيرة إلى درجة أننا قد نضيع، فتأتي الأمهات للبحث عن أطفالهن بين الجموع في تلك البيادر الواسعة".

"عندما يأتي الحجاج، تكون الجموع أكبر. نجتمع نحن الصغار عند أطراف البيادر لنراهم، فيما يتقدم الكبار صفوف المستقبلين. ما أجمل تلك اللحظات وما أعمقها في قلبي".

وعن العيد اليوم، يقول أبو رشيد: "رغم الحنين إلى الماضي، بات العيد مثل أي يوم عادي. يمر سريعًا من دون فرح، فالنفوس حزينة والعقول مشوشة، ونحن بعيدون عن أرضنا التي نشتاق إليها."

"فلسطين الحبيبة هي ملاذنا الأول والأخير، ولا عيد لدينا إلا بعد العودة.

مع ذلك، نشكر الله أننا بخير ونحمده على كل شيء،

لكن الذكرى تبقى في البال والنفس، ونسأل الله أن نعود إلى فلسطين، أرض الأنبياء والأديان والحنين".


ذاكرة الأضحى في فلسطين

وتلتقي ذكريات أبو رشيد مع ذكريات الحاجة حسنة الخليل، وهي من مواليد البصة في قضاء عكا عام 1944. ففي حديث إلى موقع التلفزيون العربي، تستعيد الخليل أيام العيد قبل أكثر من 70 عامًا، متوقفة عند عادات بقيت في ذاكرتها.

"أذكر تمامًا ما كنا نعيشه خلال العيد الذي نستعد له قبل أيام من حلوله. كان الناس يهيئون أمورهم، فيصنعون الكعك في المنزل. ما أجمل تلك اللحظات. كنا نضع بطانيات على الأرض، ثم نأتي بصحف قديمة نظيفة ونضعها فوق البطانيات، ونعجن الكعك فوقها".

"أحيانًا يكون عددنا أربعة أو خمسة أشخاص، وأحيانًا يكون أكبر، والجميع يشارك في تحضير الكعك، بين العجن والحشو بالتمر والجوز. بعد إعداد الكعك، ننقله إلى المواقد المصنوعة من التبن والتراب، حيث يكون الحطب جاهزًا لخبزه تحضيرًا للعيد".

"ليلة العيد، نجهز الكعك داخل المنزل، ونضع المخبوزات في وعاء كبير يُسمى اللكن. كان هناك شرط أساسي هو أن يكون هذا الوعاء نظيفًا جدًا، وقبل العيد كنا نأخذه إلى المبيّض لتنظيفه وجعله ناصعًا".

وتضيف الخليل:

"أذكر أننا كنا صائمين في يوم عرفة خلال تحضير حلوى العيد، وحين يدخل وقت أذان المغرب، نتناول طعام الإفطار الذي نحضره أيضًا أثناء صناعة الحلوى. وكانت النساء يحضّرن ورق العنب قبل يومين من العيد، ويضعنه على أوانٍ خشبية معلّقة بدالية العنب، لأن البرادات لم تكن موجودة كما اليوم".

وتختم:

"كان للعيد قيمته آنذاك، أما اليوم فقد خفتت الفرحة عند كثيرين. 

حين تحل المناسبة، نعود بالذاكرة إلى الوراء ونروي لأحفادنا ما كنا نعيشه ونفعله، كي يشعروا بقيمة العيد وأهميته في ماضينا وحاضرنا".


كان كعك العيد يُحضّر جماعيًا في البيوت ويُخبز في المواقد قبل حلول الأضحى

كان كعك العيد يُحضّر جماعيًا في البيوت ويُخبز في المواقد قبل حلول الأضحى - غيتي

سوريا وذكريات العيد.. "البليلة" سيدة "المضائف"


في سوريا، وتحديدًا في إدلب، عاشت السيدة حسناء حمّادي، البالغة من العمر 70 عامًا، لحظات الأضحى بشغف كبير، حتى إنها كانت تنتظر المناسبة بشوق دائم.

لا تنسى حمّادي عيد طفولتها. وتقول لموقع التلفزيون العربي إن تلك الأيام لن تتكرر، لجمالها وبساطتها على وجه الخصوص. وتضيف: "في الماضي، كان العيد من أجمل الأيام. يبدأ قبل 15 يومًا من حلوله، فنشتري ثياب العيد، وننظف المنزل وندهنه قبل أسبوع ليكون بأجمل حلة. بعدها نجهز حلويات العيد، مثل المعمول والغريبة والكعك المالح، وكانت البليلة سيدة المضائف لدينا".

"في اليوم الأول من العيد، أذكر أن والدتي كانت تعدّ المحاشي والكبة والمقلية، وكان أشقائي يذهبون لتأدية صلاة العيد، قبل أن نذهب معهم إلى المقابر لوضع الريحان والورود على الأضرحة. بعد ذلك، كنا نذهب إلى منزل جدتنا، حيث يتحلق الجميع في الدار ويتسامرون، بينما ننتظر العيدية بفارغ الصبر من الكبار، قبل أن نذهب للعب بالمراجيح المعلقة في الشوارع".

وتتابع: "في صغرنا، كنا نشتري الألعاب خلال العيد. كان هذا الأمر مهمًا جدًا، لأنه كان بالنسبة إلينا دليلًا على أننا نعيش الفرحة فعلًا، فضلًا عن زيارات الأقارب وتناول الحلوى طوال النهار".

"كان للعيد قيمة أكثر من الآن. أيامه كانت تمرّ بفرح، وما إن يتكرر حتى نستعيد اللحظات الجميلة كأنها تُولد للمرة الأولى".

بدوره، يقول السوري أحمد عديل، البالغ من العمر 56 عامًا، من بلدة بصر الحرير في محافظة درعا، إن للعيد ذكريات لا تُنسى. ويشرح لموقع "التلفزيون العربي" أن المناسبة كانت تعبيرًا عن المودة والمحبة والألفة، وخط تواصل بين الناس. ويضيف: "كنا نذهب لتأدية صلاة العيد، ثم نزور المقابر، قبل أن نزور بيت كبير العائلة فنجتمع لديه".

ويضيف:

"في الماضي، كان هناك تواصل أكثر من اليوم، إذ كانت الزيارات تجمعنا بينما هذا الأمر بتنا نفتقده حتى وإن كانت التسهيلات موجودة من سيارات وهواتف.

أصلًا، فإن اللقاءات المباشرة والزيارات المتبادلة في العيد كانت تمثلُ حياة جميلة، أما اليوم فهذا الأمر بات يندثر من خلال المعايدات عن بُعد، ويا ليت الأيام الجميلة تعود".


من بيت  إلى بيت

في الأردن.. المسيحيون يشاركون المسلمين في العيد


من لبنان إلى فلسطين وسوريا وصولًا إلى الأردن، والذاكرة تفتحُ دفاتر العيد القديمة، فتستعيدُ رونق هذه المناسبة العظيمة بجماليتها وحلاوتها.

في البلد الذي يحتضن البتراء، يتحدث المواطن الأردني عادل النجار، البالغ من العمر 69 عامًا، عن ذكريات الأضحى في مخيم الوحدات للاجئين في عمّان، مستعيدًا أيامًا بقيت لها قيمتها الخاصة. ويقول:

"كانت الاستعدادات للعيد تبدأ قبل أسبوع أو عشرة أيام، من خلال نصب المراجيح الخشبية وألعاب الأطفال في ساحات الحارات وتزيينها بالورق الملون. كنا نذهب لمراقبة التجهيز، ونحجز وهميًا أوقات اللعب خلال العيد مع أصحابنا".

"كانت نساء الحارة يجتمعن قبل العيد بيومين أو أكثر في بيت إحداهن، ليبدأ مهرجان الكعك والمعمول. لم نكن نعرف حينها معمول الفستق الحلبي، إذ كان المعمول غالبًا بالتمر أو الجوز. وكنا نحمل أواني الكعك على رؤوسنا إلى مخبز الحارة مساء، ثم نعيدها إلى المنزل بعد الخَبز".

ويضيف:

"في أول أيام العيد، كنا نستيقظ في وقتٍ باكر للذهاب إلى صلاة العيد في مسجد الحارة لنسارع بعدها العودة إلى المنزل استعداداً لاسقبال الأقارب، فيما نبضات قلبنا تتسارع متسائلين كم ستكون عيدية خالي أو عمي. كنا نحرص أن نكون متواجدين أمام ناظريهم حتى لا ينسونا في ظل الزحمة، لتنتهي العملية بقروش معدودة بعضها سيذهب للمراجيح وجزء آخر لحضور 3 أفلام سينما.

أما الأمر المهم أيضًا هو أن العيد لا يمر من دون تناول صحن صغير من الكنافة النابلسية التي يسبقها سندويش من الفلافل".

"كانت أحوال الناس بسيطة آنذاك، لكن الفرح كان يغمرهم. أيضًا، لم تكن خيارات الموضة متاحة كما هي الآن، وأذكر أن حلاقة الشعر كانت نفسها للجميع وتحديدًا عند (الدرجة رقم 1)، فيما كان حلاق الحارة يؤجّر الدراجات الهوائية. كذلك، أكذر أن الملابس كانت عبارة غالبًا عن بنطال باللون الكاكي، ومن حالفه الحظ يحصل على حذاء من الكتان، بينما لم نكن نعرف أي ملابس أو أحذية من الماركات المتداولة الآن".


شكّلت مراجيح العيد جزءًا من ذاكرة الأطفال في مدن وقرى عربية كثيرة

شكّلت مراجيح العيد جزءًا من ذاكرة الأطفال في مدن وقرى عربية كثيرة - غيتي

المفارقة هنا أنّ مواطنين مسيحيين في الأردن كانوا يحتفلون أيضًا مع المسلمين في عيد الأضحى، إذ يتشاركون معهم طقوس العيد وعاداته.

موقع "التلفزيون العربي"  تحدث مع السيدة آلين من العقبة، وهي أردنية مسيحية تحتفل مع المسلمين بالعيد، وتقول:

"كنا نشعر بأجواء العيد حقاً في كل البلاد، فيما العلاقات بين الأقارب والجيران قوية لدرجة أننا كنا نتشارك الزيارات في ما بيننا حتى وإن كانت الديانات مختلفة".

تتذكر آلين (56 عامًا) كيف أن جيرانها من المسلمين كانوا يرسلون إلى عائلتها لحوم الأضاحي أو مأكولات العيد، فيما كنا نتشارك معهم تحضير القهوة والحلوى والكعك، وتضيف: "كل هذه الأشياء تراجعت واندثرت اليوم، فيما باتت العادات الإجتماعية تتسم بالبرودة".

تلفت آلين إلى أنها كانت تحب أجواء "الأضحى" في طفولتها، إذ كانت تنتظره بفرح ولهفة، وتضيف:

"كنا نرى الناس يرتدون الملابس الجديدة، فيما نزور الأقارب وجيراننا المسلمين ونعايدهم، وأحنّ جدًا إلى اللقاءات الجامعة والبسيطة، فالبيوت كانت مفتوحة أمام الجميع ولا مواعيد مسبقة".

وتختم آلين بأن أجواء عيد الأضحى تغيرت مع السنوات، مشيرة إلى أن كثيرين باتوا يعتمدون معايدة الهاتف بدل الزيارات المباشرة، ما انعكس على الحياة الاجتماعية. وتضيف: "رغم ذلك، فإن العيد لا يزال يحتفظ برمزيته وقيمته، خصوصًا حين نرى العائلات مجتمعة".


مائدو الأضحى العربية

مصر والمغرب.. من الأضحية إلى "الأكل المالح"


في مصر والمغرب، أي في شمال إفريقيا، تظهر عادات مميزة خلال الأضحى، فيما لا تغيب التفاصيل الإنسانية عن ذاكرة العيد.

يتحدث المواطن المصري سيد بن فوزي، البالغ من العمر 60 عامًا، إلى موقع التلفزيون العربي عن ذكريات الأضحى في بلاده، ويقول إن الناس كانوا يحبون بعضهم، ويتبادلون الأطعمة خلال العيد، فيما تُوزع اللحوم على الفقراء والجيران. ويضيف: "أما اليوم، فهذه الأمور باتت نادرة جدًا. صار كل شخص ينحر الأضحية يحتفظ باللحوم في ثلاجته، وكأن العيد يُسمى عيد اللحمة وليس عيد الأضحى".

ويقول بن فوزي، وهو من محافظة الشرقية، إن الأضاحي كانت في الماضي تُوزع على الفقراء والمحتاجين، وكان الجميع يتشارك الفرحة. ويشير إلى أن معاني الأضحى كبيرة وعظيمة، وفي مقدمتها الإحساس بالآخر وإسعاده. ويتابع: "اليوم بتنا نرى اللحوم تتكدس في المنازل بدل توزيعها. إذا كان الهدف تخزين اللحوم فقط، فيمكن شراؤها من الجزار وينتهي الأمر، لكن العيد له معنى أكبر وأعمق".يحنّ بن فوزي إلى "الجلسات العائلية ومع الجيران"، قائلًا:

"كنت ترى 20 رجلاً يجتمعون معًا في العيد حيث يتحدثون ويتبادلون المواضيع، أما اليوم فلم تعُد ترى هذه اللقاءات، ويا ليت الأيام الماضية تعود لكي يختلط الناس ببعضهم أكثر".

ويتحدث عن الملابس خلال العيد، فيقول: "كان الصبية يرتدون ملابس معينة، وكذلك البنات. أما اليوم فكل شيء تبدل. في الوقت الراهن، باتت الملابس تشبه بعضها، وفقد العيد شيئًا من حلاوته. حين نتذكر الأيام الماضية، نشتاق إلى لحظات عشناها ونتمنى أن نعيشها مجددًا".


الأضحية بين الطقس والمعنى

وفي المغرب، يُعدّ الأضحى من الأعياد الرئيسية ذات الرونق الخاص. وتتحدث السيدة حياة بن بو شعيب، البالغة من العمر 52 عامًا، إلى موقع التلفزيون العربي، فتقول إن عيد الأضحى يُعرف في بلادها باسم "العيد الكبير"، مشيرة إلى أن الأضاحي سنّة مؤكدة، وأن من لا يستطيع شراء خروف يجد غالبًا من يساعده، لأن روح الإحسان والتضامن حاضرة بين الناس.

السيدة حياة بن بو شعيب (52 عامًا) تتحدث عبر "التلفزيون العربي" وتقول إنّ عيد "الأضحى" في بلادها يُعرف باسم "العيد الكبير"، مشيرة إلى أن "الأضاحي هي سنة مؤكدة، ومن لا يستطيع شراء خروف، يجد من يساعده في ذلك، حيث أن روح الإحسان والتضامن قائمة بين الناس".

وتقول بو شعيب، المقيمة في الرباط، إن التحضير للعيد كان يبدأ باكرًا. فالنساء يشترين أدوات المطبخ الخاصة بالمناسبة، ويجهزن البهارات يدويًا عبر طحنها وتحضيرها لمأكولات العيد، بدل شرائها جاهزة. وتضيف:

"تحرص العائلات أيضًا على تفصيل الملابس لدى الخياطين، مثل الجلابيات والقفاطين، فيما يذهب الرجال إلى صلاة العيد قبل أن تبدأ مراسم ذبح الأضحية في المنازل".

وتلفت إلى أن الزوجة كانت تساعد زوجها في ذبح الأضحية، لكن الأمور اختلفت اليوم، إذ باتت عائلات كثيرة تستعين بالجزار لأسباب صحية ولتوفير الجهد، مع بقاء عائلات أخرى حريصة على العادات القديمة ونحر الخراف بنفسها.

وتشير بو شعيب إلى أن المغاربة يميلون إلى المأكولات المالحة أكثر من الحلويات خلال العيد، ومن أشهر أطباقهم "بولفاف"، وهو يُحضَّر من كبد الخروف ثم يُشوى على الفحم، ويُقدم عادة مع الزيتون الحار وبعض السلطات. وتتحدث أيضًا عن طبق آخر يُدعى "شكنبا"، ويُحضَّر من أحشاء الخروف، إضافة إلى طبق "المروزية" الشهير في الأضحى.

وتؤكد بو شعيب أن المغاربة حافظوا، رغم تغير الزمن، على عادات عيد الأضحى وتمسكوا بتقاليده القديمة. فالزيارات المتبادلة والطهي في المنازل لا تزال من الطقوس الحاضرة.

"عيد الأضحى مناسبة للتكافل والفرح، والأجمل أن نتوارث العادات ونبقيها قائمة، لأنها تعبّر عن أصالة المجتمع عبر الأجيال".

العيد بين الأمس واليوم

 


ما الذي بقي من عيد زمان؟

تكشف شهادات عيد الأضحى في العالم العربي أن العادات قد تختلف من بلد إلى آخر، لكنها تلتقي عند معنى واحد: العيد لم يكن يومًا عابرًا في الذاكرة، وإنما مساحة للبيت والجيران والأقارب والطعام والرحمة.
من لبنان إلى فلسطين، ومن سوريا والأردن إلى مصر والمغرب، تستعيد الأجيال الأكبر عيدًا كان يبدأ قبل موعده بأيام، في الثياب الجديدة، ورائحة الكعك، وتجهيز القهوة، وانتظار العيدية، وازدحام الساحات بالأطفال.
مع أن الزمن غيّر كثيرًا من التفاصيل، بقي الأضحى في الذاكرة العربية مناسبة تختبر قدرة الناس على الفرح، حتى في أكثر الأزمنة قسوة.
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي