شنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هجومًا غير مسبوق على إلهان عمر، النائبة في مجلس النواب عن ولاية مينيسوتا، على خلفية تعليق لها على مقتل الناشط اليميني تشارلي كيرك.
ولم يكتفِ الرئيس الأميركي بالهجوم على عمر، بل أدلى بتصريحات استعلائية عن وطنها الأم، الصومال، الذي تتحدّر منه. وقال ترمب في تصريحات على متن الطائرة الرئاسية خلال عودته من لندن الجمعة الماضي، إنها جاءت من الصومال، متسائلًا ما إذا كان لهذه البلاد رئيس أو حتى مجلس بلدي، داعيًا إلى عزل عمر على الفور:
أعتقد أنه يجب عزلها. إنها فظيعة جدًا. أصولها من الصومال. كيف يديرون بلدهم؟ كيف حال حكومتهم؟ هل لديهم رئيس؟ هل لديهم مجلس بلدي؟ هل لديم أي شيء، أي شيء، أي شيء؟ هل يمكن أن تكون لديهم شرطة؟ أحب هؤلاء الأشخاص الذين يأتون من مكان لا يوجد فيه شيء ثم يعلّموننا كيف ندير بلادنا. أعتقد أنه سيكون رائعًا إذا حصلت على إدانة علنية، وأفضل إذا تم عزلها.
كما كتب ترمب على منصة "تروث" قائلًا إن الصومال تعاني من الفقر والجوع وعودة الإرهاب والقرصنة والفساد والعنف، وبعد ذلك تأتي إلهان عمر "لتخبرنا كيف ندير بلادنا"، قبل أن يردف: "ألم تكن هي من تزوجت شقيقها لتحصل على الجنسية؟ يا لها من حثالة".
دعوات لعزل إلهان عمر
قُتل الناشط اليميني تشارلي كيرك (31 عامًا) برصاصة أصابته في العنق خلال مشاركته في نقاش بإحدى الجامعات بولاية يوتا في الحادي عشر من الشهر الجاري، ونعاه ترمب على موقع "تروث سوشال" قائلًا: "لقد توفي تشارلي كيرك العظيم، بل الأسطوري".
وفي بادرة غير مسبوقة تعكس مكانة كيرك لديه، أمر ترمب بتنكيس الأعلام في أنحاء الولايات المتحدة لمدة أسبوع حدادًا عليه. وكان كيرك متحدثًا بارزًا باسم اليمين الأميركي المتطرف بين الشباب على شبكات التلفزيون وفي المؤتمرات، وشارك في تأسيس منظمة "تورنينغ بوينت أميركا" عام 2012 لتعزيز وجهات النظر المحافظة بين الشباب.
ولكيرك آراء متطرفة في الإسلام والعدوان على قطاع غزة، ويرتبط بعلاقة وثيقة بالرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وندّدت عمر بمقتل كيرك قائلة إنه محزن ومحرج، وأعربت عن صدمتها بعد مشاهدة فيديو انتشر بشكل واسع للحادثة، معبّرة عن تعاطفها مع زوجته وطفليه. لكنها أثارت الغضب في صفوف اليمين الأميركي لتحميلها الجمهوريين مسؤولية تأجيج الأجواء التي قادت إلى مقتل كيرك، في مقابلة على قناة "زيتيو".
كما انتقدت آراء كيرك العنصرية، ومنها مواقفه بشأن حيازة الأسلحة والعلاقات العرقية داخل البلاد بعد مقتل المواطن ذي البشرة السمراء جورج فلويد عام 2020 على يد الشرطة في مينيابوليس، قائلة إن كيرك يستحق التوبيخ لآرائه تلك أيضًا:
الشخص الذي دعا إلى الإعدام العلني لمن اختلف معهم ليس متحضرًا. الذي قال: أنتِ امرأة سوداء تفتقرين إلى القدرة على معالجة الأفكار، ليس متحضرًا. الشخص الذي قال إنه يجب ألا أبقى في هذه البلاد لأنني مسلمة أدمر المجتمع الغربي، ليس متحضرًا.
وفي أعقاب تصريحاتها عن كيرك، تقدمت النائبة الجمهورية نانسي مايس بمشروع قرار إلى مجلس النواب لمعاقبة عمر، لكنه رُفض بفارق صوت واحد، إذ صوّت ضده 214 نائبًا مقابل 213 أيّدوا مشروع القرار الذي طالب بمعاقبتها وإخراجها من لجنتين برلمانيتين، هما "التعليم والقوى العاملة" والميزانية.
وتبادلت عمر ومايس الهجمات اللفظية بينهما على منصات التواصل الاجتماعي، فبينما قالت مايس إنه يجب ترحيل عمر التي حصلت على الجنسية الأميركية عام 2000، ردّت عمر قائلة إن مايس تروّج لرواية كاذبة لجمع التبرعات "ودعم ترشّحها لمنصب حاكم الولاية".
واضافت: "أتمنى رؤيتك تحصلين على المساعدة التي تحتاجينها تاليًا. مكانك هو مركز إعادة التأهيل وليس الكونغرس".
فردت عليها مايس بسلسلة منشورات قالت في إحداها: "تذكرة ذهاب بلا عودة إلى الصومال باسمك يا إلهان عمر".
مسلمة ومهاجرة من إفريقيا
لم تكن هذه المرة الأولى التي تتعرّض فيها إلهان عمر لإجراءات عقابية بسبب مواقفها، فقد صوّت مجلس النواب الأميركي بالفعل في فبراير/ شباط 2023 لصالح طردها من لجنة الشؤون الخارجية على خلفية تصريحات وُصفت بأنها معادية للسامية.
وقالت عمر في خطاب تحدٍّ في مجلس النواب قبل إقالتها من اللجنة: "أنا مسلمة ومهاجرة، والمثير للاهتمام أنني أيضًا من إفريقيا. هل تفاجأ أحد بأنني مستهدفة؟ هل تفاجأ أحد بأنني بطريقة أو بأخرى اعتُبِرت أني لا أستحق التحدث عن السياسة الخارجية الأميركية؟".
وقبل دخولها الكونغرس، قالت إن إسرائيل "نوّمت العالم مغناطيسيًا"، وحضّت الناس على فتح أعينهم على "الأفعال الشريرة" لحليفة الولايات المتحدة. وبرّرت الأمر بأنها لم تكن على دراية في ذلك الوقت بالتعابير المعادية للسامية، واعتذرت عن اتهامها الجمهوريين بأن الدعم لإسرائيل كان مدفوعًا بتبرعات من جماعات الضغط.
كابوس ترمب
كانت عمر في مرمى نيران ترمب خلال حملته للانتخابات الرئاسية عام 2020. وردّد المئات من أنصاره في يوليو/ تموز 2019 "أعيدوها إلى بلادها" في تجمع بكارولاينا الشمالية، فردّت عمر بالقول إنها ستبقى "كابوسًا" لترمب: "الكابوس (لترمب) هو أن يرى لاجئة صومالية تصل إلى الكونغرس".
وأكدت: "سنبقى كابوسًا لهذا الرئيس لأن سياسته كابوس بالنسبة لنا"، ووصفته بالفاشي. وقالت: "لقد قلنا إنّ هذا الرئيس عنصري وندّدنا بتصريحاته العنصرية. أعتقد أنّه فاشي".
وحاول ترمب النأي بنفسه عن هتافات أنصاره، وقال: "لم أكن مسرورًا بذلك، ولا أتّفق معه".
وفي الشهر نفسه أعلنت النائبات في الكونغرس الأميركي: ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز من نيويورك، وإلهان عمر من مينيسوتا، وآيانا بريسلي من ماساتشوستس، ورشيدة طليب من ميشيغن، اللواتي استهدفهن ترمب بتعليقات عنصرية، أنّ ترمب يروّج لـ"القومية البيضاء"، وتعهدن بأنهن لن "يسكتن".
وقال ترمب عنهن إنه إذا كنّ غير مسرورات في الولايات المتحدة "فيمكنهن المغادرة"، متهمًا إياهن بـ"محبة أعداء" أميركا، وأضاف أنّ هذه "المجموعة المكونة من أربعة أشخاص يتذمّرن باستمرار: هؤلاء أشخاص يكرهون بلدنا. يكرهونها، أعتقد بقوة"، مشيرًا إلى أنهن "يكرهن إسرائيل ولديهن مشاعر حب لأعداء على غرار القاعدة".
وبعد ساعات من تصريحاته، عقدت أوكاسيو-كورتيز وعمر وبريسلي وطليب مؤتمرًا صحافيًا للرد على ترمب، ودانت بريسلي تعليقات الرئيس "الكارهة للأجانب والمتعصّبة"، وقالت: "لن يتم إسكاتنا".
من جهتها قالت عمر إن ترمب قام "بهجوم عنصري صارخ" على أربع نائبات "ملوّنات"، مشيرة إلى أنّ "هذه أجندة القوميين البيض". وكرّرت عمر وطليب دعواتهما لمحاسبة ترمب وعزله.
وتسبّبت تصريحات ترمب هذه في موجة استياء عبر العالم وليس في الولايات المتحدة فقط، فقد أعربت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن تضامنها "مع النساء اللواتي تعرضن للهجمات"، ورأت أنّ قوة الولايات المتحدة تكمن بالضبط في أنّ "أناسًا من جنسيات مختلفة يشكّلون الشعب الأميركي".
كما ندّدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بالتصريحات واعتبرتها "غير مقبولة إطلاقًا"، ونددت بها أيضًا رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن.
وصوّت مجلس النواب الأميركي لصالح قرار يدين التصريحات "العنصرية" التي أدلى بها ترمب، وقالت عضو مجلس الشيوخ حينها كامالا هاريس: "هذا شنيع. هذا جبان. هذا كره للأجانب. هذا عنصري. هذا يوسّخ المهمة الرئاسية".
ترمب: عار على بلادنا
لكن ترمب عاد في الشهر نفسه (21 يوليو/ تموز 2019) إلى مهاجمة النائبات الأربع، وكتب: "لا أعتقد أن النائبات الأربع قادرات على حب بلادنا"، وأضاف: "عليهن الاعتذار لأميركا وإسرائيل على الأمور الفظيعة والكريهة التي تفوهن بها. إنهن يدمرن الحزب الديمقراطي، ولكنهن نساء ضعيفات ويفتقرن إلى الثقة بالنفس ولا يمكنهن أبدًا تدمير أمتنا العظيمة".
كما هاجم ترمب في أكتوبر/ تشرين الأول 2019 النائبة إلهان عمر خلال هجومه على ما سمّاه التحالف بين "الديمقراطيين الفاسدين" و"الإعلام الكاذب"، ووصف رئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي بأنها تكره الولايات المتحدة الأميركية، ووصف الرئيس السابق جو بايدن بأنه "كان نائب رئيس جيدًا لباراك أوباما فقط لأنه كان يجيد تملّقه".
ووصف إلهان عمر بأنها "اشتراكية تكره أميركا" و"عار على بلدنا". وأضاف مبتسمًا: "كيف يمكن لكم أن تختاروا شخصًا مثلها لتمثيلكم؟ أنا غاضب منكم".
من مقديشو إلى الكونغرس
وُلدت إلهان في مقديشو عام 1981، وفرّت مع عائلتها وهي طفلة من الحرب الأهلية في الصومال، وأمضت أربع سنوات في مخيم للاجئين في كينيا، قبل أن تهاجر عام 1995 إلى الولايات المتحدة.
تخرّجت من جامعة نورث داكوتا بدرجة البكالوريوس في العلوم السياسية والدراسات الدولية عام 2011، وانخرطت في صفوف الحزب الديمقراطي. فازت بمقعد في برلمان مينيسوتا عام 2016، وبعد ذلك بعامين (نوفمبر/ تشرين الثاني 2018) انتُخبت عضوًا في مجلس النواب الأميركي، ليُغيَّر القانون الداخلي للسماح لها بارتداء الحجاب داخل المجلس.
تُعتبر أول أميركية من أصول صومالية تدخل السياسة الأميركية، وواحدة من امرأتين مسلمتين انتُخبتا في الكونغرس لأول مرة في التاريخ، وهي من بين أربع نائبات ديمقراطيات ينتمين إلى أقليات عرقية استهدفهن ترمب علنًا في ولايته الأولى.
وأثارت عمر الجدل بعدة تصريحات لها، ومنها إشارتها إلى أن المال وراء دعم عدد كبير من السياسيين الأميركيين لإسرائيل، وكذلك عندما ظهرت في فيديو استخدمت فيه عبارة "بعض الناس فعلوا شيئًا ما"، في إشارة إلى هجمات 11 سبتمبر/ أيلول.
واتهمها ترمب في حينه بإهانة موظفين أميركيين والتقليل من شأن هذه الهجمات، ودعم الإرهابيين، وطالبها بالاستقالة، كما تلقت تهديدات بالقتل بسبب ذلك.
وسعت جماعات مؤيدة لإسرائيل للإطاحة بها في الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب، بدعم منافسين لها بعضهم مؤيد لتل أبيب، لكنها رغم ذلك حققت فوزًا ساحقًا العام الماضي على منافستها الجمهورية داليا العقيدي في الانتخابات.
والعقيدي مهاجرة عراقية الأصل تصف نفسها بأنها "مسلمة علمانية" ومؤيدة لإسرائيل. وقبل انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، تعرّضت عمر أيضًا لحملات ضغط قوية من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) في محاولة لدعم خصمها دون صامويلز في الانتخابات التمهيدية، لكنها نجحت في التغلب عليه وجمعت ثلاثة أضعاف التبرعات التي حصل عليها.
عندما بكت من أجل غزة
وفي الولاية الثانية لترمب، واصلت عمر انتقاداتها لإدارته وخصوصًا بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وشاركت وزميلتها رشيدة طليب في ديسمبر/ كانون الأول من ذلك العام في تجمّع عقدته كبرى النقابات الأميركية أمام مبنى الكونغرس لوقف العدوان على غزة، وتساءلت عمر وهي تبكي في مؤتمر صحافي:
كم عدد الأطفال الآخرين الذين يجب أن يُقتلوا قبل أن تتصرف الولايات المتحدة؟
كما انتقدت ما سمّته "استهزاء بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة بالرئيس جو بايدن، وإعلانهم بشكل شبه يومي أنهم لن يلتزموا بأي خطوط حمراء تضعها الولايات المتحدة".
وفي أغسطس/ آب 2024، قالت عمر إن وزير الخارجية أنتوني بلينكن تعرّض للإذلال خلال زيارته إلى إسرائيل، وأوضحت: "الآن اسألوا أنفسكم: كيف يمكن لوزير خارجيتنا أن يسافر 11 مرة ويتوسل من أجل إنهاء حادث نواصل نحن تقديم القنابل والأسلحة التي تسبّبت فيه؟".
وأضافت: "كيف لا نخجل من هذا الإذلال الذي يواجهه ممثلو إدارتنا؟".
وخاطبت عمر إدارة واشنطن قائلة: "إذا كانوا يريدون حقًا وقف إطلاق النار، فعليهم أن يتوقفوا عن إرسال الأسلحة".