من هرمز إلى فرانكفورت.. كيف تضغط حرب إيران على اقتصاد أوروبا؟
باتت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تحديًا اقتصاديًا ونقديًا كبيرًا لأوروبا، بعدما تحولت اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز إلى عامل ضغط مباشر على أسعار الطاقة، وتوقعات التضخم، وسياسة البنوك المركزية، وأسواق الدين السيادي، والنمو الاقتصادي في أنحاء القارة.
ويضع هذا الواقع البنك المركزي الأوروبي أمام اختبار معقد: كيف يحمي استقرار الأسعار في بيئة جيوسياسية شديدة التقلب؟ وهل تكفي الأدوات النقدية التقليدية للتعامل مع أزمات تُصنع في ساحات الحرب، ثم تظهر آثارها في فواتير الطاقة وجيوب المستهلكين الأوروبيين؟
صدمة الطاقة تعود إلى الواجهة
لا تزال أوروبا عرضةً للصدمات الخارجية في قطاع الطاقة، نظرًا إلى اعتمادها الكبير على النفط والغاز المستوردين. ورغم تنويع الدول الأوروبية بعض مصادر الطاقة خلال السنوات الأخيرة، تبقى منطقة الخليج ذات أهمية كبيرة لسلاسل الإمداد العالمية واستقرار الأسعار.
ووفق المفوضية الأوروبية، فللمرة الثانية في أقل من خمس سنوات، تتضح مخاطر اعتماد أوروبا على واردات الوقود الأحفوري بشكل جليّ. وتشير إلى أن أكثر من نصف (57%) الطاقة المستهلكة في أوروبا تولد من الوقود الأحفوري المستورد.
كيف تنتقل حرب إيران إلى الاقتصاد الأوروبي؟
-
اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.
-
ارتفاع أسعار النفط والغاز.
-
زيادة تكاليف النقل والإنتاج.
-
صعود التضخم في منطقة اليورو.
-
ضغط أكبر على البنك المركزي الأوروبي.
-
ارتفاع عوائد السندات وتكاليف الاقتراض.
-
تسريع النقاش حول أمن الطاقة والتحول الأخضر.
التضخم يضغط على منطقة اليورو
يؤثر ارتفاع أسعار النفط والغاز مباشرةً على تكاليف النقل والإنتاج الصناعي وأسواق الكهرباء والإنفاق الاستهلاكي في منطقة اليورو. ويخلق ذلك ضغطًا تضخميًا في وقت يحاول فيه صناع السياسات تثبيت الأسعار بعد سنوات من التقلبات الاقتصادية.
وقد ظهر أثر الصدمة سريعًا في بيانات الأسعار، إذ ارتفع التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 3% في أبريل/ نيسان، مدفوعًا بزيادة أسعار الطاقة بنسبة 10.9%، فيما تراجع التضخم الذي يستثني الطاقة إلى 2.2%، وفق البنك المركزي الأوروبي.
وعلى عكس الاضطرابات الاقتصادية المحلية، ينتشر تضخم الطاقة بسرعة داخل الاقتصاد كله، لأن الطاقة تدخل في معظم القطاعات تقريبًا. ومع ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، تنقل الشركات جزءًا من هذه الزيادات إلى المستهلكين، ما يفتح الباب أمام آثار تضخمية أوسع.
وقد يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة، في مرحلة لاحقة، إلى مطالبات بزيادة الأجور وارتفاع أسعار الخدمات. لذلك لا تكمن خطورة صدمة الطاقة في أثرها المباشر فقط، وإنما في احتمال تحولها إلى تضخم أكثر ثباتًا إذا استمرت الحرب وبقيت أسعار الطاقة مرتفعة.
البنك المركزي الأوروبي أمام اختبار الفائدة
جسّدت القفزة الأخيرة في عوائد سندات منطقة اليورو حجم القلق الذي يسيطر على المستثمرين، بعد تراجع آمال التهدئة بين واشنطن وطهران، وتصاعد المخاوف من استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.
ويعكس هذا الارتفاع، الذي برز خصوصًا في السندات الألمانية والإيطالية في 12 مايو/ أيار، قناعة متزايدة لدى الأسواق بأن استمرار الضغوط على إمدادات الطاقة قد يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى تبني مسار نقدي أكثر تشددًا، يضع السيطرة على التضخم في صدارة الأولويات، حتى لو جاء ذلك على حساب معدلات النمو الاقتصادي.
وتتجلى معضلة فرانكفورت اليوم في كيفية التعامل مع ما يعرف بـ"آثار الجولة الثانية"، إذ يخشى صناع السياسات أن تتحول زيادات أسعار الطاقة، التي قد تبدو مؤقتة في بدايتها، إلى تضخم أكثر رسوخًا، ينعكس على الأجور وسلوك التسعير العام.
وفي هذا السياق، أشار مارتن كوخر، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، إلى أن تحركًا في أسعار الفائدة قد يصبح مطروحًا إذا لم تتحسن توقعات التضخم بشكل واضح، مع التشديد في الوقت نفسه على عدم استباق قرار البنك قبل اجتماع السياسة النقدية المقرر في 11 يونيو/ حزيران.
وقال كوخر إن استمرار الحرب وبقاء أسعار الطاقة مرتفعة يزيدان خطر آثار الجولة الثانية، مع الإقرار بأن الوضع قد يختلف عن موجة التضخم التي عرفتها أوروبا في عامي 2021 و2022، لأن الطلب أضعف هذه المرة
وتدفع هذه المعادلة البنك المركزي الأوروبي إلى السير على حبل دقيق. فرفع أسعار الفائدة قد يساعد في تثبيت توقعات التضخم، لكنه لا يستطيع فتح مضيق هرمز أو إصلاح اضطرابات إمدادات الطاقة. وفي المقابل، فإن التريث طويلًا قد يسمح بتحول الصدمة المؤقتة إلى تضخم أعمق.
ويلقى هذا التوجه الحذر دعمًا، إذ قدمت ورقة بحثية صادرة عن معهد (IMFS) ومركز (ZBW) خارطة طريق نقدية؛ حيث نصحت البنك المركزي بتجنب الاستجابة الانفعالية لتقلبات التضخم الكلي الناتج مباشرة عن أسعار الطاقة.
وبدلاً من ذلك، شددت الدراسة على ضرورة حصر التدخل النمطي في حالات الارتفاع الملموس لـ "التضخم الأساسي" (الذي يستثني الطاقة والغذاء) لتجنب حدوث دوامة أجور تضخمية.
وبينما تتوقع الدراسة أن يبلغ التضخم الكلي 1.5%، يظل الرقم الحاسم الذي يراقب البنك المركزي هو التضخم الأساسي المتوقع بنسبة 0.5%، وهو ما سيعيد للأذهان دروس عامي 2021-2022 حول مخاطر التأخر في رفع أسعار الفائدة الحقيقية.
شبح "الركود التضخمي"
بحسب موقع "موديرن ديبلوماسي"، تضع صدمات العرض الخارجية أوروبا أمام خطر "الركود التضخمي"، حيث تتباطأ وتيرة النشاط الاقتصادي في الوقت نفسه الذي تستمر فيه الأسعار بالارتفاع.
وتبدو هذه المعادلة مزعجة للبنك المركزي الأوروبي. فإذا شدد السياسة النقدية بقوة، فقد يضغط على النمو والاستثمار والاستهلاك. وإذا أبقى الفائدة من دون تعديل، فقد يخسر جزءًا من قدرته على ضبط توقعات الأسعار.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب تفاوت أوضاع دول منطقة اليورو، إذ يعمّق هذا القرار يعمق الفجوة بين دول الشمال الصناعية كألمانيا التي تئن تحت وطأة تكاليف الطاقة، ودول الجنوب، كإيطاليا التي تواجه ضغوطًا هائلة على سنداتها السيادية نتيجة ارتفاع تكلفة الديون.
وتعقد عولمة الضغوط التضخمية عمل البنوك المركزية، لأن الأدوات النقدية التقليدية أقل فعالية في مواجهة صدمات العرض الخارجية، وفق موقع "موديرن ديبلوماسي".
فقد تُخفّض زيادات أسعار الفائدة الطلب، لكنها لا تستطيع حلّ الاضطرابات الجيوسياسية بشكل مباشر أو استعادة إمدادات الطاقة المُعطّلة.
السندات الأوروبية تقيس القلق
في ظل هذا المشهد، تحولت أسواق الدين السيادي إلى مؤشرات استباقية تقيس حجم القلق الجيوسياسي. فالمستثمرون لا يتفاعلون مع المؤشرات الاقتصادية التقليدية فقط، وإنما يعيدون أيضًا تسعير مخاطر الحرب داخل محافظهم المالية.
وظهر ذلك بوضوح في ألمانيا، حيث ارتفعت أسعار الجملة بنسبة 6.3% في أبريل/ نيسان، وهي أعلى وتيرة منذ ثلاث سنوات، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام نتيجة الحرب واضطراب مضيق هرمز. كما تسارع التضخم الألماني إلى 2.9% في الشهر نفسه، فيما بقيت عوائد السندات الألمانية قرب مستويات مرتفعة مع توقع الأسواق أن يرفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة قبل نهاية العام.
ويمتد هذا الضغط بصورة أكثر حساسية إلى السندات الإيطالية وسندات الدول ذات الأعباء المالية المرتفعة. فارتفاع العوائد يزيد كلفة الاقتراض الحكومي ويضغط على الميزانيات الوطنية في اقتصادات تعاني أصلًا من تباطؤ النمو.
كما يكشف هذا المسار سرعة انتقال الشرارات الجيوسياسية من منطقة إلى أخرى عبر ترابط أسواق رأس المال وتوقعات التضخم وأسعار الطاقة. فما يبدأ في مضيق هرمز يمكن أن يظهر في عوائد السندات الألمانية، وفي فواتير الكهرباء، وفي قرارات الفائدة داخل فرانكفورت.
أوروبا بين أمن الطاقة والاستقلال الاستراتيجي
أظهرت الحرب مع إيران مدى ارتباط الاستقرار الاقتصادي الأوروبي بالأمن البحري العالمي واستقرار تدفقات الطاقة الدولية. ورغم الجهود المبذولة لتنويع مصادر الطاقة والتحول إلى مصادر نظيفة، لا تزال الاقتصادات الأوروبية عرضةً بقوة لاضطرابات أسواق الوقود الأحفوري.
ويخلق هذا الاعتماد تناقضات واضحة في السياسات. فالحكومات الأوروبية تسعى إلى تحقيق النمو الاقتصادي والحفاظ على التنافسية الصناعية، لكنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا تضخمية ومخاوف أمنية متزايدة مرتبطة بعدم الاستقرار العالمي.
كما يكشف الوضع محدودية الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية. فحتى عندما ينشأ الصراع خارج القارة، تصل تداعياته سريعًا إلى القرارات النقدية والمالية الأوروبية، وتفرض نفسها على حسابات الحكومات والبنوك المركزية والأسواق.
خطة بروكسل لتقليل التبعية
في مواجهة هذا الواقع، تتحرك المفوضية الأوروبية لتسريع الانتقال نحو طاقة محلية ونظيفة وأكثر قدرة على حماية الاقتصاد من تقلبات الأسواق العالمية. وقد طرحت المفوضية في 22 أبريل/ نيسان 2026 مجموعة إجراءات ضمن خطة "AccelerateEU"، تستهدف خفض الاعتماد على أسواق الوقود الأحفوري المتقلبة، وتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، وتعزيز قدرة أوروبا على الصمود أمام صدمات الأسعار.
وتقوم الخطة على خمسة محاور أساسية:
-
تعزيز التنسيق بين دول الاتحاد،
-
حماية المستهلكين والشركات من قفزات الأسعار،
-
تسريع إنتاج الطاقة النظيفة داخل أوروبا،
-
تطوير منظومة الطاقة والشبكات،
-
وحشد الاستثمارات العامة والخاصة لتمويل التحول.
وتشمل الإجراءات المقترحة دعمًا موجهًا للأسر الأكثر هشاشة، وقسائم للطاقة، وخفضًا مؤقتًا لبعض الرسوم على الكهرباء للفئات المتضررة، إلى جانب تسريع مشاريع الطاقة المتجددة، وتطوير شبكات الكهرباء، وتعزيز التنسيق في ملء مخازن الغاز أو استخدام مخزونات النفط عند الحاجة.
ولا تطرح بروكسل هذه الخطة بوصفها خيارًا بيئيًا فقط، وإنما كضرورة اقتصادية وأمنية. فكلما زادت قدرة أوروبا على إنتاج طاقتها النظيفة محليًا، تراجعت قابليتها للتأثر بالصدمات القادمة من الممرات البحرية ومناطق الصراع.
بعض ما تتضمّنه الخطة
-
تسريع نشر الطاقة المتجددة سنوياً لتصل إلى 100 جيغاوات.
-
العمل على تقليص مدة إجراءات منح التراخيص لمشاريع الطاقة المتجددة عبر أوروبا لتصبح عامين كحد أقصى بحلول نهاية عام 2026.
-
وضع مستهدفات لزيادة حصة الكهرباء في الاستهلاك النهائي للطاقة من حوالي 23% حاليًا إلى 32% بحلول عام 2030.
-
التأكيد على دور الطاقة النووية والمفاعلات الصغيرة النمطية (SMRs) كمصدر للطاقة النظيفة لتعزيز استقرار النظام الطاقي وأمن الإمدادات.
-
تسريع تنفيذ مشاريع الربط البيني الكهربائي بين الدول الأعضاء للوصول إلى هدف ربط بنسبة 15% على الأقل بحلول عام 2030.
-
التخطيط لرفع سعة تخزين الطاقة (مثل البطاريات والضخ المائي) من 55 جيغاوات إلى 200 جيغاوات بحلول عام 2030.
-
حماية المستهلكين والصناعة عبر تقديم دعم مالي مستهدف للأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة لمواجهة قفزات الأسعار.
-
حشد الأموال العامة والخاصة لتغطية احتياجات الاستثمار المقدرة بـ 660 مليار يورو سنويًا، بما في ذلك تحديث نظام تبادل الانبعاثات (ETS) لتمويل التحول الصناعي.
-
تعزيز التنسيق الأوروبي في ملء مخازن الغاز بنسبة تصل إلى 90%، والتنسيق في إطلاق مخزونات النفط الاستراتيجية عند الضرورة.
حين تتحول الطاقة إلى عبء نقدي
تُسابق أوروبا الزمن لتحويل الأزمة الراهنة إلى فرصة لتعزيز استقلالها الاستراتيجي. فبينما يراقب البنك المركزي الأوروبي مستويات التضخم الأساسي بحذر، تمضي بروكسل في خارطة طريق طموحة تهدف إلى حشد استثمارات ضخمة في التحول الأخضر، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.
وتطمح أوروبا، من خلال الطاقة المتجددة والنووية وتطوير شبكات الكهرباء، إلى بناء نظام طاقي أكثر قدرة على الصمود، بما يضمن ألا تبقى السياسة النقدية والنمو الاقتصادي في القارة رهينين لتقلبات الملاحة في مضيق هرمز أو لأزمات تنشأ خارج حدودها.