في خطوة قد تُعدّ تاريخية إذا ما أقدمت عليها الدولة التي تُدين لها إسرائيل بفضل كبير في نشأتها، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يوم الثلاثاء الماضي، أن لندن ستعترف رسميًا بدولة فلسطين في سبتمبر/ أيلول المقبل.
وكانت الحكومة البريطانية قد أصدرت في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1917 ما عُرف بـ"وعد بلفور"، الذي تعهّدت فيه بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
وجاء ذلك في رسالة بعثها وزير الخارجية البريطاني آنذاك، آرثر بلفور، إلى اللورد ليونيل دي روتشيلد، أحد أثرياء الجالية اليهودية في بريطانيا، أبلغه فيها رسميًا أن حكومة صاحب الجلالة "تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية"، وهو ما عُدّ أول التزام غربي صريح بقيام دولة إسرائيل.
بعد نحو قرن وثمانية أعوام على وعد بلفور، استدعى ستارمر أعضاء حكومته من عطلتهم الصيفية يوم الثلاثاء الماضي، وأبلغهم بأن بريطانيا ستعترف رسميًا بدولة فلسطين في سبتمبر المقبل، ما لم تتخذ إسرائيل سلسلة من الإجراءات تشمل، وفقًا لمكتبه:
-
وضع حدّ "للوضع المروّع في غزة".
-
التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
-
الإعلان بوضوح عن رفض ضم الضفة الغربية المحتلة.
-
الالتزام بعملية سلام طويلة الأجل تؤدي إلى حل الدولتين.
وجاء قرار ستارمر بعد ضغوط من داخل حكومته ومن مجلس العموم البريطاني، طالبته بالاقتداء بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والاعتراف بدولة فلسطين، من بينها رسالة وقّعها أكثر من 200 عضو في البرلمان من تسعة أحزاب مختلفة، دعوا فيها إلى الاعتراف الفوري بالدولة الفلسطينية.
من بلفور إلى ستارمر
وتزامن هذا الإعلان مع تأكيد وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، خلال مشاركته في مؤتمر حل الدولتين الذي عقد يومي الإثنين والثلاثاء، على البُعد "التاريخي" لخطة لندن للاعتراف بدولة فلسطين، في إشارة مباشرة إلى وعد بلفور.
وقد جاءت خطوة ستارمر بعد يوم واحد من لقائه بالرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في أسكتلندا، وبعد إعلان الرئيس الفرنسي الأسبوع الماضي أن باريس ستكون أول دولة من مجموعة الدول الصناعية السبع تعترف رسميًا بدولة فلسطين، وذلك خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل في نيويورك.
وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد تبنّت، في الرابع من ديسمبر/ كانون الأول 2024، قرارًا يدعو إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، مع عقد مؤتمر دولي في يونيو/ حزيران 2024 برئاسة فرنسا والسعودية للدفع باتجاه حل الدولتين.
وقد صوّتت لصالح القرار 157 دولة، مقابل ثماني دول عارضته، وأكّد دعم الجمعية العامة الثابت "وفقًا للقانون الدولي، لحلّ الدولتين: إسرائيل وفلسطين، بحيث تعيشان جنبًا إلى جنب في سلام وأمن داخل حدود معترف بها على أساس حدود ما قبل عام 1967".
وقد انعقد المؤتمر بالفعل يومي الاثنين والثلاثاء، برئاسة السعودية وفرنسا، على مستوى وزراء الخارجية، بعد أن كان مقررًا سابقًا عقده على مستوى أعلى في يونيو/ حزيران.
15 دولة تعتزم الاعتراف
وفي ختام المؤتمر، دعت 15 دولة، من بينها فرنسا وكندا وأستراليا، باقي دول العالم إلى إعلان نيتها الاعتراف بدولة فلسطين.
وكتب وزير الدولة الفرنسي جان-نويل بارو في منشور على منصة "إكس"، يوم الأربعاء الماضي: "في نيويورك، مع 14 دولة أخرى، توجه فرنسا نداءً جماعيًا: نعبّر عن عزمنا الاعتراف بدولة فلسطين، وندعو من لم يفعل ذلك بعد إلى الانضمام إلينا".
وإلى جانب فرنسا، انضمت إلى النداء كل من كندا وأستراليا (العضوين في مجموعة العشرين)، إضافة إلى أندورا، وفنلندا، وآيسلندا، وأيرلندا، ولوكسمبورغ، ومالطا، ونيوزيلندا، والنرويج، والبرتغال، وسان مارينو، وسلوفينيا، وإسبانيا.
في المقابل، لم تنضم ألمانيا إلى نداء نيويورك، إذ صرّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس في اليوم نفسه بأن برلين لن تعترف "في الوقت الراهن" بدولة فلسطينية، معتبرًا أن ذلك "ليس بالخطوة الصحيحة".
ستارمر حين أيّد قطع المياه عن غزة
ويمثل إعلان ستارمر تحوّلًا كبيرًا في مواقف سياسي لطالما اتُّهم بالانحياز الواضح لإسرائيل، لا سيما منذ توليه زعامة حزب العمّال البريطاني المعارض عام 2020، ثم وصوله إلى رئاسة الحكومة هذا العام.
ففي 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وبعد أربعة أيام فقط من بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، صرّح ستارمر في مقابلة إذاعية بأن لإسرائيل "الحق" في قطع المياه والطاقة عن القطاع، ما أثار انقسامات حادة داخل حزبه، رغم محاولته لاحقًا التوضيح بأنه كان يقصد أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها.
وقد استقال على إثر تلك التصريحات أكثر من عشرة مسؤولين منتخبين محليًا من حزب العمّال، في حين وقّع نحو 150 مسؤولًا مسلمًا من الحزب على بيان يدعو ستارمر إلى المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار في غزة.
كما وقّع أكثر من 30 نائبًا من حزب العمّال على مذكرة برلمانية تطالب بوقف إطلاق النار، غير أن ستارمر اختار دعم موقف رئيس الوزراء (السابق) ريشي سوناك، الذي دعا إلى "وقف مؤقت" للحرب فقط للسماح بدخول مساعدات إنسانية.
وكان ستارمر قد ركّز، منذ توليه زعامة الحزب، على ما وصفه بـ"اجتثاث معاداة السامية" من داخله، وهو ما اعتُبر قطيعة مع توجهات سلفه جيريمي كوربن الذي هُزم في انتخابات 2019.
وخلال مؤتمر حزب العمّال في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قوبلت إدانة ستارمر لهجوم "طوفان الأقصى" بالتصفيق الحار، في مشهد ناقض ما جرى في عهد كوربن، حيث رُفعت الأعلام الفلسطينية في مؤتمر الحزب عام 2018، ورددت شعارات مؤيدة للفلسطينيين.
سوناك في إسرائيل: أبكي معكم
في مواقفه من الحرب على غزة، لم يكن ستارمر المعارض يختلف كثيرًا عن رئيس الوزراء السابق ريشي سوناك، الذي زار إسرائيل في 19 أكتوبر، بعد يوم من زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن.
وأظهرت مقاطع مصوّرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستقبل سوناك بفتور، متجنبًا تقبيله. وأثناء الزيارة، وصف سوناك هجوم حماس بأنه "عمل إرهابي لا يوصف"، وكتب على "إكس":
أنا في إسرائيل، أمة في حالة حزن. أبكي معكم وأقف معكم ضد آفة الإرهاب. اليوم وإلى الأبد.
ورغم ارتفاع عدد الشهداء من المدنيين الفلسطينيين، رفض سوناك الدعوات إلى وقف إطلاق النار، مكتفيًا بالمطالبة بـ"توقفات مؤقتة" للسماح بدخول المساعدات.
وفي 25 أكتوبر 2023، جدّد موقفه الداعم لـ"حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، مطالبًا بتوفير "بيئة أكثر أمانًا" لإيصال المساعدات، ومؤكدًا أن وقف إطلاق النار "لن يعود بالفائدة سوى على حماس"، فيما يمكن أن يكون "التوقف الإنساني المحدود" أداة عملية.
كما عبّر سوناك عن خلافه مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي قال إن هجمات حماس "لم تأتِ من فراغ"، متحدثًا عن "56 عامًا من احتلال خانق" يعاني منه الفلسطينيون..
معارض للمسيرات المناصرة لغزة
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، طلب سوناك إلغاء مسيرة مؤيدة للفلسطينيين تقرر تنظيمها في لندن يوم "الهدنة" (11 نوفمبر) الذي يوافق الحادي عشر من الشهر نفسه لتكريم الجنود البريطانيين الذين قتلوا في الحربين العالميتين، معتبرًا أن التوقيت "استفزازي ومعيب".
لكن مفوض شرطة لندن مارك راولي رفض منع المسيرة، مشيرًا إلى أنها لا تخرق القوانين، وبالفعل، تظاهر في ذلك اليوم نحو 300 ألف شخص مطالبين بوقف إطلاق النار في غزة.
وأثارت مواقف سوناك ورفض الشرطة منع التظاهرة أزمة داخل الحكومة، أدت إلى إقالة وزيرة الداخلية سويلا برافرمان، التي اتهمت الشرطة بالانحياز، ووصفت المتظاهرين بـ"الغوغاء".
ومع تصاعد العدوان، تباينت نبرة حكومة سوناك، وإن ظلت داعمة لإسرائيل في المجمل. ومن المرات القليلة التي عبّرت فيها لندن عن موقف صارم، كانت في أبريل/ نيسان، بعد مقتل سبعة عمال إغاثة، بينهم ثلاثة بريطانيين، في قصف إسرائيلي استهدف قافلة لمنظمة "وورلد سنترال كيتشن".
آنذاك، استدعت الخارجية البريطانية السفير الإسرائيلي، وعبّر سوناك عن "غضبه"، قائلًا إن الوضع في غزة "أصبح لا يُطاق".
ودعا وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية، أندرو ميتشل، إسرائيل إلى وضع "آلية فاعلة لفض الاشتباك فورًا" لضمان إيصال المساعدات الإنسانية.
الدولة الفلسطينية بين كاميرون وسوناك
ورغم تصريحات وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون، في 30 يناير/ كانون الثاني 2024، بشأن احتمال اعتراف لندن قريبًا بدولة فلسطينية، أكّد المتحدث باسم سوناك آنذاك أن موقف الحكومة "لم يتغيّر"، وأن الاعتراف سيتم "في الوقت الذي يخدم قضية السلام على أفضل وجه".
وكان كاميرون قد دعا، خلال لقاء مع السفراء العرب، إلى منح الفلسطينيين "أفقًا سياسيًا"، معتبرًا أن الاعتراف بدولتهم سيساعد في جعل حل الدولتين "مسارًا لا رجعة فيه". كما أوضح أن بريطانيا ستدرس مع حلفائها "مسألة الاعتراف بدولة فلسطينية، بما في ذلك في الأمم المتحدة".
وما رفضه سوناك يبدو اليوم أنه بات أقرب إلى التحقق مع رئيس الوزراء كير ستارمر، الذي أعلن في مايو/أيار الماضي، إلى جانب الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الكندي، أنهم "لن يقفوا مكتوفي الأيدي" إزاء "الأفعال الشائنة" لحكومة نتنياهو في غزة.