Skip to main content

من يحمي العاملين الإنسانيين عندما يصبحون أهدافًا؟

الأربعاء 19 أغسطس 2026
قافلة للهلال الأحمر السوري تدخل السويداء لإيصال مساعدات إنسانية بعد الاشتباكات - غيتي
يمنح القانون الدولي الإنساني العاملين في الإغاثة حماية من الاستهداف والعنف، ويلزم بتسهيل وصولهم إلى المدنيين. لكن ارتفاع أعداد القتلى بينهم يعيد طرح السؤال الأصعب: من يضمن تنفيذ هذه القواعد، وماذا يحدث عندما تُنتهك؟

في الحرب، يفترض أن يكون العامل الإنساني خارج المعركة: يحمل دواءً أو غذاءً، يصلح شبكة مياه، يدير مأوى، ينقل مصابًا أو يحاول الوصول إلى مدنيين حاصرتهم النيران. لكن الواقع جعل هذا الافتراض أكثر هشاشة. ففي عام 2025 وحده، سجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية مقتل 326 عاملًا إنسانيًا على الأقل في 21 دولة، ليتجاوز عدد القتلى خلال ثلاث سنوات ألف شخص. وتقول الأمم المتحدة إن معظم العاملين الذين يتعرضون للعنف هم موظفون وطنيون يعملون في المجتمعات التي يعيشون فيها أصلًا.

لهذا يأتي اليوم العالمي للعمل الإنساني في 19 أغسطس/آب 2026 برسالة أكثر حدة من مجرد تكريم من يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين. فالحملة الأممية لهذا العام تدعو إلى الانتقال من التعبير عن القلق إلى النتائج والمساءلة، في وقت كان أكثر من 252 مليون شخص حول العالم في حاجة عاجلة إلى المساعدة الإنسانية والحماية بنهاية مايو/ أيار، بينما لم تحصل الخطط الإنسانية إلا على 24.4% من التمويل المطلوب حتى ذلك التاريخ.

لا يتعلق السؤال هنا بوجود الحماية القانونية من عدمها، بل بمدى قدرتها على أن تتحول إلى حماية فعلية. فالقانون يحظر استهداف العاملين الإنسانيين، ويفرض احترامهم وحمايتهم، ويلزم بتسهيل وصول الإغاثة إلى المدنيين وتمكين العاملين المخوّلين من الحركة الضرورية لأداء مهماتهم، كما يوجب التحقيق في الانتهاكات عند وقوعها. لكن الفجوة تبدأ حين تبقى هذه الالتزامات واضحة على الورق، فيما تتعثر المحاسبة في الواقع.


القانون يحمي العامل الإنساني، لكنه لا يمنحه درعًا يمنع القذيفة أو الرصاصة من الوصول إليه 


فريق ميداني يعمل على إصلاح شبكة للمياه في غزة في فبراير/شباط 2025
المصدر: اللجنة الدولية للصليب الأحمر – ICRC

العامل الإنساني ليس طرفًا في الحرب


تنطلق القاعدة الأساسية من صفة العامل نفسه. فـالقاعدة 31 من القانون الدولي الإنساني العرفي تنص على وجوب احترام أفراد الإغاثة الإنسانية وحمايتهم، وتعتبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن هذه القاعدة تنطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. ويستفيد العامل المدني في الإغاثة كذلك من الحماية العامة المقررة للمدنيين ضد الهجوم.

ولا تعني كلمة "الحماية" مجرد عدم إطلاق النار. فالممارسة التي جمعتها اللجنة الدولية تدخل ضمنها الحماية من القتل والاعتداء والاختطاف وأخذ الرهائن والترهيب وسوء المعاملة والاحتجاز التعسفي. كما ترى اللجنة أن واجب الحماية يتضمن جانبًا إيجابيًا: اتخاذ التدابير التي تسمح للعاملين الإنسانيين بأداء مهماتهم من دون تدخل غير مشروع.

تبقى هذه الحماية مرتبطة بصفة الشخص المدنية. فمثل سائر المدنيين، يفقد العامل الإنساني حمايته من الهجوم المباشر فقط إذا شارك مباشرة في الأعمال العدائية، وطوال مدة تلك المشاركة. ولا يعني مجرد وجوده قرب جبهة القتال، أو تفاوضه مع الأطراف، أو نقله المساعدات إلى المدنيين أنه أصبح طرفًا في الحرب.



متى يصبح استهداف عامل الإغاثة جريمة حرب؟


 هنا تحتاج الإجابة إلى الدقة. ليس كل حادث يؤدي إلى مقتل عامل إنساني أو إصابته جريمة حرب تلقائيًا. فإذا أصيب خلال هجوم موجه إلى هدف آخر، لا تكفي النتيجة وحدها للحكم على قانونية الهجوم؛ بل يجب فحص الهدف المقصود، وطبيعة المعلومات التي كانت متاحة للمهاجم، وقواعد التمييز والتناسب والاحتياطات.

أما إذا كان عامل الإغاثة مدنيًا، ووُجه الهجوم إليه عمدًا وهو لا يشارك مباشرة في الأعمال العدائية، فإن حظر استهداف المدنيين ينطبق عليه. ويعد نظام روما الأساسي تعمد توجيه الهجوم إلى المدنيين جريمة حرب عندما تتحقق عناصر الجريمة وشروط اختصاص المحكمة.



ويضع نظام روما أيضًا نصًا خاصًا يتعلق بالمهمات الإنسانية: فتعمد مهاجمة أفراد أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مشاركة في مهمة مساعدة إنسانية وفق ميثاق الأمم المتحدة يمكن أن يشكل جريمة حرب، ما دام الأشخاص أو الأعيان المستهدفة مستحقين للحماية التي يمنحها القانون للمدنيين والأعيان المدنية. وتورد اللجنة الدولية هذه القاعدة صراحة في شرحها لحماية أفراد الإغاثة.

هذا التفصيل مهم: ليست هناك "حصانة مهنية" مطلقة لأن بطاقة الشخص تقول إنه عامل إغاثة. الأساس هو صفته القانونية وسلوكه والظروف التي وقع فيها الهجوم. لكن في المقابل، لا يستطيع طرف في الحرب تحويل العامل الإنساني إلى هدف مشروع بمجرد التشكيك في منظمته أو الاعتراض على عملها.



الحماية لا تعني فقط عدم إطلاق النار


قد تفشل المهمة الإنسانية من دون أن يُطلق أحد رصاصة واحدة. فإذا بقيت شاحنة أدوية أيامًا عند حاجز، أو مُنعت منظمة من الوصول إلى منطقة يحتاج سكانها إلى الغذاء، أو عجز الموظفون عن استخدام طريق ضروري لعملهم، فإن أثر ذلك قد يصل إلى المدني الذي ينتظر المساعدة في الطرف الآخر.

ولهذا تنص قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي على أن أطراف النزاع يجب أن تسمح بـالمرور السريع ومن دون عرقلة للمساعدات الإنسانية المحايدة إلى المدنيين المحتاجين وتسهله، مع احتفاظها بحق الرقابة على المساعدات. وينص البروتوكول الإضافي الأول كذلك على تسهيل مرور مواد الإغاثة ومعداتها وأفرادها، حتى عندما تكون المساعدة موجهة إلى سكان الطرف الخصم.


لا تقتصر حماية العاملين الإنسانيين على منع استهدافهم، بل تشمل أيضًا تمكينهم من أداء المهمات الضرورية للوصول إلى المدنيين. 

سيارة إسعاف مدمرة تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني في دير البلح 
المصدر: الأرشيف السمعي البصري للجنة الدولية للصليب الأحمر

يتمتع العاملون والمركبات الطبية بحماية خاصة إضافية في القانون الدولي الإنساني، إلى جانب القواعد العامة التي تحمي المدنيين والعاملين في الإغاثة. 

أما العاملون المخولون، فيجب ضمان حرية حركتهم بالقدر الضروري لأداء وظائفهم. ويجيز القانون تقييد الحركة مؤقتًا فقط عند وجود ضرورة عسكرية قهرية؛ أي إن الاستثناء ليس ترخيصًا مفتوحًا بإغلاق الطريق أمام العمل الإنساني إلى أجل غير محدد.

وتوضح اللجنة الدولية أن واجب احترام العاملين وحمايتهم يتصل أصلًا بهدف أكبر: أن يستطيعوا الوصول إلى ضحايا النزاع. ولذلك يمكن أن يكون الاعتقال التعسفي أو التخويف أو منع الحركة غير المشروع اعتداءً على الحماية القانونية حتى عندما لا تقع ضربة عسكرية مباشرة.



الخطر الأكبر يقع غالبًا على العامل المحلي


تلفت حملة اليوم العالمي للعمل الإنساني لعام 2026 إلى مسألة كثيرًا ما تضيع خلف أسماء المنظمات الدولية: معظم العاملين الإنسانيين المتضررين من العنف موظفون وطنيون يعملون في بلدانهم ومجتمعاتهم. هؤلاء لا يغادرون منطقة الحرب في نهاية المهمة؛ فقد يكون المنزل نفسه داخل منطقة القصف، والطريق إلى العمل جزءًا من ساحة الخطر.

وهذا يفسر لماذا لا تعني حماية العامل الإنساني تأمين مقر منظمة دولية فحسب. فالعامل المحلي قد يكون مسعفًا أو سائقًا أو مهندس مياه أو موظف مستودع أو متطوعًا يعرف الطرق والأحياء والعائلات، وغالبًا ما يكون أول من يصل وآخر من يستطيع المغادرة.


يحمي القانون الدولي الإنساني العاملين المدنيين في الإغاثة، ويلزم أطراف النزاع باحترامهم وتسهيل وصول المساعدات إلى المحتاجين 


متطوعة في جمعية الهلال الأحمر السوداني في بورتسودان، مارس 2024

 تؤكد الأمم المتحدة أن معظم العاملين الإنسانيين المتضررين من العنف هم موظفون وطنيون يعملون داخل مجتمعاتهم

القواعد موجودة.. من يفرضها؟


هنا تقع العقدة الأساسية. فالقانون يحدد ما يجب على أطراف النزاع فعله، لكنه لا ينشر حارسًا إلى جانب كل قافلة أو مستشفى أو موظف إغاثة. المسؤولية المباشرة تبدأ من الأطراف نفسها: احترام القانون، حماية المدنيين والعاملين الإنسانيين، وتسهيل وصول الإغاثة وفق الشروط التي يضعها القانون الدولي الإنساني.

لكن عندما يقع الاعتداء، تصبح المساءلة جزءًا من الحماية أيضًا. ففي مايو/ أيار 2024 اعتمد مجلس الأمن القرار 2730 بشأن حماية موظفي الأمم المتحدة والعاملين الإنسانيين، ودعا إلى احترامهم وحمايتهم وفق القانون الدولي، كما شدد على إجراء تحقيقات شاملة ونزيهة في الانتهاكات المرتكبة ضدهم ومحاسبة المسؤولين عنها.



وفي أبريل/ نيسان 2026 عاد وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر إلى المجلس محذرًا من أن أكثر من ألف عامل إنساني قُتلوا خلال ثلاث سنوات، ومطالبًا بأن تتحول قواعد الحماية إلى مساءلة فعلية. كما أشارت إحاطة أممية أخرى في الشهر نفسه إلى حوادث حديثة قُتل فيها عاملون أثناء أداء مهماتهم، مع التأكيد على استمرار غياب المحاسبة في عدد منها.

لهذا لا تختار حملة 2026 كلمة "العواقب" مصادفة. فبين إدانة الهجوم والتحقيق فيه مسافة قانونية وسياسية كبيرة، وبين التحقيق وملاحقة المسؤولية مسافة أخرى. وإذا توقفت العملية عند البيان، تبقى القاعدة مكتوبة فيما لا يتغير خطر الهجوم التالي.


لماذا أصبح 19 أغسطس يومًا للعمل الإنساني؟


يحمل التاريخ نفسه ذكرى هجوم استهدف الأمم المتحدة في العراق. ففي 19 أغسطس /آب 2003 انفجرت شاحنة مفخخة قرب مقر المنظمة في فندق القناة في بغداد، ما أدى إلى مقتل 22 شخصًا، بينهم الممثل الخاص للأمين العام في العراق والمفوض السامي لحقوق الإنسان سيرجيو فييرا دي ميلو، وإصابة أكثر من 150 شخصًا.

بعد خمس سنوات، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة 19 أغسطس يومًا عالميًا للعمل الإنساني، لتكريم العاملين في هذا المجال ومن فقدوا حياتهم أثناء أداء مهماتهم، ولزيادة الوعي بالعمل الإنساني عالميًا.

وبعد 23 عامًا على تفجير بغداد، أصبحت المفارقة أوضح: اليوم الذي بدأ لإحياء ذكرى عمال إغاثة قُتلوا أثناء عملهم يأتي في وقت تسجل فيه أعداد القتلى في المجال الإنساني مستويات استثنائية، بينما تتسع الاحتياجات التي يفترض بهؤلاء العاملين تلبيتها.




عمال وجنود يبحثون وسط أنقاض مقر الأمم المتحدة في فندق القناة ببغداد بعد تفجير 19 أغسطس 2003 - الصفحة التذكارية الرسمية للأمم المتحدة

القانون موجود.. لكن الحماية تحتاج إلى نتيجة

المشكلة إذًا ليست أن القانون نسي العامل الإنساني. فالقواعد تحظر استهدافه إذا كان مدنيًا، وتطالبه بالحماية، وتنظم وصول الإغاثة وحرية حركة العاملين المخولين، وتفتح باب المسؤولية الجنائية حين تتحقق عناصر جرائم الحرب.

المشكلة الأصعب تظهر عندما تتحول هذه القواعد إلى جملة تتكرر بعد كل حادثة ثم تنتهي عندها. فالعامل الذي يدخل منطقة نزاع لإصلاح شبكة مياه أو نقل دواء أو مساعدة أسرة لا يصبح جزءًا من الحرب لأنه دخل ساحتها. وحمايته لا تبدأ بعد موته ببيان إدانة، وإنما قبل ذلك بمنع استهدافه وتمكينه من أداء عمله، وبعد الانتهاك بتحقيق قادر على الوصول إلى المسؤولية.

ربما لهذا يحمل اليوم العالمي للعمل الإنساني هذا العام رسالة مختلفة: تكريم من يساعدون الآخرين مهم، لكن الحماية الحقيقية تُقاس بما يحدث عندما تُخرق القاعدة.


المصادر الأساسية


  • الأمم المتحدة – اليوم العالمي للعمل الإنساني 2026: أرقام الاحتياجات الإنسانية، تمويل الاستجابة، أعداد العاملين القتلى ورسالة حملة 2026.
  • اللجنة الدولية للصليب الأحمر – القاعدة 31: احترام العاملين في الإغاثة الإنسانية وحمايتهم.
  • اللجنة الدولية للصليب الأحمر – القاعدة 55 والبروتوكول الإضافي الأول: وصول الإغاثة الإنسانية إلى المدنيين.
  • اللجنة الدولية للصليب الأحمر – القاعدة 56: حرية حركة العاملين في الإغاثة الإنسانية.
  • المحكمة الجنائية الدولية / نظام روما: تعمد توجيه الهجمات إلى المدنيين كجريمة حرب في الحالات التي تتحقق فيها عناصر الجريمة.
  • مجلس الأمن – القرار 2730 لعام 2024: حماية موظفي الأمم المتحدة والعاملين الإنسانيين والتحقيق والمساءلة.
  • الأمم المتحدة – تفجير فندق القناة في بغداد: خلفية 19 أغسطس/آب واليوم العالمي للعمل الإنساني.

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة