بوسيلة أو بأخرى، انتزع الأسير الفلسطيني محمود العارضة حريته أخيرًا بصفقة تبادل أعادت الحياة لإنسان محفور في وجدان شعبه بسبب قيادته عملية "الهروب الكبير" أو "نفق الحرية" من سجن جلبوع الإسرائيلي شديد التحصين في سبتمبر/ أيلول 2021.
وأُطلق سراح العارضة (50 عامًا) أمس الإثنين ضمن صفقة تبادل أسرى في إطار المرحلة الأولى من اتفاق وقف الحرب في غزة، والذي دخل حيز التنفيذ الجمعة.
وتمكن الأسير المحرر ورفاقه قبل سنوات من الفرار من سجن جلبوع بحفر "نفق الحرية" باستخدام ملاعق.
لقاء بعد فراق
وظهر العارضة في مقطع فيديو اليوم الثلاثاء بينما يتناول طعام الإفطار وفي يده ملعقة، معلقًا: "هذا أول لقاء بيني وبين المعلقة بعد فراق طويل دام أربع سنوات".
وأضاف العارضة مازحًا، أن "هذا اللقاء مع الملعقة بحضور جنب بلدي وزعتر. وعندما تلتقي الجبنة مع الزعتر فقد تحدث كارثة بالمنطقة بأسرها".
"أول لقاء بيني وبين المعلقة".. الفطور الأول لمهندس عملية "نفق الحرية" محمود العارضة، بعد تحريره في صفقة التبادل pic.twitter.com/eX9nISSvZl
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) October 14, 2025
ونفذ عملية "الهروب الكبير" أو "نفق الحرية" كل من العارضة وخمسة أسرى آخرين، جميعهم من محافظة جنين شمال الضفة الغربية المحتلة، وهم: أيهم كممجي، ومحمد العارضة، ويعقوب قادري، وزكريا الزبيدي، ومناضل انفيعات.
وآنذاك تمكن الستة من الفرار عبر نفق حفروه باستخدام ملاعق طعام أسفل السجن، لكن أعيد اعتقالهم بعد أيام إثر مطاردة إسرائيلية واسعة واهتمام إعلامي عالمي.
وأطلقت حركة الجهاد الإسلامي في حينه على "العارضة" لقب "قائد عملية التحرر وانتزاع الحرية".
وفي 2014، حاول العارضة مرتين الفرار من السجن، وفي إحداها حفر نفقًا أسفل سجن "شطّة" المجاور لسجن جلبوع، لكنه كُشف، وعاقبته إسرائيل بالسجن الانفرادي لأكثر من عام.
ومن المفترض أن يتم إبعاد العارضة ضمن 154 أسيرًا محررًا، خارج الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس المحتلة.
من هو محمود العارضة؟
والعارضة أحد قيادات حركة الجهاد الإسلامي، وتصنفه مصلحة السجون والمخابرات الإسرائيلية أحد أكثر الأسرى "خطورة".
ووُلد العارضة لأسرة فلسطينية فقيرة في منزل على أطراف بلدة عرّابة شمال مدينة جنين في الضفة الغربية المحتلة. واعتُقل في 1991، وكان عمره 14 عامًا، بتهمة إلقاء عبوات حارقة "مولوتوف" على قوات الاحتلال الإسرائيلية.
وأُفرج عنه بعد ثلاث سنوات ونصف، ليعود من جديد إلى مقاومة الاحتلال. وبعد تحرره، نفذ عمليات مسلحة ضد إسرائيل، إحداها أسفرت عن مقتل مستوطن إسرائيلي.
وفي 1996، اعتقل العارضة، وأصدرت محكمة إسرائيلية بحقه حكمًا بالسجن المؤبد مدى الحياة. وفي سجنه، بات مهندس عملية "نفق الحرية" أحد أبرز قيادات أسرى حركة الجهاد الإسلامي، وانتخب عضوًا في الهيئة القيادية العليا لأسرى الحركة، ونائبًا للأمين العام للهيئة.
مثقف ورياضي ومؤلف
وبين مختلف السجون الإسرائيلية، تنقّل العارضة واستثمر سنوات الاعتقال بالعلم والدراسة، وتمكن من حفظ القرآن الكريم كاملًا.
ويقول مقربون منه إنه "مثقف ورياضي وعنيد وحَسن الخُلق، ويمتلك علاقات جيدة مع جميع الأسرى من كافة الفصائل الأخرى".
ولم يتمكن من الدراسة الجامعية بسبب عمله المقاوم وسنوات اعتقاله الطويلة، وقد ألّف عددًا من الكتب، ويُعرف بحبه للقراءة والاطلاع.
ومن بين مؤلفاته "فقه الجهاد"، و"تأثير الشيخ الغزالي على حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، منهجًا وفكرًا"، ولديه مؤلفات أخرى لم ترَ النور بعد.