الأربعاء 10 يونيو / يونيو 2026
Close

"مهن النزوح".. لبنانيون يستعيدون العمل بعد خسارة البيوت والمتاجر

"مهن النزوح".. لبنانيون يستعيدون العمل بعد خسارة البيوت والمتاجر

شارك القصة

نازحون من جنوب لبنان يحاولون استعادة مصادر رزقهم عبر مشاريع صغيرة داخل مراكز الإيواء، من المناقيش والعصائر إلى مبادرات إنتاجية ترافقهم في انتظار العودة.
الخط
نازحون من جنوب لبنان يحاولون استعادة مصادر رزقهم عبر مشاريع صغيرة داخل مراكز الإيواء، من المناقيش والعصائر إلى مبادرات إنتاجية ترافقهم في انتظار العودة.
داخل المدرسة الكويتية في مدينة صيدا، لا يشبه الصباح صباحات مراكز الإيواء التقليدية.

  • عند زاوية من المكان، تُعدّ نسرين سويدان مناقيشها على صاج صغير.

  • قرب المدخل، يبيع ياسر القهوة والسكاكر والمشروبات.

  • وعلى مقربة منه، يحضّر علي العصائر للنازحين،

كأنه يحاول أن ينقل جزءًا من متجره الذي خسرته الحرب إلى مساحة مؤقتة فرضها النزوح.


 ليست هذه المشاريع الصغيرة ترفًا، ولا محاولة لتجميل واقع قاسٍ. 

إنها طريقة للنجاة اليومية، وللإمساك بخيط رفيع من القدرة على العمل، في وقت خسر فيه كثيرون منازلهم ومتاجرهم ومصادر رزقهم.


من صيدا إلى برجا، ومن صاج المناقيش إلى الكنافة، تكشف قصص نازحين من جنوب لبنان وجهًا آخر من الحرب:  

مهن صغيرة تنشأ في الهامش، لا تعوّض الخسارة،
لكنّها  تمنح أصحابها دخلًا محدودًا، وشيئًا من الكرامة، وبعضًا من معنى الاستمرار.

مهن صغيرة في وجه النزوح


منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2 مارس/ آذار 2026، وجد آلاف اللبنانيين أنفسهم أمام حياة جديدة، قاسية ومؤقتة ومفتوحة على المجهول.

تركوا منازلهم في الجنوب، وحملوا ما استطاعوا حمله، وانتقلوا إلى مراكز إيواء أو شقق مستأجرة، بانتظار ما سيحمله اليوم التالي.

لكن بعض النازحين لم يكتفوا بانتظار المساعدات أو مراقبة أخبار الجبهة، فقرّروا مواجهة الواقع وعدم الاستسلام للحرب.

في قلب النزوح، حاولوا استعادة شيء من حياتهم السابقة عبر العمل.

مشاريع صغيرة جدًا، بأدوات محدودة، وبأرباح متواضعة، لكنها بالنسبة إلى أصحابها أكثر من مصدر رزق.

إنها طريقة لمقاومة العجز، وللحفاظ على الإحساس بأن الإنسان لا يزال قادرًا على الفعل.


في هذه المساحة، يوثّق موقع التلفزيون العربي قصص نازحين من جنوب لبنان استعادوا مهنهم أو ابتكروا أعمالًا صغيرة داخل النزوح، من المناقيش والفول والترمس، إلى القهوة والعصائر والسكاكر، وصولًا إلى الكنافة التي انتقلت مع أصحابها من صور إلى برجا.


مهن النزوح

نسرين.. صاج مناقيش داخل مركز الإيواء


داخل المدرسة الكويتية في مدينة صيدا، تمكث نسرين سويدان، البالغة من العمر 50 عامًا، منذ بداية الحرب.

جاءت من مدينة صور مع أبنائها الثلاثة، وهي تحمل معها تعب النزوح وخبرة طويلة في العمل، وقناعة راسخة بأنها لا تريد أن تعيش عاجزة ما دامت قادرة على الإنتاج.

تقول سويدان إن "عزة النفس" كانت دافعًا أساسيًا للبحث عن عمل داخل مركز الإيواء.


نسرين سويدان

مع أبنائها الثلاثة، قررت سويدان، وهي من مدينة صور جنوب لبنان، تثبيت صمودها في وجه الحرب

لم تكن الفكرة في البداية كبيرة. موقد غاز صغير، ووعاء، وبعض الأدوات البسيطة لطهو الفول والترمس وبيعهما للنازحين. ان الهدف تأمين مبلغ محدود يساعدها في مصاريفها ومصاريف أبنائها، وسط ظروف لا تسمح بالترف.

لكن التجربة لم تستمر طويلًا. فالتكاليف كانت مرتفعة، والأرباح قليلة، والأسعار التي وضعتها نسرين راعت أوضاع النازحين الذين لا يملكون الكثير. كانت تبيع صحن الفول أو الترمس بنحو 100 ألف ليرة، أي ما يقارب دولارًا واحدًا، فيما لم تكن الأرباح اليومية تتجاوز أحيانًا 10 دولارات.

تقول سويدان لموقع التلفزيون العربي: "وجدتُ نفسي أدفع كل ما أجنيه على العمل نفسه. الجهد كبير، والمصاريف كثيرة، ورأس المال غير متوافر. لذلك قررت أن أوقف بيع الفول والترمس".

لكن لم تكن تلك النهاية. فبعد التجربة الأولى، انتقلت سويدان إلى نشاط آخر أكثر طلبًا داخل المركز: المناقيش.

استقدمت خيمة صغيرة وصاجًا، واشترت ما تحتاجه من مواد غذائية، وبدأت عملًا جديدًا ينسجم أكثر مع حاجة النازحين اليومية.


بعد التجربة الأولى، انتقلت سويدان إلى نشاط آخر أكثر طلبًا داخل المركز: المناقيش

 استقدمت سويدان خيمة و"صاجة للمناقيش"، كما اشترت مختلف السلع الغذائية المطلوبة لعملها الجديد

منذ الصباح الباكر، تستيقظ نسرين لتحضير المناقيش وبيعها داخل المركز. ترتاح ظهرًا، ثم تعود مساءً إلى العمل. بالنسبة إليها، لا يتعلق الأمر ببيع الطعام فقط، إنما بالحفاظ على نمط حياة تعرفه جيدًا: الاستيقاظ، التحضير، البيع، احتساب الكلفة، ومحاولة تأمين يوم جديد بأقل خسائر ممكنة.

قبل النزوح، عملت نسرين لسنوات في متاجر صغيرة داخل مدارس في جنوب لبنان، حيث كانت تشرف على بيع السلع الغذائية للطلاب. لاحقًا، افتتحت دكانًا صغيرًا في صور لتأمين مصاريف المنزل وتعليم أبنائها، بعدما توفي زوجها منذ سنوات طويلة وتركها أمام مسؤولية عائلة كاملة.

تقول: "اضطررت إلى العمل لأن أبنائي كانوا أطفالًا حين توفي زوجي. لا عيب في أي مهنة طالما أنها تعطينا رزقًا حلالًا".

نسرين

بعد إعلان وقف إطلاق النار الهش في منتصف أبريل/ نيسان 2026، عادت سويدان إلى صور لتفقّد منزلها ومتجرها، أو ما تصفه بـ"ملاذها الدافئ". لكنها سرعان ما رجعت إلى مركز الإيواء، حيث لا تزال الحياة معلّقة على تطورات الحرب، وحيث صار صاج المناقيش مساحة صغيرة للعمل وسط واقع مؤقت قد يطول.

ياسر وعلي.. قهوة وعصائر لكسر قسوة الانتظار


في المدرسة نفسها، بدأ ياسر حمود وعلي الشلاح تجربتين متجاورتين في المعنى والمكان.

الأول يبيع القهوة والمشروبات الغازية والسكاكر داخل خيمة صغيرة، والثاني يحضّر العصائر عند مدخل المدرسة.

ياسر حمود وعلي الشلاح

لكلّ من ياسر وعلي قصّته، وخسارته، وطريقته في مقاومة الفراغ الثقيل الذي يصنعه النزوح

وصل ياسر، المعروف باسم "أبو جود"، من كفرتبنيت إلى صيدا وفي جيبه 4 دولارات فقط.

يروي أنه كان يستعد فجر 2 مارس/ آذار لإعداد الكعك وبيعه في كشك صغير قرب منزله، حين بدأت الأخبار تتسارع عن التصعيد وحركة النزوح من الجنوب.

عندها، أبلغ زوجته ماجدة بضرورة المغادرة، وحمل معه الكعك الذي كان قد حضّره، ليكون طعامًا للعائلة خلال الطريق.

على متن دراجته النارية، وصل ياسر إلى مدينة صيدا، ثم إلى المدرسة الكويتية بعدما علم أنها تستقبل النازحين. وبعد أيام من الإقامة في المركز، شعر أن عليه أن يفعل شيئًا.


إنه قرر وضع خيمة داخل مركز النزوح لبيع القهوة والمشروبات والسكاكر، مضيفًا أنه فكر أيضًا في بيع الكعك، لكنه ركّز على السلع اليومية التي يحتاجها النازحون ولا يستطيعون دائمًا الخروج لشرائها.

رفض ياسر أن يبقى منتظرًا، ولا أن يعجز عن تأمين حاجات زوجته وطفله جود 

في حديثه إلى موقع التلفزيون العربي، يقولُ ياسر إنه قرر وضع خيمة داخل مركز النزوح لبيع القهوة والمشروبات والسكاكر، مضيفًا أنه فكر أيضًا في بيع الكعك، لكنه ركّز على السلع اليومية التي يحتاجها النازحون ولا يستطيعون دائمًا الخروج لشرائها.

لم يكن يملك المال الكافي للانطلاق، فاستدان 400 دولار من أحد معارفه، واشترى بها البضائع الأولى.

ومع الوقت، وسّع نشاطه تدريجيًا، فأحضر آلة لصنع الفوشار، وماكينة للعصير المثلج، وحاول أن يوفّر ما يحتاجه الأطفال والعائلات داخل المركز.

يعمل ياسر طوال النهار وحتى ساعات متأخرة من الليل. تساعده زوجته ماجدة في العمل، كما كانت تفعل سابقًا في متجره الصغير. تقول: "من واجبي أن أكون إلى جانبه وأسانده. هو يتعب من أجلنا، والمرأة سند لزوجها في وقت الشدائد".

في الليل، ينام ياسر أحيانًا داخل الخيمة قرب البضائع، خشية تعرّضها للسرقة. لا يرى في ذلك مشكلة كبيرة.

يقول الشاب البالغ من العمر 27 عامًا: "اعتدت النوم هنا. البرد والتعب لا يهمانني كثيرًا. ما أفكر به الآن هو الاستمرار".


اقتباس ياسر

أما علي الشلاح، شقيق ياسر من والدته، فاختار أن ينقل مهنته السابقة إلى مركز النزوح. كان يعمل في بيع العصائر وأطباق الفواكه في البرج الشمالي، قبل أن يتعرّض متجره للتدمير خلال الحرب.

لم يملك فرصة لاستعادة المكان، لكنه وجد وسيلة لاستعادة المهنة.

في حديثه عبر موقع "التلفزيون العربي"، يقولُ علي إنه لم يتوانَ لحظة عن السعي للعمل من أجل كسب المال والرزق، مشيرًا إلى أن شقيقه أحضر له من الجنوب عصّارة كهربائية ليقوم عبرها بإعداد العصير وبيعه للناس،


علي الشلاخ

حين يتحدث عن متجره في البرج الشمالي الذي دمّره القصف الإسرائيلي، تتبدل نبرة علي.

يقول إن ذكريات سنوات طويلة سقطت في لحظة واحدة.

كان قد بنى عمله بالتدريج، وسهر ليالي كثيرة لتطويره، وكان يوثق أطباقه ووصفاته ويحرص على التمايز عن غيره.

عن ذلك، يقول علي: "لقد أسست عملًا رائعًا وكنت أحرصُ على إعداد أشهى أطباق الفواكه على أنواعها. لم أكن أبخل يومًا على عملي، فلقد سهرت الليالي لكي أتطور وأتقدم، وكنت أوثق عملي بشكل مستمر".

بالنسبة إليه، صناعة العصائر وأطباق الفواكه ليست تجارة فقط، فهي تمثل "فنًا" بكلّ ما للكلمة من معنى.


علي 2

إلى جانب بيع العصائر، يتطوع علي مع جمعية URDA، المعنية بإدارة مركز النزوح في المدرسة الكويتية.

يقول إنه يشعر بمعاناة النازحين لأنه واحد منهم،

ويضيف: "منذ الصباح الباكر، أتابع مع المتطوعين شؤون المركز. صرنا كأننا عائلة واحدة، نتبادل المساعدة والأفكار".


من المساعدة إلى الإنتاج.. مشروع تنموي داخل المدرسة الكويتية


ما بدأته نسرين وياسر وعلي، تريد جمعية URDA تحويله إلى مشروع أوسع داخل المدرسة الكويتية.

الفكرة تقوم على إنشاء 30 مشروعًا صغيرًا للنازحين في المركز، على أن يوضع كل مشروع داخل خيمة خاصة مجهّزة بالمستلزمات الأولية.

تقول المديرة التنفيذية للجمعية، جيهان القيسي، لموقع التلفزيون العربي، إن الحياة لا يمكن أن تتوقف مع النزوح، وإن كثيرًا من النازحين الذين التقتهم تحدثوا عن خسارة أعمالهم ومصادر رزقهم.

من هنا، جاءت فكرة إطلاق مشروع تنموي يتيح لهم الإنتاج خلال فترة النزوح.


1ddbe647-1585-4c2a-bf41-892d2724ae5f.png

وتوضح القيسي أن النساء ستكون لهن مشاركة بارزة في المشروع، مشيرة إلى أن أهل الجنوب يحملون ارتباطًا عميقًا بالعمل والإنتاج، وأن المبادرة تسعى إلى منح النازحين مساحة لإظهار مهاراتهم بدل البقاء في دائرة الانتظار.

كانت الجمعية تسعى إلى إنجاز المبادرة قبيل عيد الأضحى، أواخر مايو/ أيار الماضي. ووفق القيسي، سيحمل كل مشروع اسم المهنة مع اسم المنطقة الجنوبية التي ينتمي إليها صاحبه، مثل: "حديقة أرزي"، و"خضار النبطية"، و"أنامل القعقعية"، و"عطورات الخرايب"، وغيرها من الأسماء التي تربط العمل بالمكان الأصلي للنازحين.

تضيف القيسي أن الجمعية أعدّت قائمة بالنازحين ومهنهم، وأنها تسعى إلى الاستعانة بهم في الأعمال التي يحتاجها المركز بدل استقدام عمال من خارجه، بما يسمح بتوجيه الأموال إلى النازحين أنفسهم.

وتقول: "نريد أن نعطي الأمل للنازحين، وأن نخفف من حدة الإشكالات التي بدأت تظهر بسبب طول فترة النزوح. هذا المشروع سيكون مساحة لتفريغ الطاقات والمواهب".

وتشير القيسي إلى أن فتح المشروع لاحقًا أمام الناس من خارج المركز فكرة مطروحة، لكنها تحتاج إلى دراسة مع الجهات المعنية، من حيث التنظيم، والسلامة، وآلية استقبال الزوار.


اقتصاد النزوح.png

الكنافة تنزح من صور إلى برجا


خارج مركز الإيواء، أخذت مهن النزوح شكلًا آخر. بعض المشاريع لم تولد من الصفر، إنما انتقلت مع أصحابها من المدن التي غادروها إلى أماكن أكثر أمانًا.

هكذا فعل علي الزين ومحمد خليل، صاحبا مشروع لإنتاج الحلويات، ولا سيما الكنافة المثلجة.

أسس الزين وخليل مشروعهما في مدينة صور عام 2019، قبيل الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان.

واجها تحديات مالية ومعيشية كثيرة، لكنهما تمسكا بالعمل. ومع اندلاع الحرب عام 2026، توقّف معملهما في صور، ونزحا إلى برجا في جبل لبنان.

لشهرين تقريبًا، بقي الإنتاج متوقفًا بسبب غياب المعدات. لكن الاتصالات المتكررة من الزبائن شجّعتهما على استئناف العمل.


الكنافة التي نزحت

بعد إعلان الهدنة في منتصف أبريل/ نيسان، عاد الزين وخليل إلى صور لجلب بعض أدوات صناعة الكنافة. ومن برجا، أعادا تشغيل جزء من نشاطهما، بهدف تزويد المتاجر التي كانت تبيع منتجاتهما في مناطق مختلفة من لبنان.

يقول الزين: "نوزع الكنافة على متاجر عدة، لذلك قررنا الاستمرار حتى لا نخسر اسمنا في السوق. صحيح أن الأرباح تراجعت قليلًا، لأننا نحاول تثبيت أنفسنا من جديد، لكننا مستمرون في الإنتاج".

يركز الزين، المتخصص في صناعة الحلويات، على جودة المواد الأولية.

بالنسبة إليه، لا يسمح النزوح بتخفيض المستوى أو التعامل مع الزبائن كأنهم أمام منتج مؤقت.

يقول: "مهما حصل، نحرص على الجودة العالية. هذا ما بنينا عليه اسمنا، وهذا ما نريد الحفاظ عليه".


عمل صغير لا يلغي الخسارة

لا تعوّض هذه المشاريع خسارة بيت أو متجر أو مدينة مؤجلة العودة. ولا تجعل الحرب أقل قسوة على من وجدوا أنفسهم فجأة في مدارس ومراكز إيواء أو في بلدات جديدة.
لكنها تكشف أن النزوح لا يسلب الناس مصادر رزقهم فقط، إنما يدفعهم أحيانًا إلى إعادة ابتكار العمل بأدوات قليلة ومساحات ضيقة.

في صاج نسرين، وخيمة ياسر، وعصائر علي، وكنافة صور التي انتقلت إلى برجا، لا تبدو المهنة مجرد وسيلة لكسب المال.
إنها محاولة لاستعادة شيء من الحياة العادية، ولو مؤقتًا، إلى حين العودة.

 

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من